تساؤلات الدور الروسي في الصراع السوري

ماجد كيالي

[ad_1]

غيّر التدخل العسكري الروسي في سورية، في أيلول/ سبتمبر 2015، كثيرًا من موازين القوى ومن معادلات الصراع، في هذا البلد، بل إنه منع النظام من الانهيار، وقوّى موقفه على الأرض، إذ إنه حدّ من قدرة جماعات المعارضة العسكرية على التمدد، وكلف السوريين باهظًا في الأرواح والممتلكات، كذلك أسهم في تراجع نفوذ إيران، وفي جعل روسيا بمثابة صاحبة القرار الأول في الشأن السوري أمام العالم، كما أنها استطاعت من خلال ذلك فرض ذاتها كلاعب رئيس في المنطقة وكندٍّ للولايات المتحدة، بحسب ما تعتقده.

معلوم أن روسيا كانت قد بذلت، قبل تدخلها العسكري، جهدًا كبيرًا، على كافة الأصعدة، في تشويه مطالب السوريين، وطمس توقهم إلى الحرية والكرامة، بادعائها أن ما يجري هو حرب أهلية طائفية ودينية، وأن الجماعات الإرهابية هي المتسببة فيها، بل إنها لم تدخر جهدًا للتأثير في جماعات المعارضة، وخلق البلبلة في أوساطها، فضلًا عن حؤولها دون صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي يجبر النظام على وقف القتل والقصف، ويأتي ضمن ذلك إصرارها على تفسيرها الخاص لبيان جنيف 1 عام 2012، القاضي بإنشاء هيئة حكم انتقالية في سورية، بكامل الصلاحيات التنفيذية، بادعائها أن ذلك لا يشمل رحيل الأسد.

من كل ما تقدم يبدو واضحًا أن روسيا بوتين تخوض في سورية معركة على مكانتها في العالم، أو أن هذا هو منظورها الاستراتيجي للانخراط في الصراع السوري، إذ من غير المعقول أن تغامر إلى هذا الحد في بلد صغير بموارده وبحجمه، بدعوى رفضها التدخل الخارجي ودفاعها عن سيادة دولة أخرى، أو بدعوى أن وجودها شرعي كونها مدعوة من قبل النظام، علمًا أن هذا النظام بات فاقدًا للشرعية والسيادة، في آن معًا، طالما أنه لا يحفظ أمن واستقرار شعبه، بحسب المعايير الدولية، بل إنه يستهدفه بالقتل ويدمر عمرانه، ويشرده في أنحاء الدنيا.

لكن على ماذا تقاتل روسيا في سورية إلى هذه الدرجة إذًا؟ في الحقيقة ثمة عدد من الملفات العالقة بشأن روسيا، من ضمنها:

أولًا، محاولتها استعادة مكانتها كدولة عظمى في العالم، أو كندّ للولايات المتحدة الأميركية، وهذا هو هاجس بوتين المهووس بداء العظمة وميله لاستعراض القوة. مثلًا، ففي خطابه في مجلس الدوما 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، رفع بوتين شعار: “بناء روسيا القومية”، وقال: “قوتنا في داخلنا، في شعبنا وتقاليدنا وثقافتنا واقتصادنا، وفي أراضينا الشاسعة وثروتنا الطبيعية وقدرتنا الدفاعية، والأهم في وحدة شعبنا”.

ثانيًا، المساومة مع النظام الدولي، في مسألة النزاع على أوكرانيا بعد خروجها من النفوذ الروسي، الأمر الذي رأى فيه بوتين محاولة أميركية لتحجيم روسيا في فنائها الخلفي، وهو أمر يصعب على شخص مثله هضمه أو تمريره.

ثالثًا، التعبير عن غضب القيادة الروسية من تراجع أسعار النفط، والذي تحمّل مسؤوليته للسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة والقوى الحليفة لها، بظنها أن ذلك يستهدف الضغط على روسيا وإضعافها.

رابعًا، إيجاد الأوراق التي تسمح ببذل الضغوط على الولايات المتحدة الأميركية، لدفعها إلى التراجع عن العقوبات التي فرضتها على روسيا، بخصوص حظر الصادرات التكنولوجية إليها.

خامسًا، اعتبار المعركة ضد جماعات الإرهاب أو ضد القوى الإسلامية المتطرفة في المنطقة جزءًا من الأمن القومي الروسي، ونوعًا من حرب وقائية للحؤول دون تمدّد هذه الجماعات إلى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية.

سادسًا، الرد على سعي الولايات المتحدة لنشر شبكة “الدرع الصاروخي”، في دول الجوار الروسي وبعضها كان ضمن الاتحاد السوفييتي السابق، وهذا أمر يؤرق القيادة الروسية ويثير مخاوفها.

سابعًا، ترويج السلاح، إذ تعدّ روسيا ثاني مصدّر للسلاح في العالم، بعد الولايات المتحدة، حتى إن بوتين ذاته روّج بصفاقة للسلاح الروسي، باعتباره أثبت فاعليته في سورية بتبجحه بفاعليته، وبأنه سلاح أثبت ذاته في التجربة، أي في ميدان الصراع في سورية.

بيد أن ما يفترض الانتباه إليه هو أن التدخل الروسي لم يغيّر معادلات الصراع في سورية فقط، على نحو ما اختبرناه، منذ أيلول/ سبتمبر 2015، وإنما هو غيّر، أيضًا، معادلات التسوية في هذا البلد، على نحو ما بتنا نشهده هذه الأيام، في ترسيم ما يسمى “المناطق منخفضة التصعيد”. فمن الواضح أن ما يجري يستهدف أولًا، تعويم النظام، بغض النظر عن بقاء عائلة الأسد من عدم ذلك. وثانيًا، تكريس تعددية الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بتحديد مستقبل سورية. وثالثًا، إعادة صوغ جبهة المعارضة في سورية، وتحديدًا إن هذا الأمر يتعلق بجماعات المعارضة العسكرية، ويتمثل ذلك خصوصًا في العمل على التخلص من “جبهة النصرة”، كمدخل لإيجاد تفاهمات جديدة مع المعارضة السياسية والعسكرية.

مع ذلك يفترض لفت الانتباه إلى أن هذا “النجاح” لروسيا، الذي جعلها “مقبولة”، حتى لدى المعارضة، على الرغم من دورها كشريك للنظام، لم يكن ليحصل لولا وجود نوع من التفاهم أو القبول، ولو الضمني مع الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوروبية، وهذا ما بيّنه التوافق على منطقة منخفضة التصعيد في الجنوب السوري، وعلى تحجيم نفوذ إيران، وإنهاء “الكردور” الإيراني من طهران إلى لبنان.

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]