صرخات من سورية


جيرون

لم يتسن لي مشاهدة هذا الفيلم التسجيلي عما جرى في سورية منذ عام 2011 حتى الآن إلا متأخراً، ويقيناً انه كان على معظم “الفضائيات” المؤيدة لكفاح الشعب السوري، من أجل التخلص من هذا النظام الذي تجاوز حتى النازيين وأدولف هتلر في ارتكاب المجازر البشرية، أن تبادر إلى إعادة بثه، ليس لأنه لامس فقط ما جرى في هذا البلد خلال أكثر من ستة أعوام مضت، بل لأنه تضمن شهادات مرعبة عما فعله بشار الأسد والروس والإيرانيون بشعب كان قد وضع أقدامه على بداية ديمقراطية واعدة قبل أن يبتلى بسلسلة الانقلابات العسكرية التي بدأت بانقلاب الجنرال حسني الزعيم، القصير العمر، وانتهت حتى الآن بانقلاب حافظ الأسد على “رفاق دربه” عام 1970.
اسم هذا الفيلم التسجيلي “صرخات من سورية”، وهو من إنتاج شركة “H.B.O” الأميركية، ومدته ساعة وخمسون دقيقة، ومخرجه الروسي يفغيني أفن أولفيسكي، وتم عرضه في العديد من القنوات الفضائية في الولايات المتحدة، لكنه لم يُعرض، على حد علمي، في أي فضائية عربية، وهذا إما أنه تقصير مهني أو اتقاء لشر نظام بشار الأسد وشرور الروس والإيرانيين، أو نتيجة عدم المتابعة الإعلامية خارج هذه المنطقة التي غدت غارقة في الويلات والمآسي حتى ذروة رأسها.
لقد بدأ هذا الفيلم التسجيلي، الذي لم يكن هدفه “الدراما” وإنما نقل وقائع فعلية وحقيقية مرعبة، عن أخطر وأبشع ما شهده القرن الحادي والعشرون حتى الآن من عنف منهجي ارتكبته العصابات “الطائفية” لهذا النظام، بما سمي أحداث درعا عام 2011، ويومها لم يكن هناك لا “داعش” ولا “النصرة”، وكان أقصى ما طالب به المنتفضون، الذين بدأوا باحتجاجات طلبة مدرسة ابتدائية تأثروا بما جرى في تونس وليبيا، هو الحريات العامة والديمقراطية بعد استبداد تواصل لأكثر من أربعين عاماً، لكن نظام بشار الأسد، الذي كان مخلصاً لنهج والده وعمه رفعت، الذي كان عنوان نظامه ولا يزال هو مذابح حماة عام 1982 وما قبل هذه المذابح وما بعدها… وإلى الآن، بادر إلى البطش البدائي منذ اللحظة الأولى وبدون أي تردد.
كان أول درس تعلمه بشار الأسد من أبيه، وهذا ما جاء في هذا الفيلم الأميركي التسجيلي، هو أن هذا الشعب، أي الشعب السوري، لا يستحق الاحترام، ولا تنفع معه إلا القوة، ولذلك فإن أجهزة القمع، التي جرى إعدادها وإنتاجها على مدى سنوات طويلة، بادرت على الفور إلى التعامل مع أطفال درعا على أنهم إرهابيون، وبقيت تتعامل مع المسيرات والتظاهرات السلمية، وهذا قبل اختراع “داعش” و”النصرة”، على أنها عصابات مدنية، وتمردات إرهابية، وقد نقل “صرخات من سورية” مشاهد حية من تبشيع “المغاير” الطائفيين بالأطفال والأمهات، وانتهاك أعراض شعب عظيم، وإبادة مئات الألوف من أبنائه في الزنازين والسجون والمعتقلات الصحراوية في تدمر وغيرها… وتحول هذا البلد كله إلى مسلخ بشري كبير.
لقد نقل هذا الفيلم التسجيلي، الذي يستحق الشعب السوري أن تبثه كل الفضائيات العربية غير التابعة لنظام بشار الأسد وحزب الله وإيران وروسيا الاتحادية، مشاهد من إخراج “التكفيريين” من السجون وإلحاقهم بـ”داعش” و”النصرة”، لإقناع الجاهزين للاقتناع بأن ما يجري في سورية ليس ثورة شعبية بمطالب معقولة، وإنما تمرد إرهابي وهكذا، وبالتالي فإنه “إما هذا الإرهاب وإما الأسد”، وحقيقة إن هذا التحالف الشيطاني نجح في هذه اللعبة الدامية، نظراً للدور المتخاذل الذي لعبته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ونظراً لتخاذل بعض الدول الأوروبية وبعض الدول العربية التي ثبت أنها لعبت وبقيت تلعب دوراً مزدوجاً استهدف الجيش الحر ووحدة المعارضة السورية.

(*) كاتب أردني




المصدر