muhammed bitar

“عليك أن تموت ليحصل أبناؤك أو أقرباؤك على وظيفة” ليست مبالغةً أن يتم اختزال واقعٍ المولين للنظام بهذه العبارة رغم ما يكتنفها من مباشرة وفجاجة، فالتوظيف في مؤسسات “سوريا الأسد” الحكومية بات مشروطاً بدرجة كبيرة حتى وإن كان هناك ما يوحي بإتاحة الفرص المتساوية للجميع.

وبعد سنوات من التي يخوضها النظام على السوريين سقط خلالها مئات الآلاف من القتلى المدنيين والعسكريين بينهم عدد كبيرٌ من جنود النظام وعناصر ميليشياته، برزت معادلة جديدة تراجعت فيها عوامل الكفاءة والتنافسية للحصول على فرصة توظيف في المؤسسات الحكومية.

ولعل من أشد الحقائق الإنسانية مأساوية أن يصبح وجود قتيل في أسرة ما سبباً لرخاء بقية أفرادها أو توفير سبل حياة أفضل على الأقل، وهذا ما بات واقعاً ماثلاً بعد أن سنّ مجموعة قوانين وقرارات وتعميمات تؤدّي إلى منح ذوي القتلى استثناءت واسعة في شغل الوظائف الحكومية بغض النظر عن كفاءتهم العلمية.

لو أردنا تحديد نقطة بداية للعمل بفكرة الميزات والاستثناءات الخاصة بـ “الشهداء” عند نظام الأسد فسنجد صعوبة في ذلك كون المسألة متصلة ومتتابعة لدى نظام الممانعة الذي جعل فكرة “الشهادة” اللازمة دوماً في حياة الناس مرادفة لوجوده الذي لا يكتمل إلا بالحروب والالتزام بالقضايا وما إلى ذلك من أفكار دعائية.

وفيما يتعلق بنظام الأسد الابن فقد عكف على توفير الوظائف لذوي قتلاه في محاولةٍ لضمان استمرار تأييدهم وذلك بعد تراجع وتيرة دفع التعويضات المالية. ومن بين البدائل الأخرى التي لطالما أبرزت استخفاف النظام بفكرة “الشهادة” التي دأب على استثمارها، تقديم تعويضات عينية كالخراف وساعات الحائط والسلال الغذائية.

وكانت بدايات استخدام “جوائز الترضية” في قطاع الوظائف الحكومية شهدت صدور مرسوم التشريعي في عام 2014 ينص على حجز 50 % من الشواغر المراد ملؤها بموجب المسابقات والاختبارات التي تجريها الجهات العامة.

لكن اللعب على هذا الوتر بدأ فعلياً في عام 2016، ثم تواصلت القرارت بهذا الشأن ففي مطلع شهر كانون الثاني من العام الحالي أصدر رئيس مجلس الوزراء المهندس، عماد خميس، التعليمات التنفيذية للقرار رقم ( 7 / م.و) لعام 2017 الخاص بتعيين ذوي الشهداء من الزوجة والأولاد، في المؤسسات الحكومية.

وجاء في القرار معلومات حول اختيار شخص من عائلة القتيل ليحصل على فرصة العمل، حيث حصرها بالأقارب من الدرجة الأولى ولا سيما الزوجة والأولاد، ومن ثم التوظيف لإخوة القتيل.

في شهر آذار من هذا العام قررت رئاسة مجلس الوزراء التابعة للنظام منح ذوي الشهداء مزايا جديدة، ومنها فرصة عمل لزوجة القتيل غير الموظفة بموجب عقد سنوي مباشر يجدد تلقائياً، أو لمن تختاره من أولادها، وفي حال كانت زوجة القتيل موظفة فيمكن منح فرصة عمل واحدة لمن تختاره من أبنائها، والسماح لإخوة القتيل الأعزب التقدم إلى المسابقات المحجوزة شواغرها بنسبة ٥٠ % لدى الجهات العامة، ومنح أحد إخوة القتيل الأعزب درجات تثقيل تتناسب مع عدد القتلى داخل أسرته عند التقدم للمسابقات (الوظائف)، وإلغاء شرط الحصول على شهادة التعليم الأساسي للفئتين الرابعة والخامسة من المتقدمين.
وجاء في تلك المزايا أيضاً، أنه في حال وجود أكثر من قتيل في الأسرة يتم منح فرصة توظيف إضافية لأحد أفرادها.

وبعد فترةٍ من صدور هذا القرار، أصدرت رئاسة الوزراء ذاتها لائحة فيها أسماء 350 طلباً من ذوي القتلى العسكريين في جيش النظام، وقالت إنها لمستحقين لفرص التوظيف بعد استيفائهم للشروط، ثم أعلن خميس أن “ذوي الشهداء و الجرحى هم أولوية في عمل الحكومة” مشيراً إلى أن مجلسه بدأ بتثبيت ذوي القتلى كافة المعينين بموجب عقود سنوية، وتم وضع خطة توظيف فورية وقد تم البدء بها وتشمل زوجات القتلى و أبنائهم وحالات أخرى.

فساد

بما أن كافة مفاصل أجهزة النظام الحكومية تقوم على الواسطة والمحسوبية، فإن الأمر انسحب أيضاً على موضوع توظيف ذوي القتلى، فهناك من يحصل على هذا التعويض وهناك من لا ينتفع بشيء حتى لو قُتل قريبه على جبهات المعارك.

ففي مدينة السويداء جنوبي سوريا، حاولت إحدى الأسر تأمين وظيفة بعد مقتل أحد أفرادها إلى جانب قوات النظام.

يقول أحد ذوي القتيل الذي رفض الكشف عن هويته، لـ “صدى الشام”: “من خلال تجربتنا التي امتدت لأربع سنوات مع محاولة الحصول على الوظيفة التي وُعدنا بها، لاحظنا أن كل ما يقوم به النظام هو تسجيل أسماء أقارب القتلى ودعوتهم للحضور إلى مبنى المحافظة عدّة مرات مع وعود بتأمين فرصة عمل حكومية، لكن في نهاية المطاف غالباً ما ينتهي الأمر دون أي تعويض، ومن يحصل على وظيفة فبعقد لمدّة ثلاثة أشهر في إحدى المؤسسات العامة”.

وأضاف أن النظام لا يوظّف من ذوي القتلى إلّا من يريده ولا يتم الاختيار بشكلٍ عادل، مؤكّداً أن المحسوبين على ميليشيا “الدفاع الوطني” هم غالباً من يحصلون على جميع المزايا في حين أن الآخرين المحسوبين على جيش النظام والمدنيين لا يحصلون على أي شيء، مشيراً إلى أن إحدى الحالات شهدت تأمين وظيفة لوالدة أحد قتلى “الدفاع الوطني” لتعمل كمستخدمة في إحدى المدارس، وكان ذلك بسبب موالاتها العمياء للنظام، على حد قوله.

ويتابع المصدر أنه وبناء على معرفته الشخصية بأكثر من 10 عائلات في محافظة السويداء وحدها، لم يحصل أفرادها على أي تعويض سواء مادي أو فرصة عمل في مؤسسات حكومية.

وعلى غرار هذه الحالة، شهدت اللاذقية قبل أشهر تجمّعاً لذوي القتلى أمام مكتب المحافظ، بسبب عدم التزام المحافظة بالوعود التي قدّمتها لهم بتأمين تعويض مادي ووظائف لأسر القتلى، وطالبوا حينها بتنفيذ الوعد التي منحهم إياه النظام، حيث يعاني معظمهم من ظروف اقتصادية واجتماعية سيئة، وهم بانتظار هذه الوظيفة مع أنها مؤقتة ورواتبها متدنية.

بالاسم فقط

في قاموس النظام بات مفهوم الشهادة قائماً على تطبيقات عملية لها درجاتها، فهناك شهيد “نخب أول” وشهيد نخب ثاني، وهناك من له حقوق كاملةً في مقابل آخرين غير معترف بهم.

هذا التقسيم الذي وضعه النظام يقوم على أساس أن الشخص إذا كان مدنياً وقُتل خلال اشتباكاتٍ أو قصفٍ أو تفجيرات، فهو شهيد بالاسم ولا حقوق او ميزات  لأفراد أسرته، بينما يختلف الأمر بالنسبة لمن يلقى مصرعه على الجبهات دفاعاً عن نظام الأسد.

وكمثال على ذلك نورد حالة ضحايا “تفجير القزّاز” المروّع في العاصمة دمشق عام 2012، الذي ورغم مرور سنواتٍ على وقوعه إلا أن حقوق المدنيين الذين قتلوا فيه لم توفّى في معظم الأحوال.

في ذلك التفجير توفي ابن “أبو غياث” حين كان متوجّهاً إلى عمله، وأبو غياث رجل بسيط ينحدر من مدينة سقبا في الغوطة الشرقية، ويعمل في ورشة خياطة، علِمَ بعد التفجير أن هناك تعويض لابنه، لكنه لم يحصل على أي شيء، يقول لـ “صدى الشام”: “أخبروني أنني سأحصل على تعويضٍ مادي وعلى توظيف لأحد أفراد العائلة، ولكن كلما كنت أتوجّه إلى مكتب شؤون الشهداء كانوا يرسلوني إلى وزارة الدفاع ثم ترسلني الوزارة إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية والأخيرة ترسلني إلى دائرة مختلفة”.

ويضيف أنّه دفع الكثير من المصاريف وبذل الوقت والجهد خلال محاولة تحصيل حقّه دون أي نتيجة، لتنتهي هذه الرحلة الشاقة بعد أن أخبره أحد الموظّفين بأن لا حقوق له حالياً، وأن الأولوية للقتلى العسكريين.

وَهْمٌ

لا تنتهي معاناة ذوي القتلى المدنيين أو العسكريين بمجرّد الحصول على فرصة التوظيف، فقد يكتشفون لاحقاً أن الفرصة التي تم منحهم إياها عبارة عن “فقاعة” ما تلبث أن تختفي، فلا الوظيفة التي يحصلون عليها دائمة ولا الرواتب التي يقبضونها تعينهم على مواجهة ضغوط الحياة الاقتصادية.

حصلَ “موفق” على وظيفة في “المؤسّسة العربية للإعلان” التابعة للنظام في العاصمة دمشق، وذلك بعد مقتل شقيقه خلال المعارك مع فصائل المعارضة  بريف حلب الشرقي، لكن بعد ثلاثة أشهر تم إيقافه عن العمل بسبب انتهاء عقده.

يقول موفق لـ “صدى الشام”: “إن عقد عملٍ لمدّة ثلاثة أشهر لا يُعتبر توظيفاً لأنه غير دائم” موضحاً أن بعض أقرباء الشهداء حصلوا على عقود طويلة الأمد أي وظائف ثابتة فيها رواتب مستمرّة حتّى بعد التقاعد والوفاة.

وأوضح أن الراتب الذي كان يتقاضاه خلال الأشهر الثلاث كان 18 ألف ليرة شهرياً، أي بمعدّل 600 ليرة يومياً، تذهب منها 250 ليرة أجور مواصلات يومية ذهاباً وإياباً إلى منزله بمنطقة “الغزلانية” قرب العاصمة ليتبقّى فقط 350 ليرة، وهو مبلغ يكاد يشتري به “سندويشة فلافل” حسب قوله، لافتاً إلى أنه لم يحقّق أي استفادةٍ من العقد المؤقّت أو راتبه الشهري.

ويتابع: “حاولت مراراً مراجعة المحافظة ومكتب شؤون الشهداء ووزارة الدفاع للحصول على تثبيت للعقد لكن جاء طلبي بالرفض، علماً أن الكثير من العائلات التي لها واسطات حصلت على عقود دائمة”، حسب قوله.

استخفاف بالعقول

تدرّج تعامل النظام مع ذوي قتلاه خلال سنوات الثورة من الأعلى إلى الأسفل، يقول المحامي المقيم في تركيا، كمال العمر، لـ “صدى الشام”، إنه مع اندلاع الثورة السورية كان عدّاد القتلى أقل بكثير مما هو عليه، لكن بعد تصاعد وتيرة المعارك وتشكّل فصائل عسكرية سوريّة قوية تجابه قوات النظام، تغيّرت طريقة تعامل الأسد مع ذوي قتلاه بعد أن كان يقدّم لهم كل المساعدات العينية والمعنوية، فقد أصبح عاجزاً أمام العدد الكبير من القتلى وبدأ تعامله معهم يأخذ بالانحدار، حتى وصلنا إلى اليوم الذي لم يعد هناك فيه أي قيمة للقتيل.

واستدلّ العمر على ذلك بعدّة ظواهر أبرزها الاستخفاف بعقول ذوي القتلى عبر تقديم هدايا مثيرة للسخرية لهم مثل ساعات الحائط والمساعدات الغذائية التي لا تكفي لوجبة طعام واحدة.

ورأى العمر أن النظام استثمر مواليه بكل الطرق والأدوات، حتّى أن التعويضات المادية التي يمنحها لهم والتي لا تزيد عن 800 دولار أمريكي عن القتيل الواحد باتت صعبة المنال، وبات ذوو القتلى يركضون خلف هذا التعويض لأشهرٍ طويلة وفي النهاية قد لا ينالونه.