on
الغوطة الشرقية… تحالفات ونزاعات الهدنة
جيرون
عادت الأوراق داخل الغوطة الشرقية لتختلط من جديد، من بوابة اتفاق “خفض التصعيد” الذي يبدو -حتى اللحظة- غير واضح المعالم، ولا سيّما مع استمرار التصعيد على محاور: جوبر، زملكا، عين ترما؛ ما جعل بعض الأطراف داخل الغوطة تعتقد أن الاتفاق مجرد وسيلة للتغطية السياسية على إنهاء آخر معاقل الثورة، في محيط العاصمة.
ترى العديد من الجهات داخل الغوطة الشرقية أن اتفاق الهدنة الموقع، نهاية تموز/ يوليو الماضي برعاية مصرية، سيواجه عدة عقبات عنوانها الأبرز إعادة ترتيب الخارطة العسكرية في ما يتعلق بالفصائل داخل الغوطة، وهو ما عبرت عنه اشتباكات أمس الإثنين، بين (جيش الإسلام) و(تحرير الشام) على محاور الأشعري- مديرا- بيت سوا، ومواجهات بين حركة (أحرار الشام) و(فيلق الرحمن)، وبين الأخير و(تحرير الشام) في القطاع الأوسط، وتحديدًا في مدينة عربين.
هذه المواجهات تأتي بعد أيام من التقارب، بين (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن)، على ترتيب ملفات الغوطة الشرقية بالتشارك بين الفصيلين على قاعدة المتغيرات الجديدة، لا سيما اتفاقات خفض التصعيد، ومحاولة بلورة موقف موحد يساعد على مواجهة تعنت النظام وحليفته طهران في استكمال التحكم بكامل محيط العاصمة، إلى جانب فرض مكتسبات للمعارضة على الضامن الرئيسي للاتفاق، موسكو.
تقارب الجيش والفيلق هل ينجح
اتفق (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن)، في لقاء ضم قيادات الطرفين، الأربعاء الماضي، على خارطة طريق لحل الملفات العالقة بينهما؛ بما يقود إلى توحيد الجهود العسكرية والمدنية في الغوطة الشرقية، وصولًا إلى تبني برامج مشتركة تساعد في إزالة تداعيات المرحلة الماضية ومواجهة ما يُعَدّ من خطط للمنطقة المحاصرة، تبدأ بالتقسيم ولا تنتهي بالتهجير القسري.
في هذا الجانب، قال حمزة بيرقدار المتحدث باسم هيئة أركان (جيش الإسلام)، لـ (جيرون): “تم الاتفاق خلال الاجتماع على عدة نقاط، أبرزها الإفراج عن جميع الموقوفين لدى الطرفين بشكل فوري، وفتح الطرقات بين الطرفين، ورفض تقسيم الغوطة تحت أي مسمى أو هدف، إضافةً إلى إعادة كافة الحقوق من كل طرف للآخر، وإنهاء كافة أشكال التجييش أو التحريض الإعلامي، على أن يتبع الاجتماعَ الأخير لقاءاتٌ متلاحقة، لترتيب كافة الملفات المتعلقة بالغوطة”.
حديث بيرقدار لم يُقابل -حتى اللحظة- بأي تصريح رسمي للفيلق الذي بقي الناطق الإعلامي له متحفظًا تجاه أسئلة (جيرون)، إلا أن مصادر مقربة من الأخير أكدت بأنه يخطو تجاه التفاهم مع (جيش الإسلام) “بحذر؛ وهو ما قد يجعل عملية الاتفاق النهائي بين الطرفين بطيئة”، موضحةً بأن “الفيلق ما زال يتوجس من رغبة (جيش الإسلام) في السيطرة على كامل الغوطة الشرقية والتحكم بكافة ملفاتها”، مشيرةً إلى أن تنافس الطرفين على القيادة “سيؤخر مسألة تشكيل قيادة عسكرية موحدة، ومظلة مدنية تعمل تحت إدارتها كافة المؤسسات والهيئات في المنطقة”.
المصادر شددت على أن الملفات العالقة بين الطرفين كثيرة، وبينها ما يتداخل مع مصالح إقليمية ليس من السهل تجاوزها بعد أكثر من عامين على “الصراع”، لافتةً إلى أن الأهم الآن هو بناء “أرضية للتفاهم والخروج بمواقف موحدة تمنع النظامَ وحلفاءه من تقسيم الغوطة والاستفراد بمناطقها، كما حصل سابقًا في الجبهات الشمالية الشرقية، وما يحصل الآن على جبهات القطاع الأوسط”.
بدوره شدد بيرقدار على أن المرحلة القادمة “ستكون كفيلة برأب الصدع والوصول إلى اتفاق نهائي، يقود إلى حل كافة الخلافات والذهاب بالغوطة نحو ما هو في مصلحة المدنيين والثورة”، مؤكدًا أن “الفصائل لن تسمح باقتحام قوات النظام وحلفائها لأي منطقة من مناطق الغوطة الشرقية، تحت أي ذريعة ومهما بلغت الضغوطات من موسكو أو غيرها، وأن الأولى ستواجه أي مخططات من شأنها النيل من الغوطة أيًا كانت الأثمان”، موضحًا أن “آليات وخططًا عديدة تُدرس وتُناقش بين الطرفين في هذا الصدد”.
الهدنة واحتمالات تغير مناطق السيطرة داخل الغوطة
فتح اتفاق الهدنة الأخير المتعلق بالغوطة الشرقية البابَ مجددًا لخلط الأوراق، بخصوص طبيعة مناطق السيطرة والنفوذ للفصائل بداخلها، انطلاقًا من المتغيرات الطارئة ورغبة كلٍّ من (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن) في تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء عمليات القصف اليومي على المنطقة التي أنهكت المدنيين، وهو ما يتطلب -وفق ناشطين- إنهاءَ بعض التشكيلات العسكرية مثل (تحرير الشام)، ومن ثم إثبات الفصيلين للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في القضية السورية بأنهما قادران على التحكم والسيطرة.
منذ الاقتتال بين فصائل الغوطة، في نيسان/ أبريل 2105، تقاسم كلٌّ من (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن) السيطرةَ على بلدات المنطقة بمشاركة “رمزية” من (تحرير الشام)، وحركة (أحرار الشام) في القطاع الأوسط، في حين استحوذ لواء (فجر الأمة) على قطاع حرستا، مع التفاهم مع بقية الفصائل على مسألة إدارة الأنفاق وعائداتها، قبل أن يطرأ تغيير طفيف خلال موجة الاقتتال الأخيرة في نيسان الماضي، إذ اندمج لواء (فجر الأمة) مع (أحرار الشام)، للوقوف بوجه طموحات (فيلق الرحمن) ببسط سيطرته بشكل مطلق على القطاع الأوسط دون منازعة أحد، على حد تأكيد ناشطين.
اليوم، تبدو ملامح مرحلة جديدة مع المواجهات بين (فيلق الرحمن) و(تحرير الشام)، والأول و(حركة أحرار الشام) من جهةٍ أخرى، داخل مدينة عربين التي يبدو بوضوح أنها ماضية حتى النهاية، حيث أكدت مصادر ميدانية أن الحركة لن تستطيع الصمود بوجه هذه المرحلة لا سيّما مع الانشقاقات في صفوفها، والهزيمة في معقلها الرئيس شمال البلاد.
في المقابل شنّ (جيش الإسلام) أمس الاثنين هجومًا واسعًا على بلدة الأشعري، لإنهاء وجود (تحرير الشام)، واستئصالها من كامل الغوطة الشرقية كما حصل سابقًا مع (داعش).
في هذا السياق، قال بيرقدار: “لا يوجد تنسيق مع الفيلق بهذا الخصوص، أما قضية استعداد الهيئة لحل نفسها، فهذا ضرب من الخيال ومجرد مناورة لن تنطلي على أحد؛ ذلك أنّ أساس القضية هو المنهج والفكر وليس الأسماء، ولذلك لا بد من إنهائها بهدف الخلاص من المعول الذي أمعن في هدم إنجازات ثورتنا”.
الفيلق رفض الإدلاء بأي تصريح حول هذه المسألة، إلا أن ناشطين من داخل الغوطة أكدوا أنه ماضٍ في إنهاء (تحرير الشام)، والمواجهة مع (الأحرار) لإحكام سيطرته على القطاع الأوسط.
من جهة ثانية، قال الناشط أحمد الدومي لـ (جيرون): “أعتقد أن الأمور باتت واضحة إلا إذا حدث طارئ غير متوقع. الفيلق سيمضي في إحكام سيطرته على كامل القطاع الأوسط دون منازعة أحد؛ وهو ما سيدعم موقفه في المفاوضات -إن صح التعبير- مع (جيش الإسلام)، وحتى مع النظام والروس، أعتقد أننا مقبلون على تغييرات كبيرة على الصعيد الداخلي للغوطة، سيرسم ملامحها إما التوافق بين الجيش والفيلق، أو الصراع المرير بينهما، وهو ما نرغب في تجنبه”.
المعتقلون نقطة خلاف داخلي
شكلت قضية الموقوفين، لدى الفصائل العسكرية، أحدَ أبرز مظاهر التدخل في الحياة المدنية، وتحميل الأهالي تبعات الخلافات الفصائلية؛ الأمر الذي أدّى، في الفترة السابقة، إلى تهجير العديد من العوائل من مختلف مناطق الغوطة، بناء على تهم انتماء أبنائهم إلى أحد الأطراف المتنازعة؛ ما دفع العديد من الناشطين إلى المطالبة بأن يكون الاتفاق بين الجيش والفيلق مدخلًا لإنهاء هذا الملف.
في هذا الصدد، قال الدومي: “ستبقى قضية المعتقلين في سجون الفصائل واحدة من أكبر معوقات الوصول إلى مشروع موحد للغوطة، بعد الاتفاق بدت مؤشرات لإمكانية حل هذا القضية، ولا سيّما بعد إفراج (جيش الإسلام) عن أكثر من 40 موقوفًا للفيلق، على خلفية الأحداث الأخيرة، ولكن هذا لا يكفي، ولا بدّ من إنهاء مسألة الأجهزة الأمنية الخاصة للفصائل ومنح القضاء وجهاز الشرطة الاستقلال الكامل والابتعاد عن انحياز فصائلي؛ وإلا فستبقى هناك فجوة بين الحاضنة الاجتماعية والقوى العسكرية التي تدعي أنها وُجدت لحماية تلك الحاضنة”.
من جهةٍ أخرى، تبقى قضية اعتقال جيش الإسلام لـ (أبو صبحي طه)، قائد (جيش الأمة) منذ العام 2105 على خلفية إنهاء وجود الأخير في ذلك الحين، بالإضافة إلى تغييب العديد من الناشطين المدنيين في مناطق يسيطر عليها الأول، من أشد المسائل تعقيدًا في هذا الملف، وفق ما يؤكده ناشطون، موضحين أن (جيش الإسلام) رفض -حتى الآن- كل المبادرات من أجل التعاون في إغلاق هذه القضية.
بدوره أشار بيرقدار إلى أن “قضية أبو صبحي طه تخضع للقضاء، وليس لأي اعتبارات أخرى، وهذا ينسحب على أي ملف آخر، يخص المعتقلين أو الموقوفين، هناك تهم أمام جهاز القضاء وهو المخول في البت فيها”.
في حين قال الناشط أبو محمد الدمشقي لـ (جيرون): “لن يفيد (جيش الإسلام) أي مناورة في هذا الخصوص، قضية (أبو صبحي طه) لا علاقة لها بأي تهم قضائية، وهي مؤشر واضح على عدم رغبة الأول في وجود أي منافس له، سواء كان جماعة أم فردًا. أبو صبحي شخص يحوز على إجماع من غالبية الفاعليات والشرائح الاجتماعية في الغوطة الشرقية؛ وهذا يخيف (جيش الإسلام) ويجعله يحجم عن الإفراج عنه، لأنه قد يشكل عائقًا أمام طموحات الفصيل في بسط برنامجه السياسي والعسكري والاجتماعي على الغوطة، دون ذلك كل ما يُساق هي تبريرات من دون معنى، ولا قيمة لها”.
استمرار اعتقال أحمد طه (أبو صبحي) دفع بناشطي الغوطة الشرقية إلى إطلاق أكثر من حملة، وتنظيم العديد من الوقفات الاحتجاجية للضغط على (جيش الإسلام)، بهدف إطلاق سراحه، لا سيّما أن الرجل بات يعاني من أوضاعٍ صحية سيئة، قد تؤدي إلى أن يفقد البصر بإحدى عينيه؛ وهو ما جعل أهالي المعتقل ومجموعة من الهيئات المدنية داخل الغوطة تتوجه، الأسبوع الماضي، بكتاب إلى المجلس الإسلامي السوري، للتدخل لدى قيادة (جيش الإسلام) والإسهام في إطلاق سراح (أبو صبحي).
المصدر