د.عزة عبد القادر

إذا أردت أن تعرف سبب إنحراف بعض النساء وامتهانهن عدد من المهن الغير شريفة كما تبدو للناس فلا تحاول أن تلعب دور الواعظ أو تدعي دور البطولة والشرف في بعض البلاد التي ينعدم فيها الشرف والأخلاق لتصبح المرأة وحدها هي الضحية والمتهمة دائما من قبل فئة من المنتفعين والفاسدين ،ففي وطن غابت فيه الضمائر وانعدمت المرؤة ترى وجوهاً لحفنة من الجهلاء الذين يحاولون دائما تشويه المرأة ووصفها بأشد الصفات القبيحة معتقدين إنهم ملائكة وأنقياء يتناسون أنهم السبب الرئيسي في وصول المرأة لهذا الحال وسقوط بعض الفتيات في بئر الرذيلة .
ترى في مصر وبلاد الشرق العجائب وتسمع المهازل ، حيث تجد المجتمع العظيم الذي يشجع المواهب ويرعى الفنون ويحترم مهنة الرقص وفي ذات الوقت فهو يلعن الراقصة ويسبها ويتحدث ليلا ونهاراً عن سوء أخلاقها ، إنه المجتمع الذي يضحك على النساء ويقدم لهن المغريات والمال ، ثم يأتي ليلومهن ويوبخهن على ما اقترفوه من فحش ، ولست أكتب هنا دفاعاً عن الراقصات أو ما شابه ، لكن ما أردت أن أتحدث عنه هو مدى الظلم والعنصرية التي تمارس ضد النساء وكأن ارتكابهن للمعاصي يختلف عن ارتكاب الرجل لها ، فالمرأة جرمها كبير جدا ومضاعف ونسى هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى البشر جميعهم سواء .
ماذا تتوقع في بلد تكرم فيه الراقصات ويصلن إلى أعلى الدرجات ليصبحن نجوم في المجتمع ، لماذا يتعجب البعض من تأثر الفتيات بذلك ، ما الذي يمكن ان تفضله إحداهن وهي فقيرة لا تجد مالاً ، هل تعمل خادمة في المنازل ويتم التحرش بها من قبل أحد الذئاب البشرية أم تعمل بالرقص لتصبح نجمة تمتلك الشقق والأموال ولا يستطيع أي كلب أن يقترب منها فقد روت أحد الراقصات أنها فضلت أن تعري جسدها أهون من إغتصاب شرفها عندما كانت تخدم في أحد البيوت، ما الذي يمكن ان تشعر به المرأة وهي ترى صور الراقصات يملأن أغلفة الصحف والمجلات وإحداهن تقوم بالسفر لأداء فريضة الحج وتتبرع لعمل الخير وهي مكرمة ومحمولة فوق الأعناق في بلاد النفاق والكذب ؟ هل تستمر في إتهام النساء والخوض في أعراضهن وأنت ترى زوجاً نائما في بيته يترك زوجته تواجه غياهب المجهول في شوارع القاهرة القاسية ؟ هل تحاسب البنات وأنت ترى أسرة كاملة من أم وأب وأخوات يستغلون فتاة في ريعان الشباب فيضغطون عليها ويزوجونها في سن صغيرة لرجل يكبرها بثلاثين سنة من أجل حفنة من المال حتى ينعموا ويعيشوا في حياة رغدة وميسرة ؟ إذا كنت مصراً على انتهاج سياسة الاتهام ولعبة التسالي على المقاهي والنوادي فالأولى إذن أن توجه الاتهام للمجتمع الفاسد الذي يصر على بيع المرأة والمتاجرة بعرضها وشرفها من أجل الحصول على بعض المكاسب والأطماع الزائلة .
لقد دأبنا في مجتمعنا المصري الذي يدعي الفضيلة والأخلاق أن نستمع مرارا وتكرارا إلى أننا مجتمع متدين بطبعه ولا أعرف حقيقة ما كنية هذا المجتمع المتدين الذي يتباهى فيه الرجال بتحرر أبنائهم وعدم ممانعتهم في عمل بناتهم بأي عمل طالما أنها تتكسب المال الوفير وتحمل عنهم المسئولية، ثم يأتي هؤلاء الرجال بعد ذلك ويهاجمون المرأة ويقذفونها بالباطل ولا يرون أي غضاضة في رمي النساء بأقظع الشتائم فهم يراقبون عيوب الناس وينسون أنفسهم مع ان المثل يقول (الي بيته من زجاج ما يحدفش الناس بالطوب) ولكن ماذا نقول في وطن غريب ومواطنين متناقضين ، والأكثر من ذلك إن كثير من المصريين يفتخرون بأن أولادهم يسيرون مع الفتيات ويعلقون قلوبهن ، فهذا الشاب الروش يسمى (دنجوان) انه شاب رائع ومتميز ولم يلتفت أحد انه شاب تافه وخائن للوعد ، وهذا مخالف تماماً لما هو عليه الحال في البلاد الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية فرغم ان مجتمعنا يرى الغربيين وكأنهم منحلين وغير أخلاقيين إلا أن خيانة الوعد عندهم يعد كارثة كبرى ومن الصعب ان نجد هناك من يقلل من قيمة المرأة أو يجعلها في درجة أدنى من الرجل ، فلا يمكن لرجل غربي ان يعد فتاة بشيء ولا يفي بوعده ، فهو إما أن يكره أو يحب فليس هناك اللون الرمادي المحبوب عندنا كمصريين ، انه أمر مضحك حقاً وشر البلية ما يضحك ولكن هذا هو المجتمع المتدين الجميل.

لقد تأثرت كثيرا كامرأة بالكاتب إحسان عبد القدوس رحمه الله في إحدى أهم رواياته(رواية دمي ودموعي وابتسامتي) التي يدافع فيها عن أحد الفتيات المقهورات التي انحرفت وضلت طريقها بسبب قسوة أسرتها والمجتمع الذي صنع منها عروسة من الحلاوة التي تباع في كل متجر ليستفيد منها ما يدفع أكثر ، وكم كان منصفاً حين صور لنا مدى ضعف المرأة وقلة حيلتها ومدى حزنها وحيرتها وهي ترى أن شرفها لا يساوي شيئا أمام أسرتها حيث أن دفاعها عن عرضها يعد في نظرهم جريمة لأن الحفاظ على العرض والسمعة لا يكسبهم الأموال والهدايا .
إذا كان المجتمع يصر على أن يرمي على النساء كل البلايا ويراهم كالشياطين فأرى أنه بدلا من الثرثرة والأحاديث الغير مفيدة فأولى له أن يعالج تلك القضايا ويبحث عن مخرج ليساعد الفتيات ويدعمهن حتى لا يقعن فريسة في يد من لا يرحم، هذا إذا كان لدينا بقية من الرجال.
وأخيرا فإن الله سبحانه وتعالى غضب على بني إسرائيل نتيجة لذلك فقد كانت فتنتهم في النساء ، قال عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإنّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) رواه مسلم ،وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال 🙁 ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) رواه البخاري ومسلم .
قال ابن القيم رحمه الله : (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة .

ولم أقصد في الإشارة سابقاً إلى تفسير بن القيم أن أقول بمنع التعامل بين الرجال والنساء ففي عصرنا الحديث يعد هذا مطلباً شديد الصعوبة وشديد التحقق ، ولكن ما يقصد هنا هو ألا يحدث كسر لحياء المرأة ، أي فيما معناه هنا هو إختلاط المرأة الشديد بالرجل بسبب وبلا سبب ، فتصبح بهذا سلعة رخيصة وبضاعة سهلة ، ويصبح الرجل بلا مهابة وبلا قوامة ، فالرجل تكمن قوته في حفاظه على زوجته وأولاده وإنفاقه عليهم مما يصاحبه الإحترام له والإجلال، أما إذا ترك زوجته وأولاده يصنعون ما يحلو لهم بأن تعمل الزوجة بأي عمل وتسافر إلى أي مكان ، فكيف يمكن أن يأتي بعد ذلك ويحاسبها أو يكون له عليها أمر ، إنه يعد في نظر الشريعة الإسلامية رجلاً ديوثاً بلا شعور .

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر