أحمد برقاوي

ينتقل الفرد الآن، في وقت مبكّر نسبيًا، من عالم الأسرة الضيق إلى عالم المجتمع الأوسع، كالمدرسة والمؤسسة والجامعة وعالم المهنة المرتبطة بحياة الناس، أي إلى كل ما له علاقة بالمجتمع؛ فتقوم إذ ذاك علاقة لا تنفصم بين الفرد والمجتمع، ويصبح الفرد نتاج المجتمع نفسه، وتقوم صحة المجتمع النفسية على حد ضروري من علاقات معشرية سلمية، وشعور بالأمان، وحظ من الصدق والثقة المتبادلة، والوعي بالانتماء السعيد لهذا المجتمع.

في الوقت الذي تخلق ظروفٌ تاريخية ما سلطة سياسة، تنظر إلى المجتمع على أنه نقيضها، وتبذل كل ما في وسعها، من أدوات قمع أيديولوجي ومادي، يصل بالمجتمع إلى درجة الخوف على الحياة؛ فإن المجتمع، مع استمرار هذه الحال، يفقد صحته النفسية المشار إليها.

إن خمسين عامًا، من تاريخ السلطة الهمجية الحاكمة في دمشق، كانت كافية للقضاء على الصحة النفسية لفئات كثيرة في المجتمع السوري، ففي المدرسة كان الطفل يخضع لإرهاب مدرسي، منذ الصف الأول وحتى نهاية المرحلة الثانوية، بعد أن يبلغ سن المراهقة إلى قمع يومي، بترديد أجوف للشعار الذي ينتهي بـ “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”، ويفتح دفتره الذي يُزيّن بصورة قائده الأبدي، ثم يذهب إلى بيته حيث الأسرة الكارهة لقائده؛ فيعيش حالة اغتراب وتقية، إنه يهتف لمن يكرهه، ويتلقى درس الثقافة القومية التي هي خطاب كاذب.

في المؤسسة، يحاذر الموظف أي شخص يُشتمّ من سلوكه أنه مخبر؛ فيعيش حالة الرعب الدائم، وهكذا. لقد كان الناس يُحمَلون على التصفيق والخروج بمسيرات يكرهونها، كانت الانتهازية نفاقًا من أجل منصب وهكذا، وكان الحقد الدفين يُخرّب الشخصية.

لهذا؛ كان جيل الشباب، وقد راح يتعرف على العالم عبر وسائل الاتصال، كارهًا النظام الذي يمنعه من تلبية حاجاته، وبخاصة حاجة الحرية، متحفزًا في انتظار الشرارة التي تشعله، وهكذا كان.

إذا كانت الثورة السورية قد ساهمت في استعادة جزء من هذه الصحة؛ فإن وقتًا سيمضي، قبل الاستعادة الطبيعية لها؛ لأن أهم مظهر من مظاهر الصحة النفسية للمجتمع هو الظهور العلني لأفراده، والتعبير الصادق من قبلهم عن ذواتهم، دون خوف وإحساس بالخطر، وهذا يحتاج إلى وقت ليشفى أفراد المجتمع من المرض الذي عاشه.

ولأن الحرية هي النقيض المطلق لغريزة القطيع والأكباش، في جوهرها، فإن السلطة وقطعانها، والأصولية وقطعانها، اتفقتا على مواجهة ثورة الحرية.

أجل وقفت غريزة القطيع بشقيها السلطوي والأصولي، بكل عنفها، ضد الإرادة الحرة، غريزة مسلحة بالنار وأدوات القتل وخطاب أيديولوجي فقير محدود الكلمات التي لا معنى لها. سلطة ذات براميل متفجرة وميليشيات طائفية مستوردة، وخطاب مكون من عدة كلمات: مقاومة، مؤامرة، حضن وطن، قائد الوطن، وحركات عنفية أصولية ميليشياوية مسلحة، وخطاب فقير لا يتعدى بضع كلمات: خلافة، حاكمية، حكم الشرع، جهاد.

فيما كانت ثورة الشباب مسلحة بالساحة والمظاهرة والأغنية والدبكة والكتابة على الحيطان وخطاب حرية، مفرداته الأساسية سورية وطن للأحرار، مواطنة، ديمقراطية، مساواة، كرامة، عدالة، إنصاف، شعب واحد، شعارات كانت تعبّر عن ولادة الأنا الفردية وخروجها إلى العلن بذاتٍ وإرادةٍ، تريد تغيير العالم المعيش للعيش الحر الكريم.

لقد جن جنون غريزة القطيع، القطيع وأكباش القطيع، حيث لا يقوم الاستبداد إلا بوجود هذا كله، وراح يواجه ولادة الذات، فإذا بالأكباش التي ترتدي ربطات العنق، ومن ورائها قطيعها، ومثقف القطيع الذي لم يعد قادرًا على التخفي، وبالأكباش التي ترتدي العمامة، ومن ورائها قطيعها، ومثقف قطيعها في خندق واحد في مواجهة الذوات، الذوات – الشباب الذي أزهر ثورة حرية.