جيرون

استقالة ، من منصبها في لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في سورية، تأكيدٌ على مدى العجز الدولي المفضوح بحماية الشعب السوري، ومن سخريات بنود الاستقالة التي صرحت بها السيدة بونتي أن لجنة التحقيق الخاصة بجرائم الحرب في سورية لا تحظى بأي دعم من مجلس الأمن الدولي، فيما عقب المرصد الأورومتوسطي على الاستقالة بأن جرائم الحرب في سورية، خلال ستة أعوام، كانت اختبار لفاعلية مجلس الأمن.

فحوى الاستقالة، وردّات الفعل عليها، تشي بأن غياب العدالة سيطول أمدها، مع أن تشكيل اللجنة  الدولية قد تم في آب/ أغسطس عام 2011، بموجب قرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهو كان بداية التفكير بإقرار عدالة لطالما احتاجها الشعب السوري، من جهة ثانية تُعدّ استقالة بونتي تخبطًا سياسيًا وأخلاقيًا حقيقيًا مستمرًا منذ ستة أعوام، وتطرح العديد من الأسئلة عن فحوى القرارات الدولية المتعلقة بإقرار العقوبات ومحاسبة مجرمي الحرب، في الوقت الذي تصدر فيه الإدارة الأميركية أو التشريعات الغربية جملة “عقوبات وقوانين”، بين الفينة والأخرى، تستهدف النظام السوري أو رجاله، وهي في الحقيقة باتت تمثل سخرية فظيعة لسياسة محاباة المجرمين.

يتضح وتر اللعب والتكتيك الفاشل للتعامل مع جرائم نظام الأسد، مع أنه إذا اجتمع خمسة سوريين من اللطامنة أو كفرزيتا أو ساحة العاصي، أو من أي منطقة تعرضت لمجازر وجرائم؛ فهم حتمًا سيشكلون أقوى لجنة تحقيق أخلاقي وإنساني ومستند قانوني لمواجهة المجرمين، فلِمَ كل هذا اللف والدوران حول حماية السفاح؟ سياسة التخبط والارتباك تحمل في مضامينها نتائج كارثية وضعفًا ورهانًا على المجهول الذي يدفع إلى استنتاجات من هذا النوع في تجربة التعاطي الدولي مع جرائم الأسد، والتجاهل التام لاعتماد سياسة واضحة تعمل على لجم المجرم، وبما يذكر بالتعاطي مع ملف الجرائم والعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، والملفات القانونية الضخمة المركونة جانبًا ومآلات تقرير غولدستون وشاباس، بعد عدوان 2008 على غزة، تشبهها اليوم تقارير التحقيق بالهجمات الكيماوية والتحقيق بالأفران والمسالخ البشرية.

الحماية التي حظي بها النظام، والعدالة التي افتقدها الشعب السوري، تدفع للمطالبة بقراءة متأنية لمشهد سورية، منها تغييب عوامل القوة المكملة لخوض المواجهات المختلفة مع الأسد.

إذا كانت مهمة تحقيق العدالة للسوريين من المهمّات “المستحيلة”، لبعض الأطراف الدولية؛ فإن تحقيقها وتلبيتها يعدان شرطًا موضوعيًا لإنهاء الصراع في سورية المستقبل، وبدونها لن يكون هناك بناء مجتمعي ولا سياسي ولا إنساني، تُصاغ فيه العلاقة بين السوريين، وهو الأهم في كل المطالب التي تأتي بعد نيل الحرية وبناء الديمقراطية.

المهمة المستحيلة والمستعصية هي إعادة السوريين إلى “قمقم” الرعب والقهر والخوف، وتقديم كل الذرائع لإفلات المجرمين من العقاب لن يسهل الأمر كثيرًا على رعاة الإرهاب في دمشق وموسكو وطهران وتل أبيب، في حماية سفاح دمشق، بل يؤجل العدالة مع تضحيات كثيرة قادمة أصبحت ضرورات لا مستحيلات. وتصاعد المطالبة بالحرية والعدالة بالتأكيد لن ينتهي إلى الشكل الذي يريده كلٌّ من بوتين وخامنئي وترامب ونتنياهو للأسد، العدالة لا تحتاج إلى ذرائع لا جسر لها مع الحقيقة أبدًا.