باسل العودات

يعتقد الروس، والإيرانيون، وسواهما، أن قبول “بعض” المعارضة السورية، ببقاء رأس النظام السوري -في المرحلة الانتقالية- هو نهاية النهايات، واعتراف بشرعيته وضرورته وأهميته، وتأكيد على أسطورة أبديته، ووسيلة لوضع نهاية لـ “تمرّد أرعن” على “حكم أبدي”، وعودة “مُظفّرة” لأجهزته الأمنية القاتلة، وتثبيت نهائي لنظام شمولي طائفي فاسد، وعودة إلى ما قبل عام 2011.

وفي الطرف الآخر، تعتقد “بعض” المعارضة السورية “المُركّبة” أن مجرد وضع حدٍّ لصلاحيات رأس النظام، وتحديد مدة زمنية لوجوده، هو “نصر مُظفّر” لهم شخصيًا أولًا، وللثورة ثانيًا، وإحقاق للحق، ونقل حتمي لسورية، من دولة القمع والتسلط والتمييز إلى دولة الديمقراطية التداولية.

صار الخلاف الآن بين الطرفين يتمحور -تقريبًا- حول مستوى الصلاحيات وحجمها ومدتها الزمنية، وهل يكون له ثلاثة نواب أو خمسة، وهل يكون بروتوكوليًا أم أكثر من ذلك، وهل يحق له الترشح للانتخابات بعد المرحلة الانتقالية أم لا، وما إلى ذلك من الأسئلة التي تدور في فلك الاستسلام للفكرة، والتوهم بأهميتها.

وعلى الرغم من أن المنطق يقتضي محاكمة رأس النظام السوري على كل قرار صغير أو كبير أصدره، وعلى كل مجزرة تسبب بها أو ارتكبها نظامه، وعلى كل روح أُزهقت بسبب قراراته، وعلى كل تدمير مادي ومعنوي ونفسي طال سورية بسبب حلوله الأمنية العنيفة، إلا أن الملف السوري الأسود الذي فُتح قبل نحو ست سنوات، لا يمكن أن يُغلق بمجرد تحديد مصير رأس النظام.

يتجاهل الطرف الأول أن نحوَ عشرة ملايين سوري متضرر من حرب النظام على الشعب، خسروا بقسوةٍ أحبابَهم وبيوتهم وأعمالهم، وخسروا حاضرهم ومستقبلهم، لن يقبلوا أن تنتهي تلك المأساة بـ “تبويس الشوارب”؛ وسيثورون على المعارضة التي تستسلم كما ثاروا من قبلُ على النظام؛ لأنهم لن يقتنعوا بأن يعود كل شيء كما كان، وأن تتغير “صلاحيات الرئيس” فقط، دون أن يترافق ذلك مع تغيير جذري في تركيبة الأجهزة الأمنية التي هي الخصم الأخطر للشعب السوري، والمُعيق الأساس أمام أي انتقال إلى دولة سليمة.

كذلك يتجاهل الطرف الثاني أن “الغرغرينا” مرض عضال، إن دخل جسمًا فلن يُجدي معه علاج ولا دواء، ولا شفاءَ منه إلا بالبتر، وإلا فسينتشر ليُدمّر الجسم كلّه، ويتجاهلون أيضًا أن الأجهزة الأمنية التي صنعت ورفعت ذلك الرأس قادرةٌ على صنع ألف رأس غيره، بألف لون وشكل، وأن وجودها يعني انتهاء ديكتاتور وولادة آخر.

هما ثنائيان متلازمان: رأس النظام، والأجهزة الأمنية التي ابتلعت الدولة ومؤسساتها، وسَطت على البلاد، وتسلطت على العباد، وبنَت السجون واعتقلت وقتلت المعارضين، ونهبت الثروات والخيرات، ودمّرت القِيم والأخلاق، وأفسدَت البنى الاجتماعية، وحبكت المؤامرات، وباعت أجزاءً من الوطن، وأوقدت نار الحرب، وأفقدت سورية مليونًا من أبنائها..

رأس النظام والأجهزة الأمنية هما صنوان متلازمان يستمد كلّ منهما قوته وقدرته من الآخر، وإنّ أي تسوية لا تضع حدًا لهما معًا ستكون صفرية النتيجة.