مهند شحادة

تتوالى فصول الرواية عن وشقيقاتها، وفق أشكالٍ مختلفة للمأساة، يحكمها حاليًا التناقض الرئيس المتعلق بالظرفية المكانية، بين من بقي في مكانه وبين أولئك الذين عايشوا رحلة ، وما يكتنفهم من “ظلم ذوي القربى”، وإخوة الحلم والفكرة.

صمتت أغلب المحطات الإعلامية والأقلام بعد التهجير، فهل انتهت قصة جمهوريات الحصار؟ أم أنها ما زالت متواصلة تعطي البشرية ما يكفي من محرضات الضمير والأخلاق؟، بين انتشاء القتلة بنصر مزعوم على المنهكين وفجيعة الراحلين، أثناء تفنيدهم لملامح التجربة وخلاصاتها.

الناشط حسام محمود قال لـ (جيرون): “بعد كل ما حصل وما عايشناه، باستطاعتي التأكيد الآن أن الحصار أفضل من التهجير، بل إنني -كشخص- أفضل أن أعود إلى الحصار والجوع والبرد، على ما شاهدناه منذ تهجيرنا، هل كان لدينا خيار أم لا؟ هذا بحث آخر وليس الآن وقته. ما حصل أننا انتقلنا من سجن صغير إلى آخر كبير، لم نستطع بناء قواسم مشتركة مع القوى الحاكمة على الأرض في الشمال، تقود إلى إعادة تفعيل دور الناشطين والاستفادة من خلاصات تجاربهم والذي لو حصل لكان الشمال تجنب الكثير من الأخطاء”.

جوهر “المصالحة” القتال في صف النظام

لم تختلف قصة “المصالحة” في مضايا عن سواها من المناطق، حيث عمد النظام -منذ البداية- إلى الضغط على من بقي من الشبان ضمن إجراءات التسوية، لتجنيدهم في ميليشياته وقتال من كان يقاتل في صفهم، في هذا السياق قال محمود: “منذ لحظة إبرام الاتفاق بدأت الأجهزة الأمنية والعسكرية للنظام بالضغط بهذا الاتجاه، وفي النهاية استطاع النظام تجنيد ما يقارب 120 شابًا من مضايا وبقين، للقتال في صفوف ميليشياته، بعضهم متواجد في مضايا تحت مسمى اللجان الشعبية، ومنهم مَن زُجّ به في جبهات القتال في الغوطة الشرقية، وريف حمص، ودرعا، ومنهم من عاد في تابوت”.

بعيدًا عن معاناة المهجرين، ما يزال في مضايا والزبداني بشرٌ، وإن اختلفت طبيعة القوى الحاكمة، فبعد سنوات عجاف تحت راية الثورة، عادت راية النظام السوري لترفرف فوق تلك المناطق، وهو ما اعتبره العديد من الناشطين أنه لا يتعدى كونه “بروباغندا” إعلامية، يحاول الأخير من خلالها إعادة تعويم وإنتاج نفسه.

في هذا الشأن، قال محمود: “لحظة الخروج من مضايا وبقين، بقي في داخلهما نحو 5000 شخص، وبعد فتح الطريق، كجزء من بنود الاتفاق آنذاك، عاد إليها ما يقارب 2500 شخص ليصبح العدد الكلي المتواجدين حاليًا في مضايا وبقين المجاورة، بحدود 7500 شخص، أما فلا يتجاوز عدد من عاد إليها 60 عائلة، يقطنون ضمن منازل صالحة للسكن بنسبة 40 بالمئة، ومعلوم للجميع أن نسبة الدمار في ، بفعل قصف النظام السوري وميليشيا (حزب الله) اللبناني على مدار السنوات الماضية، تجاوزت 90 بالمئة”.

أما عن الأوضاع الإنسانية والمعيشية للمتواجدين حاليًا في تلك البلدات، فقال محمود: “بصراحة الوضع جيد الآن. تحسن بشكل كبير في مضايا وبقين، وهذا يرتبط أولًا برغبة النظام في إعادة تلميع صورته وجعل المناطق التي عادت إلى (حضن الوطن) أنموذجًا للمناطق التي ما زالت ترفض العودة حتى الآن”.

محمود أوضح أن “النظام أعاد فتح الطرقات، وعادت المنطقة إلى طبيعتها كمنطقة سياحية تستقبل الزائرين من دمشق، وبخاصة بلودان. كما أن مضايا شهدت أكثر من مهرجان في هذا السياق، وأسواق بقين المشهورة عادت كما كانت في السابق. كل شيء متوفر، وتبقى مسألة التفاوت المعيشي بين العائلات وقدرتهم على التأقلم مع الأسعار المرتفعة. وعلى الصعيد الطبي، أيضًا تحسّن الوضع، حيث تم إعادة تأهيل وتجهيز مستوصف مضايا، وآخر في بقين، وبإمكان المرضى الذين لا تستطيع المستوصفات تقديم ما يلزم لهم، الخروج باتجاه دمشق، أما الزبداني فلا شيء تغير، ويعتمدون في حياتهم على مضايا وبقين”.

(تحرير الشام) المسؤول الأول عن التهجير

الآن ربما الأكثر ألمًا، في مقدمات التجربة ونتائجها للمناطق التي سميت في سورية “جمهوريات الحصار”، هو مسألة الوقوف على مدى نجاعة الصمود الطويل، أمام غول الجوع الذي فتك بأرواح المحاصرين، قبل أن تحصدها براميل الحقد وصنوف الأسلحة الأخرى، ولعل الأهم من ذلك هو السؤال عمّن يتحمل المسؤولية في ما حدث ويحدث.

في هذا الجانب، قال محمود: “بعد كل ما حدث، أعتقد أن من يتحمل المسؤولية الأولى بخصوص مضايا والزبداني، هو (هيئة تحرير الشام) وداعموها الإقليميون المعروفون، وبدرجة أقل (حركة أحرار الشام) التي لم تكن سوى جهة تنفيذية لما ينتج عن المفاوضات بين الهيئة والإيرانيين والنظام، باختصار ما تم هو بيع مضايا وبقين والزبداني للنظام وحلفائه، على قاعدة مكافأة المؤيدين، وعقاب المعارضين ومن خرج بوجه الأسد”.

وأشار: “في مراحل عديدة من المفاوضات، كان النظام يدفع باتجاه عرقلة الاتفاق، ونحن -الهيئات المدينة- رفضنا العديد من بنوده، أما (تحرير الشام) فكانت تهلل له، وحصلت ضغوطات إقليمية كبيرة، من أطراف معروفة، لإنجاز الاتفاق نهاية وتطبيق التهجير”.

الأوضاع الصعبة للمهجرين في الشمال السوري، بفعل سوء الأوضاع الأمنية واقتتال الفصائل، إضافةً إلى سوء الأوضاع الاقتصادية وصعوبة الحصول على فرصة العمل، دفعت الكثيرين إلى التفكير بالعودة إلى مناطقهم، وإن كان الثمن الدخول في ملفات تسوية الأوضاع التي رفضوها سابقًا؛ ما جعل بعض الناشطين من مضايا يطلقون وسمًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان (أعيدونا إلى الحصار).

أكد محمود أن “أوضاع المهجرين بائسة على كل المستويات، وهذا الأمر دفع الكثيرين إلى التفكير بالعودة إلى مناطقهم. فقد عاد 8 شبان من مهجري مضايا، بعد أن دفعوا مبالغ مالية كبيرة، وبالطبع خضعوا لما يسمى تسوية الوضع، وعادت إحدى عشرة امرأة مع أطفالهن، وعند وصولهم إلى النقطة الفاصلة بين مناطق المعارضة والنظام، في قلعة المضيق بريف حماة، اعتقلتهم قوات النظام، وهم الآن موجودون تحت الإقامة الجبرية في أحد دور الإيواء بمدينة الكسوة بريف دمشق، وأوضاعهم سيئة بانتظار انتهاء إجراء تسوية وضعهم من (الجهات المختصة)”.