أحمد مظهر سعدو

بعد انتهاء معركة جرود ، وصفقة تبادل الأسرى والجثامين بين “هيئة تحرير الشام” و”حزب الله”، حاول الأخير الترويج لهذا الاتفاق “انتصار كبير” للمقاومة المفترضة؛ ما أدى إلى انقسامات شاقولية في الواقع اللبناني، بين اصطفاف أعمى إلى جانب تهويمات (حزب الله)، ورفضٍ بالمطلق لمحاولاته المستمرة بالهيمنة على ما تبقى من كرامة لمعارضيه في الواقع السياسي اللبناني، ومن ثم إيغاله في عملية الاستغلال المتعمد لكل مخرجات ما جرى، وسط حالة إقليمية فاقعة من إفساح المجال لهذا التغول، على أن يؤتي أكله، في الهيمنة على مفاصل الحياة اليومية اللبنانية، والسيطرة المباشرة على ممارسة السياسة برمتها، حتى راحت سمة “الخيانة الوطنية” جاهزة لإلصاقها بكل من يخالف أوامر الحزب، أو يحاول نقد إهانته للاجئين السوريين، أو يحاول عدم تقديس ما يفعله مع “شبيحته”، في جرود وما حولها.

(جيرون) توقفت مع بعض الإعلاميين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين المطلعين على مجريات السياسة اللبنانية، وسألتهم عن محددات مستقبل الوضع اللبناني بعد معركة عرسال، واستثمار الحزب لكل ذلك.

الصحفي اللبناني عبد الناصر طه قال: “إن ما أطلق عليه جزافًا انتصار قد يكون من أواخر انتصارات (حزب الله)؛ لأن الحزب غرق في مستنقع الحرب السورية، ودخل بقوة في نفق التجاذبات الإقليمية والدولية وصار أسيرها. وأمام ما ترسمه القوى العظمى من حلول في سورية يتقلص الدور الإيراني، وبالتالي دور (حزب الله) الذي ينفذ أجندات إيرانية، في أكثر من دولة عربية. لذلك أرى أن الحزب سينكفئ للتعبئة الداخلية على المستوى اللبناني، وعليه أن يتحضر لاستحقاقات شتى، من فساد مستشر في كل النواحي، إلى استحقاق الانتخابات البرلمانية القادمة، إلى احتمال نشوب حرب مع العدو الصهيوني، وفي الوقت ذاته سيعمد إلى تعزيز سيطرته على مفاصل الحياة السياسية عامة، واستكمال إلغاء دور المجموعات والأحزاب والحكومة مجتمعين”.

الباحث السوري دكتور طلال مصطفى يعتقد: “أن وراءَ المعركة الأخيرة لـ (حزب الله)، في جرود عرسال على الحدود السورية اللبنانية، أهدافًا لبنانية داخلية، وإقليمية دولية. وعلى الصعيد اللبناني، هناك عدة رسائل من وراء هذه المعركة، حيث يريد الحزب تلميع صورته الباهتة لبنانيًا، وحتى شيعيًا، بعد انكشاف أكذوبة التحرير والمقاومة التي أطلقها في حربه مع (إسرائيل) عام 2006، لإبراز أكذوبة جديدة، هي أنه يحارب التنظيمات الإرهابية، وبذلك يرضي أيضًا ليس فقط القطاع المسيحي في لبنان، المتخوف من التنظيمات الجهادية السنية، بل حتى الجانب الدولي، وتحديدًا الجانب الأميركي، حيث العقوبات التي تلاحق الحزب وتصنفه كتنظيم إرهابي، ليس فقط التنظيم العسكري، وإنما التنظيم السياسي لأول مرة، وهنا تتركز إشكالية جديدة لوجود الحزب في المؤسسات الحكومية المدنية اللبنانية. بخاصة أنه حاول، بالدعايات الإعلامية، رفعَ رايات (حزب الله) إلى جانب العلم اللبناني، ليوهم اللبنانيين بأكذوبة عدم مقدرة الجيش اللبناني على التصدي للتنظيمات الجهادية التكفيرية، كما فعل عام 2006، وأوهم اللبنانيين بعدم مقدرة الجيش اللبناني على تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف مصطفى: “ثمة رسالة أخرى، تتمثل في أن الحزب يريد تغطية الأعداد الكبيرة من قتلاه على صعيد الطائفة الشيعية، فرأى أن يخلق انتصارًا وهميًا بمبادلة بعض أسرى الحزب بمعتقلين لـ (هيئة تحرير الشام)، عسى أن يلمّع صورته، بعد أن تشوهت في حربه لمدة خمس سنوات ضد السوريين خاصة، لكنه على ما يبدو سيخرج الخاسر الأول من هذه الحرب، من خلال الاتفاقات الأولية، بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا ودول إقليمية، تتجه إلى مناطق نفوذ أميركية، روسية، تركية، وهذا ما يسعد الحاضنةَ الاجتماعية (الطائفة العلوية) التي تفضل الحماية الروسية على الحماية الإيرانية و(حزب الله)؛ لأسباب اجتماعية دينية، إذ إنها تفضل الحياة الاجتماعية الروسية على الحياة الشيعية الدينية”. ويعتقد مصطفى أنّ “تسوية مناطق النفوذ تسير إلى الأمام ولو بشكل بطيء، وعلى الأغلب ستكون على حساب النفوذ العسكري والاجتماعي الديني لـ (حزب الله) في الداخل السوري، وخوفًا من هذه النتائج، حاول إيجاد أوهام انتصارات جديدة للحزب بمعاركه في جرود عرسال”.

الكاتب الفلسطيني علي الكردي قال: “أذكر أن مركز (الغد العربي للدراسات) الذي أسسه د. ، عقد ندوة بحثية، لدراسة تداعيات حرب 2006 على لبنان، التي عدّها (حزب الله) في ذلك الوقت (نصرًا إلهيًا)، وقد حضر الندوة لفيف من الباحثين، بينهم إيرانيون، وممثل عن (حزب الله) هو علي فياض مسؤول الإعلام. المفاجأة في تلك الندوة (التي عقدها حليف للحزب، كما يفترض) أنها لم تجرِ، كما يشتهي الإيراني، وممثّل الحزب، بل أخذت بعد كلمات المجاملة والاحتفاء (بالصمود والمقاومة) مسارًا آخر، حينما طُرح السؤال حول أبعاد السقف الطائفي للحزب وتبعيته لولاية الفقيه، وتأثير ذلك على المشروع الوطني اللبناني، والبعد القومي العربي للقضية الفلسطينية، في ظل التشرذم والغياب الذي تشهده المنطقة. ما أود قوله: أن ما جرى في جرود عرسال، هو سياسة منهجية اتبعها الحزب منذ بداياته، بوصفه ذراعًا وخنجرًا مسمومًا للولي الفقيه وأطماعه في المنطقة، تحت شعارات مضللّة، حول (المقاومة، وفلسطين، والقدس..)، خدعت الكثيرين بالفعل، ودفعت بعض الانتهازيين إلى الصمت، والمحاباة، بالرغم من معرفتهم بحقيقة ما يجري. ولو عدنا بالذاكرة نسأل: لماذا تمّ التعتيم على اغتيال الحزب لمهدي عامل، وحسين مروة؟! لماذا احتكر (المقاومة) في جنوب لبنان، ولاحق أبطال الحركة الوطنية اللبنانية الذين قاوموا الاحتلال، بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982؟! لماذا احتلت ميليشياته بيروت، عام 2007؟! لماذا.. ولماذا؟!

لماذا دخلت قطعانه إلى سورية، تقتل الشعب السوري، وتجهض تطلعاته إلى الحرية والكرامة؟!” وأجاب الكردي على هذه التساؤلات بقوله: “إنه لم يفعل ذلك، حبًا بحليفه نظام القتل والإجرام فحسب، بل لتنفيذ مخططات (الولي الفقيه) بتحقيق نفوذه على الهلال الشيعي، من طهران مرورًا ببغداد ودمشق، وصولًا إلى مياه المتوسط في لبنان. واللافت في الصفقة التي عقدها في جرود عرسال هو السهولة في موافقة (هيئة تحرير الشام) ومن لفّ لفهم على تنظيف المنطقة المحاذية للحدود اللبنانية، لتبدو المسألة كأنها (انتصار) إضافي للحزب، يحقق الاستقرار. تفوح من هذه الصفقة روائح كريهة، وتُظهر أن الدور الوظيفي للإرهابيين قد انتهت صلاحيته. بالتأكيد ثمة مياه كثيرة تجري في الخفاء، وصفقات تجري تحت الطاولة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين لتقاسم مراكز النفوذ، على حساب جسد السوريين، ودمائهم وعمرانهم، وعلى حساب كل شعوب المنطقة، وإذا لم تصحُ من سباتها، فإن القادم أعظم، وأشدّ وطأةً!”.

الكاتب السوري محمد خليفة قال: “الواقع أن (حزب الله) استطاع، منذ بداية انخراطه في الواقع السوري، إقناعَ قطاع واسع من اللبنانيين بأنه تدخل ليحميهم من التكفيريين والمتطرفين الذين يستهدفون لبنان ويسعون لنشر الإرهاب فيه، وخاصة المسيحيون والشيعة والدروز. وقد وجدت الرواية الملفقة قبولًا من الطوائف اللبنانية، وسط الضجة العالمية عن الجرائم المقززة (لداعش) و(النصرة) وبقية الفصائل، فضلًا عن التهييج الذي مارسه محور المقاومة. ومع أن أكاذيب وجرائم الحزب انفضحت في القصير والزبداني ومضايا، إلا أن البروباغندا استمرت، وبلغت أوجها في الأيام الأخيرة محققة سلة أهداف ثمينة، فقد ظهر الحزب كـ (مقاومة وطنية لبنانية حررت الأراضي اللبنانية التي كانت تحت الاحتلال)، وهو إنجاز عجز عنه الجيش سابقًا، وأعاد تذكير اللبنانيين بـ (حزب الله 2000 الذي حرر جنوب لبنان من إسرائيل). وظهر كمحرر للأسرى والجثامين من أسر (العدو)! كما تمظهر كحزب لبناني يتحلى بمناقب وطنية وأخلاقية عالية يتبنى لغة وطنية غير طائفية ولا مستفزة، وينسق مع الجيش، ويراعي وجود خصمه رئيس الحكومة في واشنطن، ولا يحرجه، ويقدم نفسه مضحيًا بأغلى شبابه لحماية اللبنانيين ولا سيّما المسيحيين في محيط عرسال، ثم ظهر للعالم كطرف يقاتل في خندق التحالف الدولي، بقيادة أميركا ضد الإرهاب”. ونبه خليفة إلى أن واشنطن غير منزعجة من (حزب الله) بقوله: “ولا شك أن كثيرين في العالم -بمن فيهم ترامب وإدارته الغبية- يرحبون بهذا الشريك المزيف، لقد نجحت بروباغندا (حزب الله) وشركائه في محور المقاومة الإيرانية والطوائف المعادية للثورة السورية. ولم يبق ينقص هذه التمثيلية سوى أن يتواطأ فيها أبو مالك التلي (النصرة) في عرسال، لتكتمل همروجة النصر الذي احتفل الحزب بتحقيقه، بينما توحي الوقائع الميدانية بأن صفقة تمت قبل بدء المعركة بهدف تبرير الانسحاب المبرمج إلى إدلب”.