عبد الحميد يونس

جاءت الأوامر لكلا الفريقين المتحاربين تأمرهما بالتّوقّف عن إطلاق النّار. لحظات قليلة شرع بعدها الجنود يخرجون من مخابئهم وتحصيناتهم وخنادقهم.

في كلا الجهتين الرؤوس تبين بهدوء وارتياب أولًا، ثم تخرج من خلف المتاريس، أو تظهر من وراء الاستحكامات أو من بين الحطام. وبالتدريج البطيء تتضح معالم الأشكال، تدبّ الحياة في جهات المكان الذي بدا مبعثرًا كئيبًا بأشيائه المجلبة، أو المحطمة أو المكدسة.

جماعات هنا، وجماعات هناك، تتحرك في الاتجاهات كافة، على بعض من أمان، ومثله من حذر.

كل هؤلاء الجنود المجندون كانوا، منذ لحظات لا غير، في حالة من حالات الغياب، أو التواري. يلفّهم جلباب التحفّي رغم أنهم جميعًا –في تلك اللحظات الثقيلة للزمن– تحت الطلب المؤجّل لملك الموت.

ها هم الآن ينغلون على قيد الوجود الملتبس.

الجوّ منقبض متوتّر، تخيّم عليه ظلال موحشة. ثمّة أشباح كثيرة تتقافز في الزواريب، أو السّاحات الخاوية. من يدري قد تكون أرواح مقاتلين لم تزل أجسادهم ساخنة بعد.

الجندي صاحب الحربة المكسورة، جلس فوق كومة من الأنقاض، أصبح أمامه المدى شبه مفتوح. جلس كأنّه يريد أن يستريح، ولعلّه يريد أن يفكر، بعد أسابيع طويلة من انهماكه في لعبة، التبست عليه أسبابها، وها هي تلتبس عليه نتائجها.

في أقلّ من دقيقة، مسحت نظراته المشهد بصيغته المجملة، حينًا كان ينظر إلى الأشكال المبعثرة، أو المقلوبة، أو المعلّقة، وهي ما تزال تتأرجح. وحينًا آخر يتأمّل بشرود إلى بعض عناصر الفريق المقابل وهي تتنقّل، أو تتجمّع، أو تتداخل، منهمكة بما يشبه الفرح، لتوقّف إطلاق النّار.

لم يكن يتوقّع أن عناصر “العدوّ”! قريبين إلى هذا الحدّ، فوجئ بالاستحكامات، والدّشن، والمواقع، التي كانت إلى ساعات لا غير غائبة تمامًا تحت كثافة الغبار والأوهام وأزيز الرصاص، فوجئ بها أهدافًا محقّقة، تكاد تكون في متناول اليدّ.

ها هو يستطيع أن يسمع صراخَهم، وضجيجهم، وحتّى كلامهم الذي لا يريد أن يفهم منه شيئًا على الإطلاق.

بعد زمن ما، وقف مكانه، حيث هو. انتصب، تمطمط، تثاءب بفتور وهو يتقدّم دالفًا إلى أمام. ليس إلى هدف محدّد، فقط إلى أمام، كأنّه يمشي في حلم، بعد أن أتعبته اليقظة.

عنصر آخر من الجهة الأخرى “المعادية”!، وفي اللحظة عينها، هو الآخر، وبمحض المصادفة البحتة، تقدّم من نقطة مشابهة، وحالٍ مشابهة، إلى الأمام أيضًا… وباتّجاهه.

مشى الأوّل…

مشى الثّاني…

تقدّما معًا…

استمرّا في التّقدّم. ثم في التقدم.

لم يكن أيّ منهما، قبل لحظة واحدة، يفكر أن يتقدم، وربما لم يكن أيّ منهما يفكّر وهو يتقدّم. لكنّ كلًا منهما استمرّ يتقدم، وبدا الأمر أشبه بلعبة أولاد صغار، أو لعبة مجانين كبار! وغدا الحال لكليهما كأنّ كلًا منهما يقصد الآخر.

المسافة تضيق ببطء، وهما ما زالا يتقدمان، كلٌّ باتّجاه الآخر… كلّ إلى الآخر.

في توقيت معيّن، ومحرق محدّد، أصبحا متقابلين، متواجهين، متناظرين. وجهًا لوجه، عينًا لعين.

وفي غفلة من عين الزّمن، والساسة، ونداء الدّماء، والثّارات، صارا قريبين واجمين صامتين. لم تعد المسافة أوسع من نصف رمية حجر.

كلّ منهما نظر إلى الآخر:

كانا متشابهين تمامًا في الهيئة، والسّحنة، وطول القامة، والغبار الذي يكلل وجهيهما، وشعر رأسيهما، وجفون عينيهما.

جنديان متشابهان في النّحافة، وتقاطيع الوجهين، وشكل الرأسين المنكوشين. يفصل بينهما خط وهمي موجود وغير موجود، كلّ منهما يسميه خطّ التماس، أو خط النار، أو خط الموت.

رفع صاحبُ الحربة المكسورة يدَه بتردّد إلى فوق.

رفعها على مهل إلى أعلى.

قطعتْ يدُه المسافة بين أسفل خصره، وطرف شحمة أذنه، ثم وصلت إلى ما فوق هامته بقليل، فأخذت راحة كفّه المفتوحةُ المبسوطة شكل راية صغيرة، فارتسمت مباشرة بسمةٌ متهيّبة شاحبة فوق شارب الجندي المقابل، الذي كان بدوره مدّ يده، لكن إلى تحت! بتردّد مماثل. مدّها بتردد مماثل وعلى مهل إلى تحت حزامه بقليل. وبسرعة أخرج علبة بحجم قبضة اليدّ، مليئة بأصابع قابلة للاشتعال. ثمّ وبلحظة مجنونة عاقلة، أو عاقلة مجنونة لا فرق، قذف، دونما تفكير كافٍ، بلفافة تبغ “حمرا طويلة” نحو صاحب الحربة المكسورة!!

اتّسعت الابتسامة أكثر… ثمّ اتّسعت أكثر، وأكثر.

تصاعد دخان أبيض نحو الأعلى، ليمحو آثار خطّ وهمي، موجود وغير موجود!

دخان أبيض كثيف له لون القطن السوري النظيف، جعل يظلل رأسين متشابهين خارجين للتوّ من جحيم، ليس له اسم ولا لون ولا وزن ولا معنى.

دخان أبيض تمامًا، كان هذه المرّة خاليًا من رائحة البارود.