إبراهيم صموئيل

إذا كانت الأعمال الأدبيّة والفنيَّة والفكريّة رفيعة المستوى تحتاج إلى اهتمام نقدي وإعلاميّ، وحفزٍ للقرّاء على مطالعتها؛ فإنَّ الحاجة أكبر إلى الكشف عن الأخرى، الرديئة الهابطة، وتحذير القرَّاء من مضارّها.

ولعلَّ المتابعين ما زالوا يذكرون المبتكرات الإعلامية الكثيرة لمجلة (الناقد) اللبنانيّة التي كانت تُصدرها دار رياض نجيب الريّس، ومن بينها ذلك الباب المُميَّز، غير المتداول بكثرة في الصحف والمجلاّت العربيّة، تحت عنوانٍ صريح فصيح: “دليل القارئ إلى الكتاب الرديء”.

ففي هذا الباب، كان يمكن للقارئ أن يتعرَّف إلى عناوين الكتب الرديئة الصادرة حديثًا، المنتشرة في المكتبات، وإلى أسماء أصحابها؛ وكذلك إلى موجزٍ نقديّ عن أسباب رداءة نصوصها، ومكامن إفسادها ذائقة المطَّلع عليها؛ فيسعى إلى النأي عنها، وتجنُّب الوقوع في مطبّها، بمساعدة قيّمة من المجلّة.

ومن المفهوم أن بابًا كهذا، في صحيفةٍ أو موقع إعلاميّ، يفتح أبوابَ معاداته والنيل منه بادّعاءات كثيرة متداولة منها: مصادرة حقّ التعبير، وفرض الرقابة والوصاية على الأدب، وممارسة النقد على أساس الهوى والمزاج، والتعسّف في إصدار الأحكام وفقًا لذائقة فرديّة خاصة… وإلى ما هنالك مما يثيره عملٌ مفيدٌ ذكيٌّ وجريءٌ كهذا في وسائل الإعلام.

وعلى الرغم من أهميّة دأبٍ صحافيّ نقديّ كهذا، يُؤمل أن يتحوَّل إلى تقليد إعلاميّ في مختلف المنابر؛ فإنَّ الأهمَّ يتمثَّل في حاجة الحياة الثقافيّة الماسَّة إليه، وفي الضرورة التي تدعو إلى إنشائه، إزاء طوفانٍ مخيفٍ من الكتب الهابطة تجتاح عالمنا العربي، تحت مسمَّيات الأجناس الأدبيّة كافّة، على أيدي من هبَّ ودبَّ من عديمي الموهبة الذين يرون أن إنجاز عمل أدبيّ لا يحتاج سوى إلى مجموعة إجراءات وأفعال ليكون لهم ما أرادوا.

في ظلّ هذا التفلُّت الصريح، وغياب لجان القراءة والتقويم، لدى عدد كبير من دور النشر (وحتى لو وُجدت، فالمطابع على الحساب الشخصي جاهزة) وعزوف العديد من النقّاد المتخصّصين عن تناول هذه الصادرات؛ يصير ضرورة ملحَّة وجود باب إعلاميّ يكون دليل القارئ إلى الكتاب الرديء، ويكون ضوءًا -مجرَّد ضوء دالّ- يُبيّن الموهبة من ادّعائها، والغثّ من السمين، والشحمَ في النصّ مما شحمه ورم.

أمَّا بشأن القلق على حريّات القول والتعبير، فثمَّة سؤال بسيط: لِمَ لا نصادف قلقًا -بل نجد حرصًا شديدًا- إزاء جهود ضبط منتج الأدوية، والتأكّد من سلامة المادة الغذائيّة، والعمل على تجنّب التزوير.. وما إلى ذلك مما يخصُّ المنتجات، ويتعلَّق بحياة الناس في الشؤون غير الثقافيّة؟ ألِأنّ المُنتَج، في تلك الميادين، يمكن أن يُؤذي أبدان الناس ويضرّ بصحّتهم، إذا ما كان من دون مرجعيَّة تتبيّن صلاحيته من فساده؛ في حين أن مُنتَج العمل الثقافي -أيًّا كان درك رداءته وهبوطه- لا يضرّ بعقول الناس، ولا يُشوّه أرواحهم، ولا يفسد بنية الذائقة لديهم، الأمر الذي يجعله غير محتاج إلى مرجعيةٍ تتفحَّص مستواه، وتتبيَّن مدى آثاره السلبيّة من الإيجابية على ثقافة الناس وأذهانهم!؟

لقد ملَّت وسائل الإعلام؛ لكثرة ما وردت إليها مقالات وتحقيقات صحافيّة، يتناول موضوعها عنوانًا عريضًا، مُعادًا ومُكرَّرًا: أغيثونا من كمّ الرداءة والهشاشة والسطحيّة التي تجتاح مطابعنا ومكتباتنا كلّ يوم تحت مسمّى الشعر والقصة والمسرحيّة، وعلى الأخصّ الرواية، تلك التي باتت سوقها رائجة على نحو منقطع النظير!

ملَّت إدارات الصحف الورقيّة والإلكترونيّة، وملَّ الكتَّاب والصحافيون، كما ملَّ القراء أنفسهم، ولكنْ، من غير أن يملَّ المتسلّقون المُدَّعون المُتعدُّون على الأدب والفنّ، وعلى صحة عقل القارئ، وسلامة ذائقته من الفاسد المُفسد، وحقّ روحه في الاستمتاع والاغتناء؛ إذ تلبَّستهم حالٌ مَرَضِيّة مفادها أنْ لا قيمة للمرء في الحياة، ولا مبرّر لوجوده، إنْ لم يُصدِر رواية!