muhammed bitar

تبدو الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية أواخر سنة 2015، أمام ذروة تحدياتها، على صعيد إعادة ترتيب بيتها الداخلي، في ظل إدراكها للمناخ العام الدولي السائد حالياً، في ما يخص القضية السورية؛ إذ إن “مكافحة إرهاب الجماعات المتطرفة في سورية”، بات الملف الأكثر إلحاحاً من موضوع رحيل أو بقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد، سواء مع بداية المرحلة الانتقالية أو لاحقاً. وتضع رؤية القوى الإقليمية والدولية هذه، الهيئة العليا وأبرز مكوّناتها الائتلاف الوطني السوري، أمام ما يمكن اعتبارها عاصفة سياسية. يأتي ذلك فيما تستمر القضية السورية محور لقاءات دولية تمثّلت، أمس السبت، بلقاء جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، مع نظيره السعودي عادل الجبير، في موسكو، من دون أن تتوفر معلومات إضافية عما جرى خلال اللقاء.

وعلى الرغم من أن رئيس وفد الهيئة العليا المفاوض في جنيف، نصر الحريري، كان قد بدد في حوار له مع “العربي الجديد”، أخيراً، ما كان يدور عن أن المعارضة تُدفع باتجاه تقديمٍ تنازلات، خصوصاً في ما يتعلق بـ”عقدة” مصير الأسد، مؤكداً أنه لا تنازل عن شرط رحيله قبل بدء المرحلة الانتقالية، إلا أن الهيئة العليا كأبرز أجسام المعارضة السورية، تُدرك حجم التحديات التي تواجهها حالياً ومستقبلاً. هذا الأمر دفعها لفتح قنوات تواصلٍ مع شخصياتٍ اعتبارية، ونشطاء سياسيين ومدنيين سوريين، بهدف الوصول إلى أوسع قاعدة تمثيل ممكنة، تؤمن لها حاضنة شعبية أوسع مما هي عليه، وتتكئ عليها لمواجهة التحديات القائمة، ومنها عملية الحل السياسي، وإدخال مكونات جديدة للهيئة العليا كمنصتي موسكو والقاهرة، وسط مخاوف حول مستقبل محافظة إدلب، بعد أن باتت خاضعة بمعظمها لـ”هيئة تحرير الشام” (التي تُشكّل جبهة النصرة أبرز مكوّناتها).

في هذا السياق، كانت معلومات رشحت عن دعوة الهيئة العليا لممثلين عن منصتي القاهرة وموسكو للاجتماع في العاصمة السعودية يوم الخامس عشر من هذا الشهر، تحضيراً لمؤتمر “الرياض 2″؛ لكن رئيس منصة موسكو، قدري جميل، اعترض على مكان عقد الاجتماع، مفضلاً أن يلتقي أطرافه في مدينة جنيف السويسرية، في حين أن منصة القاهرة “طلبت التريث” لإجراء مشاوراتٍ قبل عقد الاجتماع، ما “يُرجح تأجيل عقده”، بحسب ما ذكر المتحدث باسم الهيئة العليا رياض نعسان آغا، لـ”العربي الجديد”، أمس السبت.

وعلى الرغم من أن عضو الهيئة العليا أحمد العسراوي قد أشار لـ”العربي الجديد”، أمس، إلى أن الموعد المحدد للاجتماع في الخامس عشر من الشهر الحالي كان ثابتاً، لكنه لم يستبعد “حصول تغييرات مرتبطة بحجم تجاوب الآخرين”. وهو الأمر الذي أكده مصدر مطلع في الائتلاف الوطني لـ”العربي الجديد”، مرجّحاً أن “موضوع لقاء الهيئة العليا بمنصتي القاهرة وموسكو لبحث مقاربة تتيح تشكيل وفد واحد لمفاوضات جنيف، سيأخذ مزيداً من الوقت في مشاورات الأطراف المعنية فيه، نظراً لتباعد الرؤى حول مكان الاجتماع وجدول أعماله”.

وفي السياق نفسه، أعلن رئيس وفد منصة القاهرة لمفاوضات جنيف، فراس الخالدي، أن اللقاءات التقنية التي ستسبق مفاوضات جنيف ستعقد في جنيف ولوزان في 22 أغسطس/ آب الحالي، موضحاً في تصريحات لوكالة “سبوتنيك”، أن “المعارضة تلقت دعوة للقاء التقني في جنيف في 22 الحالي”، مضيفاً: “ننتظر موافقة منصة موسكو على حضور لقاء الرياض كي نستطيع الاستفادة منها كقوة معارضة”. وأوضح الخالدي أن “جدول الاجتماع سيشمل تفاهمات بينية في ما يخص الوفد الموحّد وإمكانية عقد مؤتمر جامع للمعارضة السورية بما ينهي حالة التشرذم بيننا، لبناء مرحلة جديدة تهيئ لموقف تفاوضي موحد”، مشيراً إلى أن دعوة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا “غيّرت فحوى الاجتماع وصار هناك نقاش بين منصات المعارضة للوصول إلى وفد موحّد”.

لكن موضوع اجتماعات الهيئة العليا بمنصتي القاهرة وموسكو، وعلى الرغم من أهمية ما ستؤول إليه هذه الاجتماعات التي يجري التحضير لها، ليس التحدي الوحيد الذي تواجهه المعارضة السورية هذه الأيام؛ إذ إن مستقبل محافظة إدلب، والمناطق القريبة المتصلة بها، يثير تخوفات حول مصير المحافظة التي تغيرت خارطة النفوذ والسيطرة فيها منذ ما بعد الثالث والعشرين من شهر يوليو/ تموز الماضي.
فالحملة العسكرية التي شنتها “هيئة تحرير الشام” واستهدفت بشكل رئيسي تقليص أو إنهاء نفوذ حركة “أحرار الشام” في محافظة إدلب، فتحت الباب أمام سيناريوهات عديدة لما يمكن أن تشهده إدلب مستقبلاً؛ إذ إن موسكو لم تستبعد سيناريو الموصل، في حين أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية مايكل راتني، قال إنه “سيصبح من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة، بعدما باتت إدلب خاضعة للنصرة”، ناصحاً “الجميع في الشمال المحرر باتخاذ ما يلزم للابتعاد عن هذه العصابة ورفض هذا الإرهاب”.

هذه التصريحات وغيرها، مع استشعار المعارضة السورية للمخاطر المترتبة على سيطرة “هيئة تحرير الشام” على إدلب، دفعت الهيئة العليا لتشكيل لجنة تتواصل مع أكبر قدر من الفعاليات المدنية والسياسية السورية، لبحث التحديات القائمة حالياً، وبينها محاولة إيجاد حلولٍ تجنّب المحافظة، التي لطالما كانت معقل المعارضة السورية الأبرز، مصيراً كارثياً.
وفي ما يبدو إصراراً روسياً على استكمال عملياتها الداعمة لنظام الأسد، أكد قائد القوات الجوية الروسية الفريق أول فيكتور بونداريف، في كلمة له أمس، أن الطيارين الروس “يشاركون في عملية لإعادة الاستقرار في سورية، وبفضل القوات الجوية الروسية، فالاستقرار سيعود إلى سورية، والإجرام الدولي سينهزم”.

وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، قد أشار أول من أمس، الجمعة، إلى أن بلاده تواصل اتخاذ الإجراءات الأمنية على الحدود مع سورية، قائلاً إنه “لم تطرأ أي تغييرات على السياسة الأمنية التركية، سواء المتعلقة بالداخل أو الخارج”، على ضوء “التطورات التي شهدتها مدينة إدلب” أخيراً، مضيفاً: “كما هو معلوم، سيطرت تنظيمات إرهابية خلال الفترة الأخيرة على تلك المنطقة، وسيتم تحديد نوع العمليات التي يمكننا القيام بها حسب التطورات التي يمكن أن تحصل هناك”.