muhammed bitar

العثور على مأوى مناسب يعدّ أمراً صعباً بالنسبة للسوريّين في بلادهم، في ظل ارتفاع بدلات الإيجار. تراهم يتنقلون من بيت إلى آخر، وقد ينتهي بهم الحال في الخيم

“خمسة بيوت في عام واحد”. يرفع أبو صالح كفّه الأيمن كمن يؤدي قسماً. يصمت وتجمد ملامح وجهه وتجحظ عيناه، ما يظهر كمّ الغضب في داخله. يشير بإصبعه إلى خيمته الصغيرة التي يعيش فيها وزوجته في مخيم الكرامة، ويقول: “انتهى بنا الحال هنا، في هذه الخيمة”.

لم يكن القصف ما اقتاد هذا الرجل الستّيني وزوجته إلى هذا المخيّم، بل الاستغلال وفوضى الإيجارات. يقول: “منذ أكثر من 30 عاماً، ونحن نعيش في منزل بالإيجار. لم يكن يوماً ملكاً لنا، إلّا أنّنا كنا ندفع بدل إيجار قليلاً (إيجارات قديمة). صحيح أنّ صاحب البيت لم يكن راضياً عنه، لكنّ القانون كان يضمن عدم إخراجنا منه. اليوم، لم يعد هناك قانون وما من أحد يلتزم بتطبيقه. أجبرنا صاحب المنزل على الخروج منه في نهاية العام الماضي، وانتقلنا إلى آخر، وصرنا ندفع نحو 50 دولاراً. بعد نحو شهرين، طالبنا صاحب البيت الثاني بمضاعفة بدل الإيجار أو الخروج من المنزل. مرة أخرى تركنا المنزل واستأجرنا آخر بنحو 60 دولاراً”. يضيف: “في كلّ مرة تصل فيها مجموعة من النازحين والمهجرين إلى إدلب، يطمع أصحاب البيوت ويطالبون بزيادة بدل الإيجار أو إخلاء المنزل”.

ويوضح أبو صالح أنّ راتبه التقاعدي لم يعد يكفيه لسداد بدل إيجار شهر واحد. “في المرّة الأخيرة، لم أستطع تأمين بدل الإيجار. وبعد مرور عشرة أيام، جاء صاحب البيت مع قريبه المسلّح، وهدّدنا بالخروج فوراً. تدخّل الجيران فأمهلنا حتى اليوم التالي. تلك الليلة، أُصبت بنوبة قلبية ونقلت إلى المستشفى، وخرجت منه من دون أن يكن لدي مأوى أذهب إليه. ثم جئتُ إلى المخيم بعدما عرض علي أحد الأصحاب هذه الخيمة”. يضيف: “أكثر ما يُحزنني هو أن ينتهي بي الحال في خيمة قرب مدينتي التي قضيت فيها عمري كاملاً”.

وفي ظلّ الكثافة السكانية في محافظة إدلب، والتي تضم اليوم ما لا يقلّ عن مليوني نسمة وفقاً لتقديرات مصادر محلية، بات ما يُسمّى بـ “العرض والطلب”، الذي لا تحكمه أية ضوابط، المتحكم الرئيسي بأسعار بدلات إيجارات البيوت. ولا يستطيع السكن في البيوت إلا أولئك الذين يملكون المال، فيما لا يجد آخرون بديلاً غير الخيام.

حالٌ جعل عائلات كثيرة، حتى تلك التي ما زالت قادرة على استئجار بيت، تعيش تنقلاً مستمراً بين منزل وآخر. ويقول عبد الرحمن السيد، وهو مهجّر سوري من وادي بردى: “يُطالب عدد كبير من أصحاب البيوت بإخلاء المنزل، كلما أتيح لهم تأجيره بسعر أعلى. ولم يرض صاحب البيت الذي نعيش فيه، ولا غيره، الاتفاق معي على بدل إيجار لأكثر من ثلاثة أشهر، ما يعني أنّني مضطر إلى إخلاء المنزل بعد هذه المدة، في حال لم أوافق على دفع المبلغ الجديد الذي سيحدّده”. يضيف: “لم نشعر للحظة بالاستقرار هنا”، لافتاً إلى أن “بعض حقائبنا ما زالت مغلقة. طوال الوقت، نشعر بأننا نعيش على عتبة هذا المنزل، وقد بدأت البحث عن منزل جديد، لأنّني لن أستطيع دفع أكثر من المبلغ الحالي”.

وتشهد المدن والقرى الآمنة نسبياً في الشمال السوري حركة اقتصادية أكثر من غيرها، ما انعكس على بدلات إيجار البيوت، التي ترتفع باستمرار، على غرار أطمة وسرمدا والدانا في ريف إدلب، وجرابلس في ريف حلب. وتقول جمانة، وهي نازحة سورية من ريف حمص، وتعيش حالياً في ريف جرابلس: “صارت حياتنا من بيت إلى بيت. لا نعلم أين يمكن أن نكون الشهر المقبل. يقضي زوجي نصف يومه في البحث عن منزل. كنا نعيش سابقاً في جرابلس المدينة. ومع ارتفاع الأسعار، جئنا إلى الريف. قبل ثلاث سنوات، تركنا بيتنا بسبب القصف. عشت في إدلب وفي ريفها وفي عفرين ثم في جرابلس وهنا. وباتت كلّ الأماكن تضيق بنا”.

وتشكو أنّه “ليس هناك فعلاً من يهتم بإيواء الناس أو ضمان حقوقهم. ففي إدلب وريفها، تضع الفصائل يدها على البيوت المهجورة وتوزعها على عناصرها، بدلاً من منحها للمهجرين والنازحين. ومع كل حملة تهجير، تنشط الجمعيات الإغاثية لشهر واحد، ثم تتركهم يواجهون مصيرهم”.

ومن قصص الاستغلال، يروي طلال محمد طه، الذي يعيش في ريف جرابلس، أنه “قبل أشهر عدة، تجادلت كثيراً مع صاحب المنزل حتى لا يخرجنا منه. كان قد أخبرنا أنّه اتفق مع عائلة أخرى على تأجيره لها لأنها ستدفع أكثر. أعطيته بدل إيجار مسبق على مدى ثلاثة أشهر، فوافق على إبقائنا فيه. خلال فترة العيد، كنّا نزور أقاربنا، وحين عدنا فوجئنا بوجود أناس في المنزل. علمنا أنّ هذه العائلة استأجرت البيت، وقد دفعت المال إلى صاحبه. لم أصدق أنه أجّر عائلتين في الوقت نفسه طمعاً بالمال. بحثنا عنه ولم نجده طوال أسبوع كامل، وكانت العائلة الأخرى قد خدعت مثلنا. اضطررنا إلى السكن مع الأم وطفلها المعوق في المنزل، فيما قصد الأب بيت أقاربه إلى حين تسوية الأمر. وحين وجدت صاحب البيت، لم أكن قادراً على فعل أي شيء خشية أن يطردنا. لكن بات علي البحث عن بيت جديد، إذ لم أعد أثق فيه”.