أحمد عيشة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حزيران/ يونيو. سيرغي كاربوخين/ رويترز

 زرتُ روسيا آخر مرةٍ، في تشرين الأول/ أكتوبر، لإجراء بحثٍ حول العلاقات الأميركية الروسية، وعدتُ إلى الوطن قبل انتخاب الرئيس ترامب، مدركًا أنَّ العلاقة كانت بحالة سيئة، وأنها تتجه نحو الانحدار بشكلٍ مطرد. ويتواصل هذا المسار، مع مطالبة روسيا بأنْ تخفض البعثة الدبلوماسية الأميركية 755 موظفًا من موظفيها، ردًّا على العقوبات الجديدة التي فرضها الكونغرس، ووقعها الرئيس ترامب، في الأسبوع الماضي.

إنَّ رحلة تشرين الأول/ أكتوبر، والأحداث اللاحقة تثير أسئلةً مهمة: إلى أين تريد الولايات المتحدة أن تسير الأمور؟ ما هي رؤيتنا لنقطة نهايةٍ مقبولة؟ أكثر من ستة أشهرٍ من إدارة ترامب، ولا توجد إجابات.

قبل أسبوعٍ من رحلتي، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أصدر جيمس كلابر الابن، الذي أصبح مدير الاستخبارات الوطنية، ووزير الأمن الداخلي، أولَّ بيانٍ أميركي رسمي بأنَّ روسيا تتدخل في عملية انتخابنا. عندما واجهتُ أنا وزملائي مسؤولي الكرملين، ووزارة الخارجية بهذا؛ نفوا ذلك بشدة (كما هو متوقع)، وأطلقوا سردية الكرملين، زاعمين أنَّ الولايات المتحدة هي المسؤولة عن أيّ مشكلات في العلاقة الروسية الأميركية، ونددوا بالسياسات الأميركية بشأن توسع الناتو في البلقان وليبيا، وبالسياسات الديمقراطية في الدول السوفيتية السابقة، وسورية، على سبيل المثال لا الحصر.

إضافةً إلى ذلك، كانت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة مليئةً بحديث الحرب: لو تمَّ انتخاب هيلاري كلينتون، فإنَّ روسيا والولايات المتحدة ستكونان على شفا حرب، ويجب على الروس إعداد ملاجئهم الواقية من القنابل بشكلٍ حقيقي.

هذا يذكرني بدرسٍ تعلمته عن التعاملات السابقة مع الروس: إنّهم يعرفون دائمًا ما يريدون، لذلك من الأفضل معرفة ما تريده أنت، وإلا سيسيطرون عليك. وفي روسيا اليوم، السؤال هو ماذا يريد فلاديمير بوتين، لأنّه يقرّر أيّ شيء مهم، وأهدافه واضحة تمامًا: الهيمنة من دون منازع في الوطن؛ والتأثير الكبير على جيرانه؛ وإضعاف المؤسسات الغربية مثل الناتو والاتحاد الأوروبي؛ ونفوذ “قوة عظمى” في المناطق الرئيسة، مثل الشرق الأوسط. ما أريد قوله أنّ الأمر كلَّه يتعلق بجعل روسيا عظمى مرةً أخرى.

الآن، ماذا نريد نحن. بطبيعة الحال، لا يجوز أن نسمح لروسيا بأنْ تتابع طريقها، سواء أكانت تعبث بانتخاباتنا، أم تنتهك حدود الدول المستقلة التي تتطلع إلينا لإنفاذ الاتفاقات الدولية التي وقّعناها معًا. ومع ذلك، يجب علينا أنْ نتجنب إشعال حربٍ مع بلدٍ يعتمد في قوته على الأسلحة النووية أكثر من بلدنا.

وعلاوةً على ذلك، لا ينبغي لنا الوقوع في فخ التفكير بأن هذه مجرّد حرب باردة جديدة، ومن ثم الاعتماد على الغرائز التي وضعناها في ذلك الوقت. في الواقع، كانت الحرب الباردة أبسط: كانت صراعًا عالميًا واضحًا بين أيديولوجيتين متعارضتين تمامًا، وكان على إحدى الأيديولوجيتين أنْ تموت. خسروا بلدهم، وإمبراطوريتهم، والنظام الاقتصادي الشيوعي.

كان تلك المعركة لعبة “داما”. اليوم تحولّت إلى لعبة الشطرنج.

لا يمكن للصدام الحالي مع روسيا أنْ يكون حول انتصارٍ كامل، من دونٍ أي خطوة تالية؛ لأن روسيا -على عكس الاتحاد السوفيتي- لن تغادر مكانها؛ لذلك يجب أنْ تكون استراتيجيتنا حول فرض القيود.

لا يمكننا أنْ نجعل روسيا ترحّب بحلف شمال الأطلسي على حدودها، ولكن يمكننا العمل على تعزيز وحدة حلف شمال الأطلسي واستراتيجية الردع، ومواجهة الدبلوماسية الروسية التي تهدف إلى تهديد الأعضاء، والبناء على خطواتٍ مثل الانتشار الأخير لقوات الناتو، في دول بحر البلطيق وبولونيا، وفي كلّ وقتٍ إرفاق شروط لأي إنقاصٍ في الضغط على روسيا.

نحن لا نستطيع إيقاف روسيا من عادة التجسس التي تعود إلى الزمن القيصري، ولكن يمكننا أنْ نعزز قدراتنا المضادة للتجسس، ومن المهم جدًا البدء بشكلٍ منهجي بكشف “الأخبار المزيفة” الروسية الموجهة إلى مواطنينا، كما بدأت العديد من الحكومات الأوروبية القيام به.

ولا يمكننا تغيير الجغرافيا، أو إجبار روسيا على تجاهل المناطق المجاورة، حيث لها علاقاتٌ تجارية وثقافية عميقة. ولكن يمكننا الاستمرار في معاقبة موسكو على الاستيلاء على الأراضي، أو القيام بعملياتٍ نفوذ سرية تهدف إلى تقويض استقلال الجيران، والحدّ من خياراتها في السياسة الخارجية. ويمكننا أنْ نعطي أوكرانيا أسلحةً دفاعية أكثر تطورًا لحماية نفسها ضد الغزاة الروس، ويمكننا أنْ نستمر في ممارسة الضغط، كما فعل الكونغرس بفرض عقوباتٍ جديدة.

ولا يمكننا أنْ نمنع السيد بوتين من الطموح بمغامراتٍ في الخارج مثل حملته في سورية، ولكن إذا تمكنت إدارة ترامب من العمل المشترك؛ فيمكننا العمل على استعادة قيادتنا في المناطق الحرجة التي تضاءلت إلى حدٍّ ما، نتيجة لحذر إدارة أوباما، ولكونها تضررت عالميًا نتيجة صدقية السيد ترامب المنخفضة، جنبًا إلى جنب مع الفوضى في إدارته. تنزلق القيادة من بين أصابعنا، ولكن من السابق لأوانه أنْ نتخلى عنها أو نستسلم.

أما بالنسبة إلى تغيير روسيا محليًّا، قالت لي عضو في البرلمان الأوكراني في كييف: “أوكرانيا هي الدولة السوفيتية السابقة الوحيدة التي يمكن أنْ تغيّر روسيا”. كانت تعني أنّ الروس يعتبرون أوكرانيا مهد الدولة السلافية التاريخية (في القرن التاسع)، ويعتبرون الأوكرانيين أقرب أقربائهم العرقيين. إذا تمكنت أوكرانيا من التغلب على الفساد المتوطن فيها، وتطوير ديمقراطيةٍ مزدهرة؛ فإنها ستحفّز على دعم حكمٍ مماثل في روسيا. إنَّ مساعدة أوكرانيا هي استراتيجيتنا الواعدة، وهي التي يخشى منها السيد بوتين؛ ولهذا السبب غزا أوكرانيا.

وبعبارةٍ أخرى، فإن التحدي اليوم ليس كيف سنرى روسيا مسحوقةً مرة أخرى، كما كان الحال عندما انهار الاتحاد السوفيتي، بل إنّه حول تقييد أسوأ اتجاهاتها عندما تستعيد حيويتها. وهذا يتطلب إظهار حزمٍ لا هوادةَ فيه على الأمور الأكثر أهميةً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وخلق مساحةٍ للروس متشابهي التفكير للدفع من أجل الاندماج في النظام العالمي، وفي الوقت نفسه البقاء في حالة تأهبٍ تجاه القضايا التي تتلاقى فيها المصالح الأميركية والروسية، بما فيه الكفاية للسماح على الأقل بتعاونٍ محدود.

اسم المقال الأصلي
The Smart Way to Deal With Putin’s Russia

الكاتب*
جون ماكلولين، John McLaughlin

مكان النشر وتاريخه
نيو يورك تايمز، The New York Times، 9/8

رابط المقالة
https://www.nytimes.com/2017/08/09/opinion/the-smart-way-to-deal-with-putins-russia.html?_r=0

ترجمة
أحمد عيشة

*- جون ماكلولين، نائب مدير، والمدير بالوكالة للاستخبارات المركزية الأميركية، من عام 2000 إلى عام 2004، يدرس في مدرسة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، وهو محلل لشؤون الأمن القومي في محطة MSNBC.