الهجرة القسرية والتهجير القسري للسكان

نزار أيوب

[ad_1]

ألحقت الحرب في سورية، خلال ستة أعوام، بالسوريين وسورية الكوارث والدمار، إذ قتل ما يزيد عن 300 ألف شخص، فضلًا عن الاختفاء القسري لعشرات الآلاف، داخل السجون ومراكز الاحتجاز، ونزوح أكثر من ستة ملايين شخص داخل البلاد، وما يزيد عن خمسة ملايين باتوا لاجئين خارجها، ونحو خمسة ملايين شخص يعيشون في مناطق محاصرة ومناطق يصعب الوصول إليها (اللجنة الدولية للصليب الأحمر).
تتعدد أسباب هجرة الناس ودوافعها، فمنها الهجرة القسرية بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأمنية في بلد معين، ومنها التهجير أو النقل القسري للسكان وقت النزاعات المسلحة والاحتلال، حيث درجت العادة على قيام القوات المتحاربة أو المجموعات المسلحة بتهجير الناس ونقلهم القسري، من أماكن سكناهم إلى مناطق أخرى داخل أو خارج بلدهم.
ما هي الهجرة القسرية؟
تحدث الهجرة القسرية، عندما يضطر الأفراد أو الجماعات إلى الانتقال من مناطق سكناهم؛ جرّاء النزاعات المسلحة، أو الكوارث الطبيعية والبيئية، أو الكوارث الكيمائية والذرية، أو المجاعة، أو جراء انتهاكات لحقوق الإنسان، أو بسبب تشييد مشاريع لأغراض التطوير، إلى مكان آخر. وقد تقتضي الظروف بقاء هؤلاء داخل حدود بلدهم، فيعتبرون عندها مهجرين داخليًا، أو يتجاوزون حدود بلدهم ليجدوا أنفسهم داخل بلد آخر، فيصبحون لاجئين. وفي كلتا الحالتين، يعتبر هؤلاء الأشخاص ضحايا الهجرة القسرية. وعادةً ما تكون الهجرة القسرية ناجمة عن خيار شخصي، تمليه الظروف المذكورة أعلاه، أو أن تُفرض على الأشخاص من قبل الحكومات أو المجموعات المسلحة التي تستخدم القوة للقيام بعمليات نقل قسري للسكان (فلسطين عام 1948، الجولان عام 1967).
النقل/ التهجير القسري
على أثر الحرب العالمية الثانية وما تمخض عنها من مآسٍ نجمت عن عمليات النقل القسري لسكان الأقاليم المحتلة، ولتفادي وقوع مثل هذه الأعمال مستقبلًا؛ تم تضمين اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب للعام 1949، نصًا واضحًا وصريحًا يقضي بحظر النقل القسري للسكان المدنيين. وكان ملايين الأشخاص قد تعرضوا، خلال تلك الحرب، للنقل القسري من منازلهم وأوطانهم، وتم وضعهم في ظروف معيشية وإنسانية في غاية الصعوبة، داخل معسكرات الاعتقال، أو استخدامهم في أعمال السخرة؛ ما ألحق بهم آلامًا جسدية ونفسية طالت الأطفال والنساء على وجه الخصوص.
لمنع حدوث أعمال نقل قسري في المستقبل، تم تضمين اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 نصًا واضحًا وصريحًا، يحظر النقل القسري للسكان المدنيين، إذ نصت المادة 49 من الاتفاقية الرابعة على أنه “.. يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيًا كانت دواعيه..”. إلا أنّ حظر النقل القسري للمدنيين ليس مطلقًا، إذ أجازت أحكام المادة 49 أحكامًا تجيز اللجوء للنقل القسري، في بعض الحالات التي تقتضي الضرورة القيام بذلك، حيث تنص على أنه “يجوز لدولة الاحتلال أن تقوم بإخلاء كلي أو جزئي لمنطقة محتلة معينة، إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية”. ولا يجوز أن يترتب عن عمليات الإخلاء نزوح الأشخاص المحميين إلا في إطار حدود الأراضي المحتلة، ما لم يتعذر ذلك من الناحية المادية. ويجب إعادة السكان المنقولين على هذا النحو إلى مواطنهم، بمجرد توقف الأعمال العدائية في هذا القطاع. وبموجب أحكام الفقرة السادسة من المادة 49، “يحظر على دولة الاحتلال نقل مواطنيها إلى الأراضي المحتلة” (المستوطنين في فلسطين والجولان المحتلتين).
الهجرة الداخلية
لا يوجد تعريف حقوقي للمهجرين داخليًا، ولا اتفاقية دولية تحميهم، وتقتصر مسألة حماية المهجرين داخليًا على “المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي” الصادرة عن الأمم المتحدة العام 1988، بصفتها المرجعية الأساسية التي تعرّف المهجرين داخليًا بأنهم الأشخاص أو الجماعات الذين أجبروا قسرًا على مغادرة منازلهم أو مناطق سكناهم، أو الذين اضطروا إلى الهرب منها، في سبيل النجاة من نزاع مسلح، أو تجنب الآثار الناجمة عنه، أو من انتشار أعمال عنف، أو من انتهاك حقوق الإنسان، أو من كوارث طبيعية، أو كوارث تسبب بها الإنسان، ولم تتجاوز حدود الدولة المعترف بها دوليًا”. من هذا المنطلق؛ يقتضي إدراج الأشخاص أو الجماعات ضمن فئة المهجرين داخليًا بأن تكون الهجرة ناجمة عن أسباب قسرية، واستمرار المهجرين بالإقامة داخل الحدود المعترف بها دوليًا لبلدهم، وعدم تجاوزها إلى الإقامة القسرية في دولة أخرى.
يشترط توافر عنصرين لقيام الهجرة الداخلية؛ يتمثل العنصر الأول بالإكراه، أي بوجود أسباب قسرية أدت إلى الهجرة، والعنصر الثاني باستقرار المهجرين في مناطق داخل الحدود المعترف بها دوليًا لبلدهم؛ ولذلك ينبغي إقامة الحد بين مصطلحي المهجرين داخليًا واللاجئين من ناحية الوضع القانوني المختلف لكل من هاتين الفئتين. فاللاجئ هو الشخص الذي ترغمه الظروف على الهجرة القسرية، من جرّاء الحروب والكوارث وانتهاكات حقوق الإنسان، ويجتاز حدود بلده ويقيم في بلد آخر، ويتمتع بوضع قانوني يضمن له الحماية وحسن المعاملة، ولا يعتبر مواطن الدولة المضيفة، في حين يستمر المهجرون داخليًا في التمتع بالحقوق المنصوص عليها في تشريعات الدولة التي يحملون جنسيتها.
نتيجة لعدم وجود معاهدة دولية أو معايير تنظم أوضاع المهجرين داخليًا؛ فإن المبادئ التوجيهية تبقى الأداة الأساسية لتنظيم أوضاعهم، وتوفير وسائل الحماية والمساعدة لهم بصفتهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وويلات الحروب والكوارث الطبيعية، ولعدم انتفاعهم بنظم الحماية الدولية المتوفرة للاجئين. وذلك يستدعي الاسترشاد بالمبادئ التوجيهية باعتبارها دليل عمل لمختلف السلطات والجماعات، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، للتعاطي مع حالات التهجير الداخلي، ومجابهة نتائجه، وذلك في ضوء استجابتها للمعايير المنصوص عليها في الاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني.

[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]