محمد


عروة المقداد

مخرج سوري له عدد من الأفلام، آخرها “300 ميل”.

بقلم عروة المقداد.

سيبدو العالم من الطابق الخامس في مدينة حرستا بعيداً وناءٍ. غرفتة الصغيرة بتخت ضيق وطاولة فوقها ثلاث رفوف خشبية عليها بضعة كتب عن البرمجة يفصلها عن مجموعة روايات بالأدب الروسي كتاب عن خطوات الشطرنج.  غرفة تنوء بالسلام الاعتيادي، تستطيع أن ترى من نافذتها خط الأفق الذي تقسمه تعرّجات جبل قاسيون والقصر الجمهوري بباطونه الموحش فتجعل من المدينة سجن كبير ومقفر. كما تستطيع مشاهدة البيوت الفقيرة المنحدرة نحو العشوائيات الهاجعة لبؤسها اليومي، لكن سؤال العدالة الذي كان يراود باسل خرطبيل الصفدي سيزجه في معركة تخاض في خفاء مرعب، معركة تتطلب ذكاءً عالياً والكثير من الدماء النازفة، حيث سيضيع فيها الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة. سرعان ما سيدلف العالم بحربه السرية إلى هذه الغرفة، وستتحوّل لليال كثيرة محفوفة بالقلق والأرق إلى مغارة في طبقات لا نهائية لهذه الحرب. طبقات ستتداخل ببعضها البعض لتشكل عالم معلومات موحش، من يمتلكها سيستطيع أن يسبق العدو بخطوتين! ثغرات .. التكنولوجيا في خدمة الثورة كانت المظاهرات تعبر أسفل منزل باسل، الذي كان يقيم فيه مع والده، الرجل الخمسيني ذو الثقافة العالية والملامح الطيبة الوادعة، حيث اعتاد على استقبالنا بقلق حميمي. ومن حرستا كان الطريق إلى مكتبه قرب المـؤسسة العامة للسينما أقصر من الطريق إلى القصر الرئاسي في حي المهاجرين، حيث تستطيع أن تشعر بعصب النظام الذي يربط المسافات المترامية لهذا العالم: دبيب المخبريين السريين المتخفّين في اعتيادية المدينة، الثكنات العسكرية والأفرع الأمنية التي تنشط في ساعات الليل المتاخرة حيث يتبعثر الضباط والعناصر والمخبرون في مداهمات مستمرة. ثم يجلسون في مكاتبهم لساعات طويلة يتأملون التقارير المتدفقة من البيوت والحواري والأزقة. يراقب الضباط بأقمصتهم الفضفاضة الأسماء والتواريخ والتحركات، يمهرون تقاريرهم بـ “سري للغاية”. تنتقل الصفحات المغلفة بظروف بين مئات المكاتب للاطلاع عليها وتحليلها. يتسمّر مئات العناصر وراء شاشات الكومبيوتر يستخدمون فلاتر لتقبض على كلمة أو تعليق أو خطة أو تحرّك بين المحادثات التي انفجرت على شبكات الأنترنت، حيث وجد النظام نفسه أمام معركة جديدة لم يعتد على خوضها.

كان باسل يدرك أنّ وسائل والأنترنت ستساهم في حماية الثورة من قمع النظام الوحشي الذي يسعى إلى وئدها، فالزمن  تغيّر ولم يعد النظام قادراً أن يخفي جريمته كما حدث في مجزرة حماة ١٩٨٢. كان باسل يعي أنّ ثمّة ثغرة قد حدثت في شكل النظام السائد من الممكن الاستفادة منها. هذه الثغرة التي سيستمر النظام عامان كاملان في محاولة فهمها ومن ثم استخدامها ضد الثورة. المعلومات المكدّسة عن أدق تفاصيل المجتمع السوري ساعدت النظام في ترهيبه لعقود طويلة. لكن هذه المعلومات التي جعلت من الإنسان في سورية معزول ومكشوف، بدأت تتغير منذ زمن بعيد، خلق خلالها جيل آخر استطاع أن ينفتح على بعضه البعض وعلى العالم مستفيداً من الأنترنت الذي كان باسل أحد المساهمين في إدخاله إلى سورية ونشره وتطويره. وراء كومبيتره في الطابق الثاني، من بناء يعود إلى ستينات القرن المنصرم في منطقة الروضة بغرف عالية وطلاء أبيض تفوح منه رائحة رطوبة آليفة، كان باسل يمضي ساعاتٍ عدة في التفكير بخلق شبكة آمنة لنقل المعلومات وتبادلها مستخدماً في ذلك كلّ قدراته في البرمجة. كانت الطريقة الأكثر انتشار في تداول المعلومات عند بداية الثورة هي صفحات الفيس بوك. ساهم باسل في التوعية لطريقة استخدام الأنترنت عن طريق محركات بحث خارج عن المراقبة كمحرك البحث ” TOR”، بالإضافة إلى طريقة إخفاء المعلومات على أجهزة الكومبيوتر وأجهزة الاتصال وتشفيرها، وأيضاً إلى الإرشاد لاستخدام برامج الاتصال الآمنة واستخدام “vpn” ولاحقاً تأمين أجهزة الاتصال والبث الفضائي. بالإضافة إلى عمله الأكثر خطورة أي القدرة على اختراق النظام والحصول على الكثير من المعلومات التي ساهمت في حماية العديد من الناشطين وتحركاتهم. بذل باسل أقصى طاقاته في تطويع التكنولوجيا والأنترنت للثورة، وجهد ليستطيع شباب الحراك السلمي الاستفادة من خبرته. لم يكن باسل وحيداً، كان ثمة المئات من الجنود المجهولين الذين كانوا يتمترسون وراء كومبيوتراتهم مستخدمين أسماء وهمية لينقلوا الثورة إلى طور آخر، عشرات الصفحات التي خلقت ومئات الشبكات التي بدأت تتشكل لتستطيع تناقل وتبادل المعلومات، لم يكن ثمة مكان واحد يجمعهم، ولم يكن لديهم رئيس يوّجههم، وكما كان للنظام قدرة على اختراق المجتمع بمختلف مستوياته استطاعوا أن يخترقوا النظام ويجدوا ثغرات فيه وليبتكروا طرق وخطوات تتيح نقل صورة الثورة المشرقة أمام وجه النظام الدموي. في الساحات والنشاط الميداني لم يكتفي باسل بعمله التقني ولم يلوذ بالفرار أو السفر أو الصمت على الرغم من الفرص الكثيرة المتاحة لديه كمطوّر للبرامج على مستوى عالمي، لديه مساهمات وابتكارات في محركات البحث العالمية، لكنه نشط فيها كمتظاهر ومصوّر، لم يتخلّف عن المظاهرات التي اندلعت  في حرستا، كما شهد الاعتصام الأول لمدينة دوما في ساعاته الأولى مع مجموعة كبيرة من طلاب جامعة دمشق ثم عاد إلى مكتبه ليرفع المقاطع التي صوّرها وينقلها لمختلف المحطات ووكالات الأنباء ومنظمات حقوق الإنسان. وفي ساعة متأخرة من الليل نهض من وراء كمبيوتره، وقال: “دعنا نحضر للمعتصمين علب بسكويت فهم بحاجة للسكر ليستطيعوا الاستمرار في الاعتصام حتى الصباح”.

توالت مشاركات باسل في مظاهرات دوما وحرستا وفي قلب العاصمة دمشق، ونشط في نقاشاتها التي كانت تدور حول شكل الدولة التي يحلم فيها المتظاهرون، ثم حوصر في إحدى المظاهرات حيث تعرّف على زوجته المحامية نورا غازي، ثم تحول مكتبه لخلية نحل يجتمع فيها أغلب شباب الحراك السلمي لمدينة دمشق وريفها. هناك ستوضع أول كاميرا سرية تصوّر المظاهرات “الطيارة” في قلب العاصمة، حيث قام باسل بصحبة الشهيد أمجد سيوفي بخياطة كاميرا “الزر” في جيب قميص أمجد الذي سيغدو المطلوب الأول لدى الأفرع الأمنية وسيطلق عليه عندهم “الرجل الزر”. ثم سنتلتقي بمحمود صبيح الذي صوّر الكثير من مظاهرات درعا وأوصل  العديد من مقاطع الفيديو التي وثقت  المجازر اليومية هناك، ثم سنتعرف على جمال العمر وهند مجلي والشهيد إبراهيم وعاصم ووفا وعمر وميلاد وراوية والكثير من الناشطين من مختلف الأطياف والانتماءات، وستنطلق من المكتب الكثير من الحملات السلمية في شوارع العاصمة دمشق. ثم ستتسع الشبكة لتطال كل من دمشق وريفها ودرعا، ومن ثم سيتواصل مع ناشطي حمص ويسافر إلى هناك ليوصل أجهزة اتصال حديثة وكاميرات بدقة عالية، وسيستطيع إدخال أول جهاز بث فضائي “بيجان” إلى سورية وسينقل مظاهرات حرستا ودوما في بث مباشر تظهر فيه تفاصيلها بدقة عالية. أخلاق الثورة  وأثناء عمله كموثق لجرائم النظام، كان حريصاً على دقة المعلومات التي تصله عن المجازر والضحايا والمعتقلين. وكان باسل الهادئ بارد الأعصاب يستشيط غضباً عندما تظهر أخبار ملفقة أو مبالغ فيها حول الضحايا أو الاعتقالات، وكان يقول: “ماذا نختلف عن النظام إن زيّفنا الحقائق. سسنخسر سلاحنا الوحيد كثوار إن خسرنا مصداقيتنا؟”.   استطاع باسل النجاة من عشرات الكمائن التي كانت تنصب له، وفي كثير من الأحيان، كنت أقول له بسخرية: “أنت متأثر بالمناضلين الفلسطينيين”، وكان يجيبني “معركتنا استمرار لمعركتهم لكن لا يجب أن نقع بأخطائهم”.  كان يجيد الاختباء والتخفّي والمراوغة والإقناع ليغدو شبحاً يطوف في أنحاء المدينة، تترصده الأفرع الأمنية دون أن تستطع تحديد طبيعة عمله بالضبط، وما يقوم به رغم تواجده على بعد عدة أمتار من هذه الأفرع. كان باسل شديد القلق على جميع أصدقائه وتحركاتهم ومشاركاتهم في المظاهرات،  لكنه لم يكن أقل شجاعة منهم ولم يكتفي بكل ما كان يفعله. واجه الرصاص في المظاهرات وقام برمي الحجارة على الأمن في العديد من المظاهرات التي حوصرنا فيها. وثّق أول عملية انشقاق في حرستا عندما رفض أربعة عناصر إطلاق النار، فقتل ثلاث منهم ونجا الرابع. أسعف الجرحى عندما ألقت قوات الأمن قنبلة مسمارية أودت بحياة العشرات. تسلّل إلى حرستا عندما حاصرتها الفرقة الرابعة ليستطيع الوصول إلى والده العالق هناك وليستطيع إجراء بث فضائي أثناء الاقتحام، ولم يتوقف عن متابعة على سطح منزله عندما كانت ثلاث وحدات عسكرية تداهم المباني المحيطة في المنزل، والتي كان يفصلها عنه عدّة أمتار. المثابرة رغم اليأس كان يحب المسير في شوارع دمشق منتصف الليل، كنا نخرج من مكتبه عند الساعة الثالثة لنسير في طرقات الشعلان وأبو رمانة والحمرا، وكان قد أصيب بالإحباط من تعقد مسار الثورة، كانت الانشقاقات تتوالى والعمل العسكري يزداد، وكان يشعر أن النظام يجرّنا إلى معركة هو المنتصر فيها، وكان دائم التفكير في المعتقلين، وفي كثير من الأحيان كان يتساءل عن شعورهم عند الخروج من المعتقل ليروا كم التعقيد الحاصل في الثورة، وبدا يشعر بالخيبة من موقف الدول الأجنبية وكان على يقين أن أحدا ما لن يتدخل لمساعدة الثورة.

بالرغم من ذلك لم يتوقف عن عمله الذي كان يزداد خطورة، كانت لديه رغبة في صناعة أفلام عن الثورة وكنا قد بدأنا بالإعداد لفيلم يتحدث عن بدايات الثورة ومراحل تطورها. كانت لديه الكثير من الأحلام التي اعتاد أن يقصّها لي أثناء مسيرنا في الطرقات. ذات مرة وفيما كنا نسير في حي الشعلان وهو يشير لي بطرف عينيه نحو سبطانة القناص المتمركز فوق أحد الأبنية، قلت له: – أريد كتابة رواية عنك.  ابتسم كعادته ثم شرد قليلاً ثم عاد والتفت إليّ وقال: – كيف ستنتهي؟ – تجلس في زنزانة وحيد وأنت تفكر في شيء ما ثم تبتسم لفكرة تراودك.. رغم اعتقالك لكنك استطعت التغلب عليهم.  ضحك حينها وقال: -هذه نهاية درامية لفيلم هوليودي. يوماً بعد يوم كانت الهالة السوداء تتسع تحت عيني باسل، لم يكن يعرف النوم طريقاً لجفنيه المثقلين بآلاف الآفكار المصحوبة بالقلق والخوف. في الساعات المتأخرة من الليالي الممتدة حتى نهاية ٢٠١٢، كنا نجلس في مطبخ مكتبه الذي نام فيها العديد من الناشطين قرب بعضهم البعض كأنهم في منزل كبير يتسع لكل من يريد العمل أو التخفي هرباً من ، نتحدث عن النظام وطريقة تفكيره. كان يدرك أن النظام ليس غبياً كما كنا نصفه ورغم سخريته المستمرة لطريقة عمل النظام إلا أنه وفي ساعات الليل المتاخر كان يصف لي براعة النظام في تعامله مع الثورة، كان يدرك أنّ النظام حائر أمام المظاهرات وسلميتها، ولكنه كان يدرك أنّ لديه الكثير من الأوراق ليلعب بها، وأنّ التطورات اللاحقة التي سنشهدها كانت جزءاً من مخاوفه، ولعل أخطر ما في باسل على النظام أنه كان يستطيع أن يفكر مثلما يفكر، وأنه كان يستطيع أن يرى بالطريقة التي كان يرى فيها النظام. كان باسل يحاول في كل ما يقوم به أن يسبق النظام بخطوتين.

(الصورة الرئيسية: ملصق يطالب بالحرية لباسل الصفدي. المصدر: صفحة الفعالية المطالبة بالحرية لباسل الصفدي على انستغرام، والصورة تنشر ضمن سياسة الاستخدام العادل واالحقوق محفوظة لأصحابها)