الاستبداد كعلاقة نفعية متبادلة بين السلطة والمجتمع


منير شحود

شرقنا العاطفي، والمريض عاطفيًا، ما زال يبث مفاهيمه القاصرة ليغلف بها مجالات الحياة كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. إلخ، وليعطيها ذلك الطابع الطفولي، بوصفه انعكاسًا لحالة لا نضج اجتماعية، وذلك بدءًا من التعاويذ التي يكتبها الملوّعون والمحرومون على عربات النقل خاصتهم، مرورًا بعبارات الشكر التي تزين عتبات البيوت لطمس آليات عمل اقتصادية وجهود بشرية يكتنفها عادةً كمّ كبير من الاستغلال، وصولًا إلى السياسة بوصفها احتضانًا وتبنيًا وعطاءً. إنه ذلك الخليط الأبوي-الأمومي الذي يبث ثقافة غابرة لا تسمح بالنضج والانطلاق، سواء على نحوٍ جماعي أو فردي، ويتم استهلاكها وإعادة إنتاجها وإحكام إغلاق دائرتها، جيلًا بعد جيل.

عندما تعيد سلطة سياسية -ميكيافيليًا- إنتاج وتسويق مفاهيم البنى الاجتماعية المتخلفة، بما يلائم استمرارها، تكون سلطة مستبدة بالضرورة؛ لأنها تقوم على تكثيف المفهوم الأبوي السائد اجتماعيًا وتجريده في شخصية “الأب القائد”، لينال الاحترام والقدسية، ويصبح مقبولًا اجتماعيًا بصفته رمزًا مهابًا، مثلما تقوم أيضًا بتجريد الدور الاجتماعي الأمومي سياسيًا إلى مفهوم وطن مفترض، يحتضن أبناءه كأم رؤوم!

انطلاقًا من ذلك، يصبح الخروج على سياسة الحاكم وسلطته بمثابة خروج على سلطة الأب في الأسرة، نواة المجتمع، ويستلزم العقاب، إلى أن يتوب الابن المتمرد ويعود إلى رشده، كما يصبح النضج والتصرف باستقلالية ضربًا من العقوق وخيانة للرمز المتجرّد عن حضن الأم؛ أي الوطن، ما يجعل من السهل إطلاق تهمة الخيانة، فيما المفهوم القانوني للخيانة ما يزال غائبًا أو جنينيًا في هذه المرحلة.

لذا، فإنّ ممارسة السياسة في هذه الظروف ليست سوى الامتثال إلى طاعة ثنائية الأب-الأم، وقد أضحت على مستوى البنية الفوقية ثنائية القائد-الوطن. من هنا جاءت فكرة العودة إلى “حضن الوطن” كمفهوم سياسي من مندرجات البنية الفوقية الاستبدادية، وعلى التائبين أن “يبوسوا الأيادي” لقبولهم من جديد كرعايا لا يتسببون بالمشكلات والعبث في ثنائية الرمز المذكورة أعلاه. في هذا المستوى، تصبح معادلة القائد-الوطن متوازنة، وما يحصل لأحد طرفيها سينعكس على الطرف الآخر، زيادةً أو نقصانًا، سلبًا أو إيجابًا.

ليس بعيدًا عن الثنائية السابقة، أن يعتبر المستبد عريسَ العرسان والوطن عروسته، وقد جسدا، باقترانهما الأبدي، وحدةَ الشعب الذي يتوجب عليه تمجيد الرمزين والتصفيق لديمومتهما، في كل مناسبة عامة أو خاصة، فحتى العاطفي الخاص العابر يجب أن يذوب في العاطفي العام، ولعريس الوطن “في كل عرس قرص”، حيث يتمجّد اسمه على وقع أغاني مبتذلة الكلمات والألحان، لتناسب فقر المرحلة.

في هذا الإطار، لا يتقاطع رجل الدين مع السياسي الشرقي المستبد وحسب، إنما يؤازره بقوة، من خلال رمزية الأب الذكورية الساطعة، وذلك على حساب الدور الأمومي المهزوم تاريخيًا من قبل الذكورة، فلا ينظر إلى هذا الدور إلا كنتاج لمرحلة تاريخية سابقة تم تجاوزها، مع ذلك، تتم الاستفادة منه كدور مكمل في حبك نسيج وطني متوهم، تُمارس فيه طقوس العبودية باسم السياسة.

كما تتوازن السلطة المستبدة عن طريق التحكم المضبوط بالمجتمع، وعلى النحو الذي يخدمها، من دون أن يغير ذلك من طبيعة علاقاته التي هي ركيزة وجودها. وباعتبار المجتمع متغيرًا بالضرورة، بحكم تغير فعاليات الحياة ذاتها، تعمل هذه السلطة، من وقت لآخر، على تفتيت المكونات الاجتماعية وإعادة لصقها لتحديث ما هو قائم، مع أن ذلك يستهلك طاقة هائلة توفرها غالبًا الأجهزة الأمنية، متحولة الاختصاصات والمهمات، وبما يضمن تجديد البنى التمثيلية المفبركة والمؤسسات الشكلية التي تعدّ الحديقة الخلفية للسلطة، والمكان الذي تمارس فيه سياساتها التمويهية.

السلطة المستبدة الشرقية مستمدة -تبعًا للفرضية أعلاه- من العلاقات الاجتماعية غير الناضجة. وبدورها، تحرص على بقاء هذه العلاقات وإعادة إنتاجها، ما يستلزم قطع حبل السرة بينها وبين المجتمع، عند قيام أي علاقة سياسية جديدة تتجاوز قاعدة الرمزين الأبوي والأمومي اللذين يمدان هذه السلطة بمفاهيم استمرارها، وذلك من خلال انغلاق دائرة التغذية (من المجتمع إلى السلطة المستبدة) والتغذية الراجعة (من السلطة المستبدة إلى المجتمع). مع ذلك، ثمة حالات من الفشل الدوري لا بد حاصلة في دائرة هذه العلاقة؛ ما يولّد حالات انفجارية تستتبعها عادةً إعادة التوازن من جيد، بما في ذلك تكسير صورة رموز البنية الفوقية لوضع صور أخرى مكانها، من خلال آلية إنتاج الرموز ذاتها. في هذه البيئة الاجتماعية السياسية يصعب نمو البراعم السياسية الديمقراطية، ويتم سحقها المرة تلو المرة، طالما “الإخوة الأعداء” يعملون من خلال آلية إنتاج الاستبداد عينها.

لا تقوم الدولة الحديثة في بلداننا، من دون فصل البنية القانونية الموضوعية عن القاعدة الاجتماعية الدينية-الثقافية، وبذلك تصبح السلطة ديكورًا متحولًا لهيكل الدولة الثابت، لا كماشة تضغط على الدولة، بحيث يصعب فصم عرى العلاقة بينهما، ما يقود على تحطمهما أو تحطيمهما معًا في الأزمات. كما يتمثل البديل المفترض في إعادة تشكيل علاقة ناضجة بين السلطة والمجتمع، تقوم على التمثيل السياسي من خلال برامج الأحزاب المعبرة عن مصلحة شريحة أو شرائح اجتماعية محددة، إلى جانب مجتمع مدني نامٍ ومقونن؛ ليوازن سلطة المجتمع الأهلي المرتكزة على العادات والأعراف، وذلك بهدف التجاوز المتدرّج للبنية الاجتماعية الرافدة للصيغ السياسية المستبدة في الحكم، وهذا ما بدأنا نتلمس أهميته، ونحاول تعلمه في السنوات الأخيرة.




المصدر