قضايا الضجة والصخب… عن تعافي “دولة الأسد”


علاء كيلاني

في خلفية إقالة مدير مطار دمشق الدولي، وإنهاء عقد استثمار الشركة الخاصة التي تتولى تقديم الخدمات فيه؛ تذكر وكالة أنباء النظام (سانا) أن ما حدث “جاء بناء على شكوى شفهية من إحدى القادمات، أعربت فيها عن تذمرها من سوء الخدمة”؛ ما ينم عن وجود تفاصيل أخرى، لم يجر الإعلان عنها.

كان القطاع الخدمي في سورية، على الدوام، يخضع في شؤونه لمزاجية السلطة، وينشط بطريقة جبرية تمثل مصالح طائفية وفئوية وفردية، كثيرًا ما خرجت عن خطط الدولة واحتياجات مواطنيها. وبخلاف أجندة الحكم الصالح التي تدعو إلى إعادة صياغة وتشكيل المؤسسات الحكومية، بما ينسجم وشروط عملية النمو؛ تحول مطار دمشق، في فترة حكم الأسد الأب وعهد الابن الوريث، من مؤسسة حكومية يفترض أن تحمل علامة خدمية فارقة، إلى مؤسسة فاشلة، تتحكم فيها الرئاسة وأجهزة المخابرات.

اليوم يُفَسر التغيير الذي طرأ -كما العادة- تبعًا لتطورات المشهد العام؛ فمن الواضح أن مصلحة الأسد، بعد ضخ الحياة لمعرض دمشق الدولي في أعقاب توقف دام ست سنوات، تتطلب وجودَ صورة مغايرة للمطار، تليق بصورة “القائد” الذي انتصر –كما يدعي- في حربه على الإرهاب، وبصورة العاصمة الآمنة المحصنة بجدار من الحرس الجمهوري، لحماية النظام وضيوفه، وممثلي دول داعمة له، تشارك بعض مؤسساتها الصناعية والتجارية ضمن فاعلياته.

في إشارة ذات مدلول، يسعى الأسد إلى أن يستبدل الصورة النمطية التي شكّلها العالم عنه في سنوات الصراع، وما قبلها، كديكتاتور وقاتل محترف، ومجرم حرب يذبح شعبه بدم بارد، بصورة أخرى، يؤكد عبرها أن سورية التي يحكمها بقبضة فولاذية، هي غير سورية التي تخضع لسلطة الإرهاب، منبع الفوضى التي تقلق الغرب. وأفضل دليل للمقارنة، ذلك “الاستقرار والأمان والتحضر” الذي تعيشه دمشق، والمدن التي تخضع لسيطرة قواته، بخلاف غيرها.

من حيث الشكل، لا تبدو المغالاة في جودة الصورة مفيدة، بالنسبة إلى المجتمع الدولي؛ ففي وقت سابق من عام 2017، وصفت كارلا ديل بونتي الأسدَ بأنه “على رأس قائمة المجرمين”. وقالت بونتي، عضو لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سورية: “ما رأيناه هنا في سورية لم أره قط في رواندا، ولا في يوغوسلافيا السابقة في البلقان، إنها حقًا مأساة كبيرة. ينبغي تقديم الرئيس السوري بشار الأسد للعدالة حتى إن ظل بالسلطة، وفقًا لتسوية سلمية”.

أما من حيث مقياس الربح والخسارة، فإن عمليات التجميل الجارية على نطاق واسع، مع ما تنطوي عليه من دعائية مفرطة، شملت حتى تفاهمات مناطق خفض العنف، لن تغير من قتامة المشهد العام والاقتصادي بالذات، وليس بمقدور الطائرات التي وفرتها شركة (فلاي داماس) لنقل الشخصيات المشاركة في المعرض، استقلاب الصورة كما يشتهي رئيس اتحاد المصدرين السوريين رئيس اللجنة المنظمة محمد السواح، ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق محمد حمشو، وقد بذل الرجلان جهودًا شخصية كبيرة، مدعومة من الأسد نفسه، لعودة انعقاد دورة المعرض التاسعة والخمسين. وإنجاحها، بطريقة مسرحية تشبه صناعة الكوميديا.

تصدرت أخبار المعرض التجارية، وفاعلياته الفنية الراقصة، الصفحات الأولى لصحف النظام الثلاث؛ لقد تعاملت مع الحدث بطريقة أشبه بالغريق الذي تنفس الصعداء، عندما وجَدَ قشّةً تطفو على سطح الماء.

كان من اللافت في بلدٍ حطمته الحرب، أن ترى (سانا) في دورة المعرض الراهنة، مثلما ذهبت صحف (تشرين) و(البعث) و(الثورة)، رسالةً عن “بدء التعافي الاقتصادي، وعودة الأنشطة الثقافية والفنية والاجتماعية إلى الأراضي السورية، بعد الانتصارات المتتالية للجيش العربي السوري، وعودة الأمن والاستقرار إلى العديد من المناطق”!

مع أن الإسهاب في الحديث عن هذا التعافي المخادع تَضَمّن إشارات مماثلة حول نمو متوقع، ومشروعات صناعية قادمة، ودورة إنتاج جديدة، وانفتاح أكبر على بعض الدول الصديقة؛ إلا أنه أغفل عرض أي قرائن من شأنها أن تدعم ما تمت الإشارة إليه، وتعزز ادعاءات نظامٍ فشل حتى الآن، ليس في الحد من التضخم، وظاهرة ارتفاع الأسعار، وإعادة قيمة الليرة إلى وضعها الطبيعي فحسب، بل في تأمين رغيف خبز ناضج نظيف، لقطاعات واسعة من الشعب.

يبدو -كما تدل الوقائع- أن الأسد الذي قاتل ويقاتل من أجل السلطة، مكبدًا البلد فاتورة باهظة التكاليف، لم يعد معنيًا بأوضاع الذين فروا من جحيم حربه المأسوية، ولا بالوضع المعيشي المتردي لمن تبقى، بمن فيهم من هم تحت سلطته، بقدر ما يعنيه أن يسوّق صورة جميلة مفبركة له، تقنع العالم بإبقاء نظامه المتهالك، وبأهمية استمراره، كبديل وحيد مقابل الفوضى السائدة فوق أراضيه.

إنّ تجاهل عواقب إصراره على التمسك بكرسي الحكم لا يحجب رؤية الحقائق التي تهيمن على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المدن بشكل واقعي؛ فالحرب الشاملة المدمرة التي يخوضها لم تقوض أسباب الحياة فقط، بل دمرت على صعيد الاقتصاد -وفق تقارير البنك الدولي– عوامل الإنتاج، وخفّضت بشدة عمليات التواصل الاقتصادي، وحدّت من حوافز متابعة الأنشطة الإنتاجية، وحطمت الشبكات الاقتصادية والاجتماعية، كما دمرت الأصول الملموسة وغير الملموسة، وتركت ندوبًا عميقة في النسيج الاجتماعي للبلد، وثقافته، وذاكرته الجماعية.

قد تَصلُح تحسينات المطار، ودورة معرض دمشق الجديدة، وحلقات الرقص في الساحات، مادةً دعائية تُجمّل صورة نظام يعيش رمقه الأخير، لكنها -بكل تأكيد- غير قادرة على أن تصلح ما أفسدته سنوات الحرب، أو تصحح مسار اقتصاد منهك. وإذا كان الأسد يراهن على الزمن؛ فمن المعروف أنّ أمد الصراع كلما طال، تعمقت الكراهية، وازدادت المظالم والانقسامات عمقًا؛ ما يجعل التعافي الذي يجري الحديث عنه أمرًا صعبًا للغاية، وفي أحسن الأحوال، أمرًا بعيد المنال على المدى المنظور.




المصدر