لست أرهابية


هنادي الخطيب

من غير الضروري أن أكون إرهابية، يكفي أن أبدو “إرهابية” لتُعقد المحكمة، ويتم اتهامي ويصدر الحكم، وأن أبدو إرهابية يعني أن أكون “سورية”، سورية الجنسية، سورية جواز السفر، سورية اللهجة، سورية معارضة لنظام بشار الأسد.
لا يمكنني -بصفتي مواطنة سورية- أن ألوم المدعية العامة السابقة المتخصصة في جرائم الحرب كارلا ديل بونتي على عبارة “في البداية كان هناك الخير والشرّ، فكانت المعارضة من جهة الخير، ونظام الأسد يلعب دور الشرّ، لكن الآن جميع الأطراف في سورية تصطف في جهة الشرّ؛ إذ إن نظام الأسد ارتكب جرائم فظيعة ضد الإنسانية واستخدم أسلحة كيماوية، أما المعارضة فلم تعد تضم إلا المتطرفين والإرهابيين”.
بونتي التي تقدمت باستقالتها من لجنة التحقيق حول سورية التابعة إلى الأمم المتحدة قالت “أنا محبطة، استسلمت”، وبونتي التي اتهمت أعضاء مجلس الأمن بـ “عدم الرغبة في تحقيق العدالة”، وعزت إحباطها ويأسها إلى العجز، إذ قالت: “لا يمكنني أن أبقى في لجنة لا تفعل شيئًا”، اختصرت الوضع السوري بكل تفاصيله المتداخلة، وآلامه، وحقيقة ما يحدث. أنا -المواطنة السورية- لا يمكنني لومها على ترك عملها في اللجنة التي لم يسمح لها بشار الأسد بدخول الأراضي السورية، بل يجب علي أن أشكرها لصدقها، في الوقت الذي لم يصدق أحد في العالم مع الشعب السوري.
مرة ثانية أقول، من غير الضروري أن أكون إرهابية، يكفي أن أبدو “إرهابية” لتُعقد المحكمة، ويتم اتهامي ويصدر الحكم، وأنا اليوم إرهابية بنظر العالم وبنظر لجنة التحقيق، وبنظر بونتي نفسها “التي كانت صادقة مع نفسها ومع السوريين ومع عملها”، فمن يستطيع اليوم أن يلوم بونتي على اعتبارها أن المعارضة اليوم لا تضم سوى الإرهابيين والمتطرفين؟ لا أحد.
هل يمكن لأي معارض سياسي، تبوأ مناصب سياسية وقبض راتبًا شهريًا من دول داعمة، وجلس على كرسي ائتلاف فاشل سنوات من الثورة، هل يمكن لأي معارض من هؤلاء أن يلفت نظر السيدة بونتي إلى أنه موجود، وأنه غير متطرف؟ لا.
هل يمكن للائتلاف ولهيئة التفاوض “اللاشرعيين بنظر السوريين اليوم”، هل يمكن لأعضاء هذين الهيكلين، أن يلتقوا بالسيدة بونتي ليشرحوا لها معاناة أم سورية واحدة، أو زوجة سورية واحدة، عمران واحد، إيلان واحد، شاب سوري واحد بلا جواز سفر، فتاة سورية واحدة تم اغتصابها؟ لا.
هل يجرؤ أي قائد فصيل “معارض” أن يرد على كلام السيدة بونتي، وهل يوجد فصيل واحد اليوم، على الأرض السورية، لم يرتش ولم يأخذ أوامره من الدول الداعمة، ولم يقتل ولم “يُشبّح”؟ هل ثمة قائد واحد لا يحمل في رقبته وزر خذلان مئات الآلاف من السوريين؟ هل من فصيل سوري مقاتل معارض كان وفيًا لدم أهل مدينته؟ لا.
مرة ثالثة أقول، من غير الضروري أن أكون إرهابية، يكفي أن أبدو “إرهابية” لتُعقد المحكمة، ويتم اتهامي ويصدر الحكم.
لكني أريد -كأي سوري معارض ورافض لنظام بشار- أن ألوم وأن أصيح: أنا لست الإرهابية، أنا عشرون مليون إنسان، باشر نظام بشار بذبحهم، لأنهم طلبوا بعض الحرية والكرامة، فقدّمت له حكومات إيران وروسيا البراميل والصواريخ؛ وقفزت على ثورتي حكومات بقية الدول، يريدون ضمان أن أكون “موالية” لكن لهم، وأن يكون دم السوريين رسالة سياسية لخصومهم، كلما “زعلوا” من بعض، حرّكوا قائد فصيل مسلح، ودفعوا معارضًا مشهورًا يتكلم؛ كل هذا، والإدراة الأميركية تلعب بين الجميع، تارة تبارك لنا المجلس الوطني، ثم بعد ساعات تقلبه إلى ائتلاف، وخلال هذا وذاك تغازل إيران، ثم تصرخ في روسيا، وتعبس في وجه إيران، ثم تلوم، وبعد ساعة ترقص.
أنا -السورية- لأني لست مفصولة عن الواقع، أفهم مصالح هذه الدول وصراعها، وحاجتها إلى ساحة حرب بعيدة عن أراضيها، فكانت سورية؛ لكن ما لم يمكن قبوله أن تجلس شخصيات ملأت الإعلام من سبع سنين، معارضة أو مُكبّرة، باسم الثورة والوطن أو باسم الإسلام، يساومون باسمي على طاولات القمار بين الدول. أن يتاجروا باسم وطني سورية، وباسم أحد أديان أهلي الإسلام، وتحت رايات سوداء، تحمل اسمًا سنيًا أو شيعيًا. أنتم من مكّن الدول من أن تسترخص دمنا وألمنا.
وهذه الحكومات الفاجرة التي باتت تعلق يافطة على سفاراتها ومطاعمها: احذروا السوريين! مع أن من بين كل العمليات الإرهابية، على مدار عشرين سنة ماضية، نادرًا ما جاء اسم سوري.
أنا اليوم مواطنة سورية ضد نظام بشار الأسد، نسيتُ -في غمرة اتهامات العالم لي بالإرهاب- حقديَ على بشار الأسد، عندما خذلني كل من تكلم باسمي وقتل باسمي وحمل السلاح باسمي، وطأطأ رأسه لكل الدول باسمي، وباعني واشتراني تحت يافطة تحمل اسمي، وأصبحت أبدو إرهابية، لمجرد أنني سورية.
أيها العالم، لا تعلقوا مشنقتي كإنسانة، اختلفتم على كل شيء، واتفقتم فقط على أني كسورية إرهابية، أيها العالم أنا لست إرهابية.




المصدر