مع توقف معظم القتال بين قوات النظام السوري والمعارضة، نتيجة اتفاقات وقف التي تمت برعاية دولية، وعلى الرغم من خروقات النظام المتكررة لها، تتركز المعارك في سوريا حالياً في وسط البلاد وشرقها، ويبدو كأنها تدور أساساً ضد المدنيين أكثر مما هي ضد تنظيم “داعش” الذي لا يزال يقاوم هجمات القوات الكردية في مدينة . كما تمكن من شن هجمات معاكسة ضد قوات النظام في الجنوب الشرقي للمدينة واستعاد مناطق كان فقدها هناك. وفيما تواصل قوات النظام جهودها لإنهاء سيطرة “داعش” في مناطق شرق حماة حيث أطبقت الحصار على مواقعه، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” عزمها على مهاجمة مناطق سيطرة التنظيم في محافظة دير الزور قريباً.

أنباء غير سارّة

 وإذا كانت التطورات الميدانية لا تبشر بعد بقرب موعد القضاء على “داعش” في الرقة، إلا أنها تستمر في حمل أنباء غير سارة للسكان المدنيين الذين تتعاظم معاناتهم جراء القصف ونقص الغذاء والخدمات، وهو الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من استمرار محنة المدنيين.

وطالبت الأمم المتحدة بهدنة إنسانية لتأمين خروج المدنيين المحاصرين داخل مدينة الرقة، الواقعين بين نيران الأطراف المتقاتلة. ودعت “التحالف الدولي” الذي تقوده الولايات المتحدة إلى حصر ضرباته الجوية التي تتسبب بسقوط ضحايا مدنيين. وقال مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا، يان إيغلاند، للصحافيين في جنيف، إنه لا ينبغي مهاجمة المراكب في نهر الفرات، وتعريض الفارين لغارات جوية لدى خروجهم.

وكانت “منظمة العفو الدولية” حذرت بدورها من أن المدنيين في الرقة معرضون لأخطار كبيرة، مشيرةً إلى مقتل المئات منهم جراء الحملة العسكرية الحالية في المدينة والمدعومة من “التحالف الدولي”. ودعا تقرير للمنظمة كل أطراف الصراع إلى اتخاذ “الإجراءات الاحترازية الفعالة للحد من إلحاق الأذى بالمدنيين بما في ذلك الكف عن استخدام الأسلحة المتفجرة التي تترك أثراً كبيراً في المناطق المأهولة بالسكان إلى جانب وقف الهجمات غير المتناسبة ومن دون تمييز”. وأكد التقرير أن تنظيم “داعش” يستخدم المدنيين داخل مدينة الرقة كدروع بشرية، ويستهدف من يحاولون الفرار بالقناصة والألغام. وشككت المنظمة بتقارير “التحالف” عن الخسائر في صفوف المدنيين، والتي قدّرتها منظمات حقوقية بين 700 إلى 1000  قتيل مدني منذ بدء المعارك في المدينة. وحول الحملة التي تشنها قوات النظام السوري والمليشيات الموالية لها بدعم جوي روسي ضد “داعش” في ريف الرقة الجنوبي، تحدثت “العفو الدولية” عن استهدف مخيم للنازحين، واستخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً في الهجمات، داعيةً إلى زيادة المساعدات للمدنيين الفارين من الرقة.

وميدانيا، شنّت مقاتلات التحالف الدولي مئات الغارات الجوية على مدينة الرقة في الأيام الاخيرة  موقعة عشرات المدنيين، اضافة الى تدمير المشفى الوحيد في المدينة.

حملات متتالية

ولا تقتصر معاناة المدنيين على سكان الرقة، بل إن المقيمين في مناطق شرق حماة ينالون قسطهم من القصف والغارات الجوية. وقد قتل العديد من الأشخاص وجرح العشرات، بينهم أطفال ونساء، جراء غارات جوية روسية وسورية مستمرة على المنطقة وذلك بعد أن فرضت قوات النظام في الآونة الأخيرة حصاراً خانقاً على عقيربات، شرق حماة، والتي يوجد فيها ما يقارب 15 ألف نسمة، وفق تقديرات محلية، إضافة إلى آلاف آخرين في محيطها.

ويأتي الحصار الذي تشارك فيه مجموعات تابعة لـ “درع القلمون” و”صقور الصحراء” وغيرها من الميليشيات الإيرانية بالتزامن مع اشتداد المعارك بين تنظيم “داعش” وقوات النظام، ما تسبب بخروج الأهالي من عدة بلدات وتجمعهم في مناطق محددة في ظل قصف بري وجوي مكثف.

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن  قوات النظام السوري بقيادة سهيل الحسن، تتقدم نحو مدينة دير الزور لفك الحصار عن المدينة، وذلك بعد سيطرة قوات النظام مدعومة بميليشيات أجنبية على مساحات واسعة في ريف حمص الشرقي، ووصلها مدينة السخنة بحقل الشاعر النفطي وسط انهيار في صفوف “داعش”.

وقد سيطرت قوات النظام على مواقع لتنظيم “داعش” في ريف حمص الشمالي الشرقي، ما أدى لمحاصرة التنظيم في منطقة تبلغ مساحتها ألفي كلم مربع، وذلك بعد أن تقدمت من ريف الرقة الجنوبي وسيطرت على جبل الضاحك وخربة الطلاع ووادي أبو قلة، مما أتاح لهم الالتقاء بالقوات الأخرى الموجودة في شمال مدينة السخنة شرق حمص. كما سيطر النظام على بلدة جنى العلباوي والتلال المحيطة بها في ريف حماه الشرقي. وكانت قوات النظام سيطرت مطلع الشهر الجاري على مدينة السخنة في ريف تدمر الشمالي الشرقي، في إطار حملتها الرامية للوصول لمدينة دير الزور شرق البلاد.

من جهته، استعاد تنظيم “داعش” السيطرة على العديد من القرى جنوب شرق الرقة مثل: البوحمد، زور شمر، غانم العلي، العطشانة، الحويجة، المقلة، وذلك تزامناً مع انسحاب عناصر النظام من المنطقة الواصلة بين بلدة السبخة ومدينة معدان.

في غضون ذلك، قال مسؤول من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تهيمن عليها الميليشيات الكردية إن القوات ستبدأ هجوماً لطرد تنظيم “داعش” من محافظة دير الزور قريباً جداً. وقال أحمد أبو خولة رئيس المجلس العسكري بدير الزور والذي يحارب ضمن “قسد” إن الهجوم ربما يبدأ خلال عدة أسابيع بالتزامن مع معركة مدينة الرقة.

وفي شأن متصل بمعركة دير الزور، أعلنت سبع كتائب من قوات النخبة التابعة لتيار الغد السوري الذي يرأسه أحمد الجربا  انشقاقها وانضمامها إلى قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في ريف دير الزور، بدعوى أن فصائل الجيش الحر انحرفت عن أهداف الشعب السوري.

هدنة “واعدة”!

وفي جنوب البلاد، ورغم الخروقات المتكررة من جانب قوات النظام للهدنة في محافظة درعا، إلا أن هذه الهدنة تبدو “واعدة” على الأقل من وجهة نظر روسيا؛ الراعي الرئيسي لها، إضافة إلى الأردن الراعي الثاني على الطرف الآخر من الحدود، خاصة لجهة إمكانية إرساء الأساس لإعادة فتح المعابر بين البلدين، وايجاد نوع من “التعايش” بين النظام والمعارضة في المنطقة على أساس الأمر الواقع.

وفي هذا الإطار، أعلنت قاعدة حميميم الروسية أن اجتماعاً جرى في القاعدة بين المعارضة في درعا والنظام لبحث مسألة “المصالحة”، مشيرة الى أنه اللقاء الأول من نوعه منذ اندلاع “الأزمة” قبل ست سنوات.

من جهته، أعلن محافظ درعا من جانب النظام، خالد حانوس، أن “مباحثات المصالحة شارك فيها عدد كبير من أصحاب النفوذ بين صفوف المسلحين والذين يحظون بسمعة طيبة لديهم”.

وكانت روسيا نشرت في الجنوب السوري نقاط تفتيش ومراكز مراقبة، لمراقبة تطبيق نظام وقف إطلاق النار هناك.

في غضون ذلك، قالت مصادر محلية في محافظة درعا أن اجتماعاً عقد مساء السبت الماضي في جمرك نصيب بين محافظ درعا الحرة وبعض قادة الفصائل حول إمكانية إعادة فتح معبر نصيب الحدودي، لكنه لم يسفر عن اتخاذ قرار حاسم في هذا الصدد.

وتضيف المصادر أن ضغوطاً بدأت توجه إلى قادة الفصائل والفاعليات في درعا من أجل الموافقة على إعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن والذي تسيطر عليه “غرفة عمليات البنيان المرصوص”، مشيرة إلى أن الفصائل المكونة للغرفة لا تدين كلها بالولاء للأردن وغرفة “الموك” هناك، ما يجعل الأردن يركز ضغوطه على بعض الفصائل والتي تضغط بدورها على الفصائل الأخرى من أجل إبداء المرونة بشأن السيطرة على المعبر، وإمكانية إعادة فتحه بمشاركة سلطات النظام السوري التي كانت اشترطت رفع علم النظام على المعبر، الأمر الذي رفضته فصائل المعارضة.

وكان مسؤولون أردنيون صرحوا في الأيام الأخيرة أن علاقة عمان مع نظام بشار الأسد “مرشحة لأن تأخذ منحى إيجابياً”، وأن الظروف في جنوب سوريا تؤسس لفتح المعابر بين البلدين.

ميدانياً، تسعى قوات النظام الى استكمال سيطرتها على كامل الحدود مع الأردن. وفي هذا الإطار سيطرت على عدة نقاط قرب الحدود بعد اشتباكات مع فصائل المعارضة.

وقال الإعلام الحربي المركزي التابع لميليشيا “حزب الله” اللبناني إن قوات النظام وحلفاءه سيطروا على منطقة غدير محمود ووادي محمود قرب الحدود السورية الأردنية في ريف دمشق الجنوبي الشرقي، لافتاً إلى أن تلك القوات تقدمت جنوب شرقي دمشق، وسيطرت على 3 مخافر حدودية مع الأردن.

ومن جانبها قالت فصائل “الجيش الحر” العاملة في البادية السورية، إنها تخوض اشتباكات عنيفة على محوري وادي محمود بريف السويداء الشرقي ومنطقة الفكة في ريف دمشق الشرقي، إثر محاولات قوات النظام التقدم في المنطقة. وقال “جيش أسود الشرقية” إن مقاتليه دمروا سيارة عسكرية وقتلوا عدة عناصر من قوات النظام خلال اشتباكات على محور محروثة بريف دمشق الشرقي، ضمن معركة “الأرض لنا”.

خروقات

بعد أيام من إعلان “فيلق الرحمن” وروسيا التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية وحي جوبر شرقي العاصمة دمشق، خرقت قوات النظام الاتفاق لدى محاولتها اقتحام مدينة عين ترما مدعومة بالدبابات، وتحت غطاء من القصف المدفعي والصاروخي.

وقال مدير المكتب الإعلامي لـ”فيلق الرحمن” موفق أبو غسان، إن “قوات النظام حاولت اقتحام جبهة عين ترما بثلاث آليات عسكرية، وعبر تمهيد صاروخي استخدمت فيه صواريخ من نوع (فيل)، فضلاً عن قذائف مدفع جهنم”. وأضاف أن مقاتلي “الفيلق” صدّوا الاقتحام، مشيراً إلى أن “النظام أراد من هذه العملية معرفة جاهزية المقاتلين المرابطين على الجبهة”.

وأفاد ناشطون بأن عدة حالات اختناق وقعت جراء استهداف قوات النظام جبهة عين ترما بغازات سامة، يشتبه أنها “غاز الكلور السام”، في حين استهدفت قوات النظام مدينة زملكا في الغوطة الشرقية بثلاث قذائف مدفعية ثقيلة.

وأفادت صفحة “دمشق الآن” الموالية، بأن تمهيداً نارياً نفذته قوات النظام على جبهة عين ترما -جوبر بعشرات القذائف والصواريخ على مواقع “جبهة النصرة” وسط اشتباكات عنيفة تدور على عدة محاور، على حد زعمها.

وبرّرت قاعدة حميميم الروسية هذا الهجوم مدّعيةً أن “مجموعات المعارضة المسلحة المعتدلة شرق العاصمة دمشق لم تنفذ تعهداتها بطرد الجماعات المتطرفة، الأمر الذي من شأنه زيادة وتيرة العنف من جديد في منطقة خفض التوتر في الغوطة الشرقية”. حسب قولها.

ويأتي ذلك، بعد انضمام بلدة عين ترما وحي جوبر، شرقي دمشق، إلى مناطق “تخفيف التوتر” ووقف إطلاق النار، بموجب اتفاق وقّعه “فيلق الرحمن” المنتشر في المنطقة، مع روسيا. وينص الاتفاق على وقف إطلاق النار، ويشمل جميع المناطق التي تسيطر عليها فصائل “الجيش الحر” في الغوطة الشرقية.