نزار السهلي

زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى لا تحمل في مضمونها إلا عكس القلق الإسرائيلي الذي روّجته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن قلقها البالغ من النفوذ الإيراني في سورية؛ لأسباب عدة، أولها أن أصبحت الضامن الأساس لمصالح (إسرائيل) في سورية، بعدما توجت بعدة اتفاقات مبرمة بين الجانبين، أفضت إلى أحسن حالات التنسيق بينهم، لا في الأجواء السورية فحسب بل في الجغرافيا والسياسة. وثانيًا تقديم لنتنياهو جملة تطمينات لمصالحها في الميادين المتفق عليها، بعدما أصبحت عرّاب إعادة تأهيل الأسد.

لا يتم العثور في وسائل إعلام النظام أو محور طهران، على تحليل زيارة نتنياهو، بعيدًا عن تصريحات القلق من النفوذ الإيراني التي يشيعها الجانب الإسرائيلي، لكننا نجد اجتهاد تلك المؤسسات الإعلامية في البحث عن خبر في الإعلام الإسرائيلي لظهور شخصيات “معارضة سورية”، على قناة إسرائيلية، يكون عندها الخبر هو الحدث، و”منقذًا” للعار الذي غرقت فيه مؤسسات إعلامية تباكى بعض مؤيديها لخسائر مالية هددت بإغلاقها يومًا ما.

بينما تزدحم صحف موسكو وتل أبيب في تقييم العلاقة، والإشادة بتطورها في عهد بوتين، عندما كان “رئيسًا للوزراء أو زعيمًا للكرملين”، ليصل حجم التبادل التجاري إلى ملياري دولار سنويًا، فضلًا عن أن التعاون العلمي والاستخباراتي هو اليوم في أفضل حالاته، وقد وُصف بـ “الحلم العظيم”، حسب محللي موسكو وتل أبيب، وصولًا إلى زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة لموسكو، وقد سبقتها زيارات عدة تُوّجت بعقد اتفاقات وبجملة ملاحق أمنية وسياسية واقتصادية تمنح بموجبها موسكو الأفضلية لتل أبيب بالحماية المطلقة، في الأجواء السورية وبحرية الحركة، مضافًا إليها تعهد روسي بعدم المساس بأمنها.

يقول البروفيسور أبراهام بن تسفي، المعلق في صحيفة (إسرائيل اليوم) للشؤون الأميركية: إن “الكثير من المياه تدفقت في نهر البولغا، منذ صعدت روسيا وإسرائيل إلى مسار من الصداقة الواعدة”. ويضيف: “بعد أربعة عقود من السلوك السوفيتي المعادي لـ (إسرائيل)، والذي تمثل بإعدام 65 من الكتاب اليهود بقرار من الإمبراطور جوزيف ستالين؛ بدأ يذوب الجليد ويدشن عصر جديد بين موسكو وتل أبيب، بالتوازي مع الرفع التدريجي لمستوى التحالف الأميركي الإسرائيلي”.

إذًا (إسرائيل) لم تشعر بهذا الأمان والهامش الأوسع من المناورة، حسب بن تسفي، إلا بعد صعود بوتين إلى السلطة، وبعد أن أصبح القطب الثاني في العالم يضع على كاهله أمن ومصالح تل أبيب، وفق بن تسفي الذي أكد أن “(إسرائيل) استغلت الفرص المتاحة، وبخاصة بعد صعود ، إلى جانب تعاظم علاقتها الخاصة مع واشنطن، حيث تبلورت شبكة علاقات تكنولوجية، اقتصادية وأمنية متفرعة مع الكرملين”.

يرى بعض المحللين الإسرائيليين للعلاقة بين موسكو وتل أبيب، أنها لم تنعم بهذه الوفرة “العاطفية” إلا بعد وصول بوتين إلى قصر الكرملين، وتُوّجت بعد اندلاع الثورة السورية التي حصدت فيها تل أبيب وموسكو المصلحة المشتركة من بقاء النظام، فيما جهابذة الإعلام الممانع يسوقون تطبيعًا موازيًا للقبول بقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين وتدمير ثلاثة أرباع سورية كرمى لعيون الأسد، وإسقاط سرد العلاقة بين نتنياهو وبوتين التي تصب في خندق التطبيع ذاته الذي تدعي مقاومته.

يرى بن تسفي أن “نمط الحوار المتواصل الذي عبرت عنه قمة سوتشي الأخيرة، بين بوتين ونتنياهو، يعكس معنى خاصًا على خلفية استمرار مسيرة فك الارتباط الأميركي عن الشرق الأوسط، حيث ألمحت واشنطن بوضوح عن استعدادها بالتسليم بانتصار بشار الأسد”.

أي تقتضي الترتيبات الجديدة توافقًا مستمرًا، تكون تل أبيب مطمئنة لبقاء الأسد في وظيفة الحراسة للاتفاقات الأمنية واتفاق فصل القوات لعام 1974. جوهر العلاقة بين تل ابيب وموسكو يكمن في الاطمئنان لعدم حلول بدائل تكون كارثية على تل ابيب مستقبلًا، أي أن مهمة موسكو الأساس نحو نتنياهو هي تبديد القلق الإسرائيلي.

إغفال صحف الممانعة عن تناول تصريحات المسؤولون الروس عن “بقاء (إسرائيل) في المنطقة هو جزء أمننا”، وتصريحات بوتين في القدس: القدس ستبقى في قلب الشعب اليهودي، وإهداء بوتين لنتنياهو الدبابة الإسرائيلية التي أسرها الفلسطينيون والسوريون، في معركة السلطان يعقوب، في أعقاب العدوان على لبنان العام 1982. إغداق نتنياهو المديح والشكر لبوتين لا يدخل في باب الدبلوماسية -كما يتمنى بعض الممانعين- إنما يصب في المعركة الدعائية التطبيعية التي تقودها تل أبيب وموسكو، بعيدًا عن جعجعة محور الممانعة.

الهروب المستمر لإعلام محور الممانعة، من تناول تحليل تطور العلاقة بين موسكو وتل أبيب، على حساب مقتلة الشعب السوري والفلسطيني، واللجوء المتكرر والمستمر لأخبار تافهة المعنى والحدث، بعيدًا ممّا تقترفه عاطفة ثلاثية، بين وموسكو وتل أبيب، عمادها “الحلم العظيم” ببقاء (إسرائيل)، ومن تحتها أعمدة الطغيان، لن يُسفر الهروب عن نجاة كاملة ومحققة يتمناها الهاربون إلى شعارات سخيفة، ومقاومة المؤامرات الكونية المتعددة إلا لمزيد من التشويه والشرخ لشعار “المقاومة” غير المحقق، دون إسقاط الاستبداد والطغيان، بعيدًا عن ثرثرة المقاومة والنظر إلى البحصة الروسية على أنها القطب الذي سيقي العالم مثالب الإرهاب وغيره.

رؤية التحالف الوطيد بين موسكو وتل أبيب، في عهد بوتين-نتنياهو، هي المدخل الصحيح والسليم لرؤية الأمور بوضوح، وتتبع سياق التطبيع الأساسي الذي تقوده سياسات الكرملين في الملف السوري مع تل أبيب، وخصوصًا بالشق المتعلق بالتحالف الناشئ بينهما، وتأثيره على استراتيجية الملفات العربية بشقها الفلسطيني-السوري، بعيدًا عن الأوهام والشعارات.