د.عزة عبد القادر

إن الجهاد لم يكن من القواعد اليسيرة في نفوس الناس ، فالجهاد يعني بذل الجهد وتحمل المشقة ،والجهاد في سبيل الله تعالى يعد من المصطلحات التي اختص بها ديننا الإسلامي الحنيف ،وتعني جميع الأفعال والأقوال التي تتم لنشر الإسلام أو لصد عدو يستهدف المسلمين أو لتحرير أرض مسلمة ، أو لمساعدة مسلم ما أو جماعة من المسلمين.
الجهاد بمعناه العام يشمل حياة الفرد والمجتمع كلها بجوانبها المختلفة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصراع فيه يشمل أعداء كثيرين يشمل النفس وشهواتها والهوى ووساوس الشياطين؛ سواء شياطين الجن أوالإنس.
إذن فإن الجهاد ليس رفاهية ولم يكن يوما من مطالب الناس ورغباتها ، بل على عكس ذلك فإن الإنسان في طبيعته يميل إلى متع الحياة والعيش في أمان بلا عناء أو مشقة ، ولكن الأمن والسلام ليس بالمطلب الرخيص فهو يحتاج إلى قوة مادية ومعنوية لحمايته ،ولهذا فإن الجهاد ليس خيارا لنا بل هو فريضة قال تعالى:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )سورةالحج آية78.

إن الجهاد كان فريضة لحكمة عظيمة ألا وهي حفظ الأرواح والأموال فكيف يتصور أن يتم الإعتداء على مجموعة من الناس ولا يقتص من المعتدين ، إن الضعف والإستسلام للجناة والمجرمين يقويهم ويشجعهم على الهجوم والتمرد ، لهذا كانت القوة والجهاد في سبيل الله هي أساس الحماية والمنعة.

كثير منا يشعر بخوف شديد من الجهاد ، لأننا نتناسى في أغلب الأحيان ان الجهاد ليس شكلاً واحداً بل ينقسم لعدة أشكال ، فإن المعارك الحربية وساحات القتال بالأسلحة والصواريخ ليست المظهر الوحيد للجهاد ، فهناك الجهاد بالكلمة والجهاد بالهجرة والفرار بعيداً عن الفحش والطغيان .
إن الجهاد في الحروب ليس سهلاً على الأنفس ، فإن القتال يثير خيالاتنا لنرى الكوارث والمصائب أمام أعيننا قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة:155-157 فالخوف في الآية هوالخوف من الحرب والقتال ، فالحروب تحصد الأرواح والأموال .
فيخيل للبعض أنه سيدخل المعركة ويخسر روحه والبعض يرى وكأن يده تقطع إرباً فيحس بالجزع والرعب قال تعالى:( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ).سورة المعارج آية19-20، وآخرين يتخيلون أنفسهم وهم أسرى في يد الأعداء يعذبون ويصعقون بالكهرباء فتشل أرجلهم وأجسادهم، ورغم كل هذا نجد المؤمنين الأتقياء يتسابقون للجهاد في سبيل الله ، فهم يعرفون ان الشجاعة والجهاد هو الطريق للنصر ، وللأسف فإننا كأمة إسلامية تم تجريدنا تماما على مدار سنوات طويلة من هويتنا حتى يطمسوا معنى الجهاد في عقولنا بالتخويف والترهيب ، وذلك بغرض صنع أمة من الحملان والحيوانات الأليفة التي يسهل ترويضها .
وهنا يجب أن نلقي الضوء على نقطة شديدة الأهمية ، وهي تسابق بعض الناس للحاق بركاب المجاهدين ، فإن الأمر ليس غريباً على الإطلاق خاصة إذا عرفنا أن الجهاد يحتاج فقط إلى التأهيل والتدريب المستمر ، فالمسألة تحتاج منا إلى تنشئة الأطفال على حب الجهاد والتدريب على فنون القتال بغرض الدفاع عن الأمة الإسلامية وحماية حدودها ، فليس من المعقول أن يقوم الصهاينة بزرع العنصرية في نفوس الأطفال و تدريبهم على الجهاد ضد المسلمين ثم نجلس نحن واضعين أيدينا على وجوهنا ننتظر أقدارنا ، فهذا يعد تخاذل واستسلام ، كيف نتحدث عن القائد الإسلامي خالد بن الوليد ولا نطمح أن يخرج بطلاً مثله ، وكيف نمدح في عبقرية طارق بن زياد القتالية والسياسية ولا نحلم أن نرى جيلاً جديدا من الشباب يحارب لأجل نصرة الحضارة الإسلامية ورفعتها ، كيف نروي لأطفالنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته الحربية وعبقريته السياسية ثم لا نقتدي به ولا نطبق ما يدعو إليه .
إذا كان هناك ثمة معروفاً أسدي إلينا من قبل الزعماء الوطنيين وقادة الثورات العربية فإنها تلك الصحوة ، إن أهم ما أهداه الإخوان المسلمين لنا هو إيقاظنا من الغفوة والنوم في العسل ، ولو كان الإخوان المسلمين فعلوا ذلك فقط لكفى ، فإن التنبيه إلى فريضة الجهاد لهو الأساس والجوهر )الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم)سورة التوبة آية20-22 ،لقد كنا في سابق الزمان أمة واحدة عزيزة لها قوة ومنعة ، ولم نتفكك ونتفرق إلا باللهث وراء قادة الغرب الذين أنسونا هويتنا وزرعوا الخوف في أنفسنا لنزع حب الجهاد من قلوبنا حتى يسهل عليهم السيطرة على بلادنا وسرقة خيراتنا ، فمتى نعرف أعدائنا ؟

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر