فرضت ظروف “الحرب” والحصار على ريف الشمالي إيجاد بدائل لتأمين السكن نتيجة غياب مواد البناء، ومع هذه الظروف القاسية وصعوبة توفير البيوت لجأ الأهالي إلى الطرق البدائية، وعادوا لبناء منازلهم من اللبن والطين كما فعل أجدادهم، حيث أصبحت هذه الطريقة منتشرة وبكثافة في المدن والقرى نظراً لقلة تكاليفها وسهولة تأمين موادها.

وتفسّر حالة الدمار الواسعة التي حلت بريف حمص، جراء البراميل والقصف، والتي تجاوزت 80% من المساكن (وفق إحصائية المجلس المحلي في الرستن)، حالة الأزمة السكنية التي تعيشها هذه المناطق، لاسيما مع وصول نازحين إليها من أحياء المدينة.

مواد متوفرة

بفعل إمساك قوات النظام بالمعابر، ومنع دخول الإسمنت والحديد والحصى والرمل، وتحكم التجار بأسعار التهريب، انتقل السكان للإعمار في أطراف المدن والقرى، حيث شُيّدت خلال العامين الماضيين آلاف البيوت الطينية في الزراعية، وبين بساتين الزيتون المحيطة بمدن “تلبيسة والرستن والحولة”، وقرى “الزعفرانة والسعن الأسود”.

ووفق زياد شريتح، وهو أحد سكان مدينة الرستن، فإنّ السكان “فضلوا اللجوء إلى أطراف المدن والقرى، والعيش في مناطق زراعية هرباً من القصف الذي دمّر بيوتهم”، وأضاف أن “المساكن الطينية جاءت كحل بديل عن الخيام، وانتشرت بفضل توفر موادها الأولية، وسهولة تأمينها وانخفاض تكاليفها، كما وجد بها السكان بديلاً مناسباً يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء”.

وتبنى الطين من خلال خلط التراب بالماء، وإضافة أكياس النايلون أوالقش إلى الخليط ليساعد في تماسكه، ويتم رصّها على شكل مربعات لتأخذ شكل القالب، ثم تترك مدة أسبوع لتصبح جافة وقاسية، وعند البناء يستخدم الخليط ذاته بين المربعات لتساعد على زيادة تماسكها.

أما أسقف البيوت فتغطى عادةً بأعمدة خشبية، أوأغصان الأشجار والتوتياء أو الشوادر التي يحصل عليها السكان من الإغاثة الأممية، ثم يُصب عليها الخليط الطيني.

تكاليف بسيطة

تزايد الطلب على “الطوب” الطيني لاسيما مع اقتراب فصل الشتاء، حيث يرغب بعض الناس بتوسيع بيوتهم، وبناء غرف جديدة تستعمل لحفظ المواد التموينية، وفقاً لأبي خالد السوسي، وهو صاحب ورشة صغيرة لانتاج القوالب الطينية. ويضيف أن هذه البيوت ساعدت النازحين والفقراء الذي تهدمت بيوتهم على تأمين بدائل جيدة.

وبحسب أبو خالد فإن العديد من ورشات البناء بدأت تنتشر لهذا الغرض حيث يتم صناعة ما بين 1000 إلى 1500 قطعة من الطوب “اللبن” في ورشته يومياً، بواسطة قالب حديد قياس 20×40، وتحتاج غرفة تقدر مساحتها بـ 4 أمتار إلى ما يقرب 2500 لبنة لبنائها.

وحول تكاليف هذه الطريقة قال لـ “صدى الشام” إنّ سعر القطعة الواحدة من الطين يتراوح بين 10-15 ليرة سورية، ويتم اختيار طريقة السقف من قبل المشتري بين قطع خشبية يصل سعر الواحدة منها إلى 1500 ليرة، أو شادر إغاثي يتم شراؤه بمبلغ 5000 ليرة.

وتحتاج هذه البيوت سنوياً إلى إعادة ترميم بسبب تأثرها بالعوامل المناخية لاسيما في فصل الشتاء، وتتميز بحسب السوسي بأنها باردة صيفاً وحارة شتاءً بسبب طبقتها العازلة، وهي متينة إلى حد ما لكنها ضعيفة أمام القصف، وقد تشهد تسرب المياه في حالات العواصف القوية.

وفيما شكلت هذه البيوت حلاً مؤقتاً للعديد من العائلات كما يؤكد الناشط الإعلامي يعرب الدالي، بسبب عدم كفاية المنازل الصالحة للسكن أو تناسبها مع عدد الأسر، فإنه وفي ظل استمرار هذه الأوضاع فمن الممكن أن تتحول إلى حل دائم وبالتالي بناء المدارس والمساجد وغيرها.

بلا تنفيذ

بلغت أسعار مواد البناء مستوى قياسياً لا يتناسب أبداً مع مداخيل الأهالي في ريف حمص الشمالي، ويلفت الناشط يعرب الدالي، إلى أن المعابر بين مناطق النظام والمعارضة مغلقة حتى اليوم، ولا يوجد أي تنفيذ لاتفاق “خفض التصعيد” على الأرض.

وحول إمكانية انخفاض الأسعار قريباً وتحسن الوضع الأمني في ريف حمص مع ما يشاع عن تنفيذ اتفاق “خفض تصعيد” في المنطقة، أوضح الدالي أنّ القصف المدفعي ما يزال متواصلاً حتى اليوم، حيث أحصى الناشطون في مدينة الرستن سقوط أكثر من 40 قذيفة يوم الأحد الماضي فقط، وأكدّ الدالي في الوقت ذاته أنّ “المفاوضات بين فصائل المنطقة والجانب الروسي لا تزال تمهيدية، ولم يتم التوقيع والاتفاق حتى الآن على أي شيء إطلاقاً”.

ويعيش في ريف حمص الشمالي ما يزيد عن 250 ألف نسمة، ويفتقر هؤلاء المدنيون إلى المقومات الأساسية كالغذاء والمحروقات التي يتحكم النظام بدخولها،  ورغم جميع ما سبق يسعى الحمصيون دائماً للتعايش مع أوضاعهم وابتكار الحلول من خلال العديد من الأفكار التي تتحدى الظروف.