معلمٌ من كبار فناني الحداثة في لبنان، تميز بالغزارة في الإنتاج، والتنوع المدهش في الخامات والخلفيات، لكنه عُرف كأبرع رسام بالمائيات. أمين الباشا الذي يكرّمه متحف نقولا ابراهيم سرسق في معرض (من 14 أيلول/ سبتمبر إلى 12 آذار/ مارس 2018) يشكل الإطلالة الأولى له في بيروت بعد غياب دام طوال عقد من الزمن عن مشهدية المعارض. فبيروت التي اشتاقت إليه تعود لتتراءى في مجموع تجاربه التي تم انتخابها وفق أربع تيمات رئيسية: اللوحات التجريدية والفنتاستيك والعشاء الأخير والموسيقى، وهي ترصد من خلال اربعين عملاً (مائيات ورسوم وزيتيات ومجسّمات خشبية وسجاديات)، تحولات مساره الفني الذي يعود إلى اواخر خمسينيات القرن العشرين. فالتجوال اقرب ما يكون الى النزهة بين حدائق الوان الفنان وطبيعته المفتونة بالحب والبهجة والضوء. إذ أن أمين الباشا انتقائي في اختيار عناصر الطبيعة والأشكال ومعالم الأمكنة والمَشاهد التي تنادي مخيلته وتستدرجها إلى الرسم، لذا فهو لا يرسم ما تراه عيناه فحسب، بل ما تكشفه نزواته في وثباتها الحرة، صوب عالمٍ مجرد إلا من الخيال واللعب والتّلذذ بالقبض على الصُّور العابرة والأشياء الهاربة من الذاكرة، بحُرّية مطلقة تنتسب غالباً إلى جماليات مبنية على العبث بمواضع الأشياء والتحايل على حقيقة صُورها ومنطقها وترتيبها.

لطالما كانت بيروت ملهمة الباشا ومرآة حياته وذكرياته الغالية ومحط نزهاته وأرجوحة طفولته ومرتعها المطمئن. والمدينة ليست بحراً وناساً وامكنة ورواد مقاهٍ واحياء شعبية فحسب، بل عطراً يتضوع بين الرياحين والأفياء وصوراً من خزائن الماضي والحاضر. ليست خريفاً وربيعاً بل حدائق ونساء وشرفات وأصص أزهار. إنها العمر كله الآتي من ذهب الأيام الماضية، بل من كنز الطفولة الضائعة وشباب الموهبة وينابيع الإلهامات الجامحة ومن دفء الأمكنة وحنينها. في أعمال الباشا ثمة دائماً ناس وأمكنة وبيوت وشرفات وضوء يتسرب داخل الحجرات، حيث يغفو الأثاث العتيق للجدّات على وسائد مطرزة بحكايات أزرق القيشاني وزخارف الثمار والأزهار. والمفارقة الغريبة أنه كلما ارتفع منسوب الموتيفات الزخرفية في مائيات الباشا كلما ازدادت تألقاً وجمالاً. فثمة مكانة كبيرة للزخرف وثمة مكانة أهم لثغرات الهواء ومسارب العين في تنقلاتها بين النور والظلال.

مهرجون وقديسون وبهلوانات وموسيقيون وكهنة وكرنفالات وكثير من النسوة. إنها المفارقات التي صنعتها مراحل أمين الباشا، الآتية من أزمنة متباعدة، وهي تشهد للفنان مقدرته على طريقة تصوير الواقع وتجاوزه في آن واحد. إذ إن الحقائق المسيطرة ما هي سوى الحقائق الفنية الكامنة في خصوصية الأسلوب ومقتربات الرؤية وسرعة القبض على إشارات المشهد كواقع آنيّ متحرك ومتغيّر. يتبدى ذلك على وجه الخصوص في الأعمال التي ترصد تداعيات الحرب، من خلال المَشاهِد الداخلية لكنيسة القديس جاورجيوس الأثرية في قلب بيروت بعد تعرضها للدمار، حيث بين حنايا ضلوعها تراتيل الوحشة تُتلى على امجاد بواباتها وعقودها المظللة بغبار النسيان. وهي تومئ بمدى شغف الباشا برهبة الفضاء الداخليّ المأهول بأركيولوجيا الذاكرة، ومن ثم الإثارات البصرية الناتجة عن مشهدية حشود المصلّين واحتفالية الطقوس الدينية حيث لا شيء يشع سوى بريق الملابس الكهنوتية. وقد جاءت هذه الرسوم (ما بين 1994- 1996)، في أعقاب سلسلة أعمال مائدة السيد المسيح التي بدأت منذ عام 1981، وهي عبارة عن دراسات تخطيطية بالحبر الصيني ومائيات وزيتيات، تدمج ما بين التسطيح البيزنطي، وملامح التأليف النهضوي، والتقسيم التكعيبي- الزخرفي. كل ذلك أعطى الموضوع جماليات غير مسبوقة، في التضمين الإنساني- الدلالي، لموضوع لطالما كان يُعدّ لاهوتياً وغير قابل للتجديد. وهذا ليس غريباً على أمين الباشا الذي زيّن بالفسيفساء كنيسة سان مارتينو ليليانو في إيطاليا.

وتعود المرحلة التجريدية في نتاج الباشا، إلى تجارب أواخر الستينات، التي تميزت بالاختزال الهندسي للأشكال، حين سعى إلى قطف المنظر وفق تدرجات إيقاعاته اللونية، كما يظهر له من نافذة محترفه المطلة على سطوح العمارات الباريسية وسقوفها القرميدية ومساحاتها الخضراء. ولعل ما أزكى تلك الميول التجريدية، هو الصراع الذي عاشه الباشا في باريس، ما بين التشبيه والتجريد بمختلف مدارسه واتجاهاته. ولكنه ما لبث أن أخذ التجريد إلى منحاه الشرقي الخاص الذي تبدى على شكل مربعات ذات مضامين زخرفية ورسوم بيانية تعكس فصول الطبيعة والغيوم والطيور، حيث يخترق الخيال الحر العالم المرئي، كما تخترق السحب والعصافير العابرة شموس الطفولة.

الطيور رفقاء النساء وهي تحلق في فضاءات الباشا على اجنحة الخيال، كرموز للدّعة والحب والوّد، تظهر في حر الظهيرة مع مستحمات الشاطئ، وترافق أعمال السحر التي يقوم بها أبطال أوراق اللعب، الذي ينثرون ألاعيبهم كالفسيفساء على رقع شطرنجية في متواليات الفصول الأربعة. وفصول امين الباشا، ليست ككل الفصول، لأنها من مادة الفردوس اللوني، لا مكان فيها للحزن، بل للدعابة والسخرية والتسلية والاستمتاع بأوقات مضبوطة على ساعات حائط معطّلة. العُطل والفرار من الواقع الى الحلم، ومن الحياة اليومية إلى شواطئ الفانتازيا الرحبة والآمنة. وإن كان التجريد هو موسيقى وفق تعبير كاندنسكي، فإن سلالم النوتات الموسيقية وجدها الباشا زخرفاً غرافيكياً من أوتار تقف عليها العصافير ثم تطير وتتفرق على وعود وقبلات وشموس صيف وقلوب متناثرة في فضاء حلميّ وغرائبية، حيث لا جدوى فيها للبحث عن المنطق، لأنها من فوران القريحة ومقدرة الارتجال.

تمثل أعمال الباشا تجربة فنية عميقة لها علاقة وثيقة بأسفاره وتجواله في المدن والأمكنة وجلسات المقاهي وولعه بالموسيقى. ذلك ما جعل العوالم التي رسمها أشبه بتمارين يومية كشفت عن أشياء مدهشة في تناولِها المألوف الذي جسده بأبهى أشكاله ومناخاته الشرقية، كما ساهم في تحويل فضاء الإبداع إلى فضاء مسرحي، واقعي وخرافي غالباً، يروي في بعض الأحيان حكايات شرقية لا ضفاف لها، إلا في ارتدادات الخيال المفتوح على ذاكرة الطفولة وعلى الحس الشعري الغامض الذي يتجلى في مقطوعات البنية الموسيقية للشكل واللون. فهو مشّاء يكتشف أثناء المشي الأشياء الأليفة من أشكال ومناظر ومعالم المدن التي زارها وخصائص الأمكنة وعلاقتها بالناس.