بدر الدين عرودكي

بين عام 1958 الذي شهد ولادة وزارة الثقافة (والإرشاد القومي) في سورية ومصر معًا، والشهر قبل الأخير من عام 1970، تاريخ الحركة الانقلابية الأسدية، توالى على هذه الوزارة تسعة عشر وزيرًا، تراوحت مدة وزارة كل منهم، بين أقل من شهرين، إلى خمسة وعشرين شهرًا. شهدت فترة الثلاثة عشر عامًا هذه أربعَ مراحل شديدة الاختلاف سياسيًا وأيديولوجيًا: الوحدة السورية المصرية حتى نهاية أيلول 1961؛ مرحلة الانفصال المضطربة بين 29 أيلول 1961 و7 آذار 1963؛ الانقلاب العسكري “البعثي” بين 8 آذار 1963 و22 شباط 1966؛ الانقلاب البعثي/البعثي بين 23 شباط 1966 و16 تشرين الثاني 1970، يوم الانقلاب الأسدي.

كان ثروت عكاشة، وزير الثقافة بمصر، خامس وزير توكل إليه وزارة الثقافة السورية، وذلك قبل شهر ونصف من الانفصال. بدأ مهمته بجولة على المحافظات السورية، كي يتعرف على الأوضاع الثقافية ويلتقي الفاعلين الثقافيين فيها، قبل أن يباشر وضع خطة خاصة بما كان يسمى “الإقليم الشمالي”. خطة كان يريد لها أن تستوحي تلك التي هيّأ لها -بمشاركة معظم الفاعلين الثقافيين المصريين آنئذ- ثم وضَعَها موضع التنفيذ في “الإقليم الجنوبي”. لكنه كان يطمح إلى أن تستجيب إلى حاجات السوريين الذين كان يريد أن يشارك العاملون في الثقافة منهم في وضعها أيضًا. بذلك تحديدًا، كان هو الوزير الوحيد الذي بدأ منذ يومه الأول وحتى يومه الأخير، عشية حركة الانقلاب الانفصالي في الإعداد للتخطيط. وعلى أن بعضًا من الوزراء التسعة عشر الذين توالوا على الوزارة، خلال المراحل الأربع المشار إليها، كان ينتمي إلى عالم الثقافة والفكر، مثل عبد السلام العجيلي أو أسعد درقاوي، إلا أن تسميتهم كانت أشبه بملء شاغر في حكومة، كانت الثقافة آخر همومها، سواء على صعيد الفعل أو التخطيط أو السياسة. والواقع أن هذا العدد من الوزراء يقول ذلك ببلاغة لا تحتاج إلى تأويل. ذلك أن ما حدث بمصر، حين عهد عبد الناصر إلى ثروت عكاشة بوزارة الثقافة فيها، كان يندرج ضمن سلسلة من التغييرات الاجتماعية العميقة التي بدأت بعد حركة الضباط الأحرار، في 23 تموز 1952، وامتدت من الاستقلال الكامل إلى الإصلاح الزراعي إلى تأميم قناة السويس، وما تلاها من تغييرات سياسية واقتصادية ثم ثقافية. وكاد هذا التغيير، على صعيد الثقافة، أن يشمل سورية في إطار وحدتها مع مصر، وضمن الرؤية التي بدأت تتجلى منجزاتها.

لم يكن لإهمال وزارة الثقافة على النحو الذي شهدته سورية حتى عام 1970 إلا أن يؤدي إلى خطوات بطيئة أو خجولة في إنشاء مؤسسات ثقافية، لا يمكن إلا للدولة أن تقوم بعبئها، ومن ثم فقد بقيت حتى نهاية الستينيات أقرب إلى النوايا منها إلى الواقع، أو أنها انحصرت في مديريات أو دوائر، لا حول لها ماليًا، ولا قوة لها سياسيًا، لإنجازات تقوم على خطط طموحة تستهدف إنشاء بنى ثقافية حقيقية. على أنه لم يكن في الوقت نفسه يعني غياب محاولات احتواء الثقافة والمثقفين، وهي محاولات، وإن لم تتوقف في واقع الأمر منذ اليوم التالي للانقلاب البعثي، إلا أنها بقيت تضرب خبط عشواء، دون رؤية أو خطة مدروسة. ذلك أن إغلاق الصحف والمجلات الخاصة التي كانت قد عادت إلى النشاط أثناء فترة الانفصال، وإقامة الرقابة الصارمة على الكتب والصحف العربية والأجنبية، وقصْرِ الصحافة المحلية على صحيفتيْن، إحداهما ناطقة باسم الحزب، وثانيتهما باسم الحكومة، لم يكن إلا بعض هذه المحاولات التي كانت حتى نهاية عام 1970، على صرامتها النسبية، تفسح هوامش من الحركة في العمل الثقافي سرعان ما ستختفي تدريجيًا، ثم نهائيًا، عند منتصف سبعينيات القرن الماضي.

كان لا بد إذن، خلال السنوات العشر التي تلت الانفصال، من الانتظار كي تصير الثقافة محل اهتمام السلطة السياسية، وكي يغدو احتواء الثقافة والمثقفين هو السياسة الثقافية الوحيدة المطبقة بغير إعلان، سوى الشعار الأسدي الذي سبق أن أشرنا إليه في مقال سابق: “لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير”.

أول ما سيطبع هذه المرحلة الأسدية الأولى، أن عدد الوزراء الذين توالوا على الوزارة كان، خلافًا للفترات السابقة عليها، قد اقتصر على اثنين، خلال ثلاثين عامًا. وهو ما يمكن تفسيره بوجود نظرة ما، تستهدف الثقافة بصورة أو بأخرى. لكن اختيار الوزيرين سينطلق من اعتبارات سياسية محضة أولًا، ومن اعتبارات الولاء الشخصي لرأس السلطة ثانيًا. وهذان الاعتباران هما ما يمكن أن يفسرا بقاء أحد الوزيرين ست سنوات، والآخر أربعة وعشرين عامًا.

لم يحمل معه أول وزير ثقافة إذن بعد الانقلاب الأسدي، أو لم يُسمح له أن يحمل، أي مشروع ثقافي حقيقي، لا على مستوى العاصمة ولا على مستوى البلد ككل. وما كان يمكن لذلك أن يكون متاحًا. ولذلك اكتفى خلال سنوات وزارته الست بالإشراف على المؤسسات القائمة، يفتتح المعارض الفنية، ويناكف مديريها تارة، أو يعرقل خططهم، إذا رأى في ذلك خدمة لرأس النظام، كما حدث أكثر من مرة مع مدير مؤسسة السينما أو مدير معهد الموسيقى. وربما كان ذلك شأن نظرة السياسة الحكومية إلى الثقافة بمجملها. ولا أدل على ذلك من حادثة جرت عام 1971، أثناء اجتماع مجلس التخطيط الأعلى الذي يرأسه عادة رئيس الوزراء، ويحضره مديرو التخطيط في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية. فقد حضر ذلك الاجتماع المدير العام لمؤسسة السينما، حميد مرعي، ورافقته إليه، بصفتي مدير التخطيط فيها آنذاك. بعد أن أنهى المدير العام قراءة تقريره، تحدث عبد الحليم خدام، وزير الخارجية، بصفته عضوًا في المجلس، معلقًا: “ها هو الآن قد أتقن مهنته كمدير عام لمؤسسة السينما. أقترح الآن أن ننقله كي يدير مؤسسة البصل مثلًا”. وربما كان ذلك -بين أسباب أخرى ولا شك- ما حمل الوزير نفسه على الظن أن باستطاعته الإيقاع بين هذا المدير ومعاونيه، كما فعل حين أمر بالتحقيق في عرض سينما الكندي بدير الزور فيلما بورنوغرافيًا -وكان المقصود فيلم بيير باولو بازوليني (أوديب ملكًا)- إثر تقرير من عنصر أمني، تبين فيما بعد أنه كان يحاول الانتقام من مدير سينما الكندي لرفضه منحه بطاقات مجانية؛ أو بينه وبين السينمائيين أنفسهم، وهو الأشد سوءًا، حين حمل ومساعدوه معه لواء منع فيلم عمر أميرالاي (الحياة اليومية في قرية سورية) الذي أنتجته هذه المؤسسة العامة للسينما في تلك الفترة، من العرض في دور السينما داخل سورية وخارجها. كان تبريره هذا المنع، وتبرير موظفيه معه يومها، أنه “لا يمكن أن تموِّل الدولة أعمالًا فنية، تقوم بنقدها”.

سنوات ست من وزارة للثقافة لم يكن من كلف بها سوى إرضاء “المعلم الأول”، والظهور بمظهر من يرعى الثقافة والمثقفين. ما كان ذلك ليخفى على وجه اليقين على رأس النظام الذي كان له شأن آخر في موضوع الثقافة، وكان قد بدأ يشغله. ومن هنا، كان أن عهد بالوزارة عام 1976 إلى موظفة في الوزارة نفسها، وفي مجال التأليف والترجمة إلى جانب أحد كبار مثقفي سورية وفلاسفتها، أنطون المقدسي، ونعني بها نجاح العطار التي ستطبق خلال ربع قرن، ما وسعها، كل ما كان يتطلع إليه رأس السلطة.

ذلك، بالطبع، موضوع حديث آخر.