ميخائيل سعد

بلغ بي ضجر العجز و”الختيرة” أقصاه؛ فقررتُ البحث عن فيلم سينمائي، أروّح به عن نفسي، وأختم به سهرتي المملة، في متابعة أوضاع السوريين المحزنة على (فيسبوك)؛ فكان أن وقع بين يدي فيلم، بعنوان مثير: (المنسيّون) “Les oubliés“. يروي قصة جنود ألمان، بالكاد أنهم غادروا أحضان أمهاتهم ومراهقتهم، تم تجنيدهم، ثم سقطوا أسرى حرب، أو “ضيوف” حرب غير مرحّب بهم، عند الدنماركيين، في نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فقررت جلد نفسي بمشاهدة الفيلم، وكأن عذابات السوريين غير كافية، كي أضيف إليها عذابات بعض الأوروبيين، وقلت في سري: لعلّ طعم العذاب ورائحته يختلفان، باختلاف المكان!

يحكي الفيلم قصة 14 جنديًا ألمانيًا معتقلين عند الدنماركيين، في نهاية الحرب الكونية الثانية، تم اختيارهم (ربما لصغر سنهم) من بين مئات الأسرى، وإرسالهم إلى الخط الأول من الجبهة الدانمركية، لتفكيك آلاف الألغام، دون أي دراية بالموضوع، إلا بعض الشروحات السريعة من المشرف القاسي، وكان ثمن الدرس العملي الأول هو انفجار لغم بأحدهم وقتله، دون أي ردة فعل من الجنود الدنماركيين تجاه الموقف! يبدأ الأسرى عملهم، على أمل العودة إلى بلادهم وأمهاتهم بعد إنجاز مهمتهم، وكان المسؤول عنهم قد وعدهم بالعودة إلى بلدهم، بعد الانتهاء من تنظيف الموقع من 1200 لغم تقريبًا. ويتساقط الواحد بعد الآخر، إلى أن يبقى أربعة منهم فقط أحياء. عند نهاية العمل؛ يذهب المسؤول إلى المسؤول الأعلى، يطلب منه تنفيذ وعده بإعادة الأسـرى إلى بلدهم؛ فيضحك الضابط الكبير، قائلًا: إنهم ألمان، وسيبقون إلى أن تنتهي الحرب؛ فيعمل القائد المباشر، وقد نشأت بينه وبين الأسرى علاقة إنسانية نتيجة الاحتكاك اليومي، على تهريبهم إلى بلدهم، من أقرب نقطة حدود تفصل بين البلدين.

كان عقلي يستعرض فيلمًا آخر، بموازاة ما تراه عيناي، ولا ينفك يُقارن بين الأحداث في الفيلمين: جنود الأسد وميليشياته الطائفية يدوسون على ظهور سكان قرية البيضاء، في الثاني والثالث من أيار/ مايو 2013، بعد قتلهم 248 سوريًا.. فيديوهات تعرض جنود الأسد، وهم يهينون السوريين بلهجة سورية معروفة، لإثارة الكراهية بين مكونات الوطن.. مجازر جماعية متنقلة يُمارسها رجال النظام وشبيحته في المدن والأرياف السورية.. تواتر الأنباء عن قتل المعتقلين في الفروع الأمنية.. قصف المدن السورية بالصواريخ بعيدة المدى.. قتل السوريين بواسطة الغازات.. حرق السجناء في سجن صيدنايا، وعشرات الأحداث الأخرى؛ كل تلك المشاهد دفعتني إلى التفكير بأن كل ما شهدته الحرب الكونية من فظائع لا يُعادل ما شهده الشعب السوري على يد جلاديه.

في هذه الزحمة من التداعيات الذهنية، تصل رسالة من أحد المعتقلين في سجن عدرا إلى صديق حمصي، وهو سجين سابق لأكثر من مرة، تناشدنا العمل على قضية المعتقلين؛ فينشرها الصديق، وهذا نصها:

“على الشرفاء فقط، التفاعل مع قضية المعتقليين، وما تبقى فليذهب إلى الجحيم..

نداء إلى كل الإعلاميين والناشطين.

دعم حرية المعتقلين قضية أخلاقية وإنسانية

يرجى الدعم، بأي وسيلة كانت، حتى عبر التواصل الاجتماعي والتظاهرات.

المعتقلون بانتظاركم”.

“صوت من داخل السجون…..”

ماذا نستطيع أن نقدم للمعتقلين، وعددهم أكثر من 200 ألف في سجون النظام، وأقبية البنايات، والثكنات العسكرية، وفي مقارّ مخابراته؟

هل تنظيم تظاهرات في عواصم العالم كافٍ للضغط على النظام، وإجباره على إطلاق سراح المعتقلين، والكشف عن مصير المخطوفين والمغيبين؟

كان يمكن أن يكون ذلك مفيدًا، لولا الدعاية التي دخلت في عقل كل أوروبي وأميركي، بأن السوريين كلهم “إرهابيون”، فكيف يمكن أن يدافع المواطن الأوروبي عن سجين “إرهابي”، وأن يُطالب بإطلاق سراحه، أو حتى أن يتعاطف معه! هل من أجل أن يلجأ بعد ذلك، إلى بلدانهم ويفجر نفسه هناك؟ أو من أجل أن “يؤسلم” الأوروبيين، أو من أجل أن يدهس أولادهم في الشوارع… أو… أو…!

لقد فقد السوريون -السجناء منهم، ومن هم خارج السجون- سندًا شعبيًا غربيًا حقيقيًا، عندما لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة “الإرهاب” التي اخترعها نظام الاسد، وساعده في ذلك العالم كله، وفي طليعتهم دول المال السياسي العربي التي عملت على “أسلمة” الثورة، ومن كان يدعي صداقة الشعب السوري، وتقصير المعارضة السياسية بالقيام بواجبها، وارتهانها لجهات خارجية.

هل يعني ذلك أن لا نهتم بالمعتقلين، وأنّ من غير المجدي البحث عن طرق ووسائل أخرى؟

من المفيد الدعم، ولو بكلمة تصل إلى أذن المعتقل، عن طريق دعم أهله ماديًا ومعنويًا، وعن طريق الكتابة، وتنظيم التظاهرات، حتى لو كانت محدودة الفاعلية. إن أي نشاط في هذا المجال يصب، ليس فقط في صالح المعتقلين، وإنما في صالح الشعب السوري كله، بانتظار الحل السياسي.

كان من حسن حظ “المنسيين” الألمان عند الدنماركيين، أن الضابط الصغير المسؤول عنهم، على قسوته الظاهرة، كان يمتلك من الإنسانية ما جعله يخاطر بحياته، ويتحدى رئيسه، ويُساعد السجناء في الهرب والعودة إلى بلادهم، لأنهم أطفال، ولأنهم أنجزوا عملهم، ولكن من سوء حظ سورية أن جميع المسؤولين الأمنيين والعسكريين هم على شاكلة عصام زهر الدين، الضابط الذي “تحوّل” إلى بوط، ونصح السوريين الذين هربوا إلى دول العام بعدم العودة، لأنهم إذا عادوا، فليس من خيار أمامهم إلا “البوط” تقبيلًا وتقديسًا… وهو بذلك عليم خبير.

فيلم (المنسيون) فيلم محزن، ولكنه لا يخلو من جرعة تفاؤل، بينما يُخيّم الحزن الكامل على “المنسيين” السوريين، وهم يموتون بصمت في سجون الأسد، تحت بصر العالم كله.