عقاب يحيى

كان الأستاذ أحمد. ع -رحمه الله- معلمًا ابتدائيًا.. عُيّن في قرية نائية وحيدًا لعدد من الصفوف لا يتجاوز التلاميذ فيها العشرين.

القرية فقيرة، يعتمد أهلها على الزراعة البعلية، وبعض الحواكير المرويّة، والرعي. سكانها قلة والبيوت متناثرة طينية، والعديد منها متهدّل بفعل الزمن، والغبار يصفعها دائمًا بقوة؛ فتنتشر طبقات الغبار في الزوايا والبيوت، تاركة آثارها وآثار الشمس الحارقة، على الوجوه واليدين، وحتى على الحيوانات والشجر والحجر.

كان الأستاذ أحمد بعثيًا متحمسًا، صوته جهوري، يصل مداه بعيدًا، وقد قبلت قيادة البعث حلّ الحزب عربونًا لقيام الوحدة، وتلبية لاشتراطات الزعيم عبد الناصر. وكان الأستاذ أحمد شديد التألم لهذا الوضع، فقد اعتاد على الاجتماعات الحزبية الكبيرة، شبه الشعبية، وترديد الشعار بحماس شديد، والصعود على الأكتاف وتأليف الأهازيج، وإلقاء بيوت من الشعر العربي “القح” الذي يثير غبار الحماس، وها هو ممنوع منه الآن.

التهب حماس الأستاذ يومًا، فقرر أن يُمارس “واجبه” القومي، البعثي، بترديد الشعار أمام، ومع تلامذته القلة، بأعمارهم المختلفة، ومعظمهم لم يسمع -بالتأكيد- لا بالبعث، ولا بشعاره، فخرج صوته قويًا، يُعوّض فترة الاحتباس القسري، فسُرّ كثيرًا بهذا الجهد النضالي المعتبر، وقرر أن يستمر فيه كل صباح، حين يجمع تلامذته، معتقدًا أن ما يقوم به عادي، لكن للحيطان آذان، والعيون التي “تبصبص” كثيرة، وأكثر منها كتبة التقارير! بعد عشرة أيام أو أكثر، وصلت القرية سيارة “لاندروفر” تثير زوابع الغبار، وقد تجمّع الأولاد وراءها، ونجح بعضهم في التعلق بها، بينما استنفر جميع من في القرية لهذا الحدث الجلل. كثرت الأسئلة عن سبب قدوم سيارة اللاندروفر التي ارتبط اسمها بالدولة، وبالأمن بشكل خاص، وكانت مسرعة جدًا كأنها في مهمة حربية لا تقبل البطء، وحطّت أمام “المدرسة” بانفعال، وهبط منها أربعة تبدو علامات الصرامة والتجهّم والمسؤولية واضحة في وجوههم وحركاتهم، وقد برزت مسدساتهم الاستعراضية كعامل إضافي في زرع الهيبة والخوف..

اتجهوا مباشرة نحو الأستاذ وأمسكوا به بقوة، وأدخلوه عنوة إلى “القبّة” الصغيرة، بيته الذي خصصته القرية له، وأجلسوه على الأرض، وهو يدور برأسه لا يفقه شيئًا مما يجري! كان اسم “الشعبة السياسية” كافيًا -وحده- لكي تتفكك مفاصله، وترتجف عظامه؛ وبخاصة عندما عرف أنه متهم بتهمة خطيرة، وأن عليه مرافقتهم إلى مركز المدينة للتحقيق.

تحقيق؟؟!

يُفتّش في تاريخه وتصرفاته، فلا يجد شيئًا مخالفًا للدولة يستحق الجرّ للتحقيق! نشف ريقه مئات المرات، واصفرّ واخضرّ لونه. عناصر الدورية لا يصرّحون بأي شيء! منظرهم وتعبيراتهم وكلماتهم تبعث مزيدًا من الخوف، وتبث فيه القشعريرة ونشفان الحلق، فيفرك يديه محاولًا أن يكون في أشدّ حالات اللطف، عساهم يرحمونه قليلًا، أو يبوحون بشيء من السرّ الخطير الذي يأخذونه إلى مركز المحافظة من أجله، وبالجريمة التي اقترفها والمصير الأسود الذي سيواجهه هناك.

أدخلوه الفرع، ووضعوه في غرفة ضيّقة مع عدد آخر من الأشخاص. ومر الوقت بطيئًا، ثقيلًا، وهو يضرب أخماسه بأسداسه، لسانه مثل الحجر اليابس، والخوف الشامل يمنعه حتى من السعال، أو طرح أي سؤال على الحارس الواقف على الباب. كان مرتابًا بالجميع، والجميع مثله ينظرون إليه بطرف عيونهم، ويهزّون رؤوسهم بإشارات غامضة، لا يمكن فهم خلفياتها.

أخيرًا، وبعد بضع ساعات “استوى” فيها قلقًا، وخوفًا، قادوه إلى غرفة فسيحة، خلفها رجل مهاب بنظارات سوداء، وإلى جانبه موظف بدفتر كبير، والعيون كثيرة تحدّق فيه غاضبة.

– اجلس أيها المتآمر النجس، الخبيث، يا ابن القحبة.. احكِ لنا من أنت، وما قصتك بتفصيل التفصيل، ولا تحاول المراوغة والكذب؛ لأننا نعرف عنك كل شيء.

تتلجلج الكلمات، تتعثر بنشفان الريق فتأبى الخروج واضحة.. يتكلم عن حياته، كما يعرفها هو، عن انضباطه، والتزامه بالدوام، عن وطنيته وإخلاصه للدولة والمهنة التي شرّفته الدولة بها، بتربية الأجيال على الأخلاق والصدق والعروبة، وحب الزعيم.

– وترديد الشعار أيها الخائن؟ من سمح لك به؟ ومحاولتك إقامة تنظيم ممنوع مخالف لقوانين الدولة، ماذا تعتبره؟

أقسمَ بكل الأيمان أنه لم ينظم أحدًا، وأنه ردد الشعار بضع مرات فقط، معتقدًا أنه شعار عام، وللأمة جميعها، ولا يخالف سياسة الوحدة وما تطرح.. و..

و.. جاء الأمر الصارم: “نزّلوه لتحت”.

وتحت غرفة تعذيب واسعة فيها عدد من الرجال الذين يصرخون، ويستغيثون، ورجال أشداء يقومون “بواجبهم”.. وقد احمرّت عيونهم، وعروقهم. وضعوه في الفلقة، وليتها مثل تلك الفلقة التي يقيمها لتلامذته. هنا فلقة رسمية، “فنية” تمامًا بكل شيء! ثمة محترفون بالضرب يعرفون كيف وأين يضربون بلا شفقة، ولا يتعبون.

تورّمت القدمان، طلبوا منه المشي على أرضية خشنة، فرشوا عليها بعض الرمل والحصى؛ فسال الدم، وحين عادوا ثانية ناشدهم أن يرأفوا بحاله، هو الذي لم يعرف ما فعل، وما هي جريمته! واصلوا ضربه على قدميه والدماء تتناثر مخلوطة ببعض قطع لحم اهترأت.

وجاء المسؤول منتفخ الأوداج يصرخ فيه:

ها.. هل ستعترف؟
يا سيدي بمَ أعترف! لقد قلت لكم كل شيء.

– صدّقتك.. وسأرأف بحالك وأطلق سراحك، شرط أن تتعاون معنا.

لكن الأستاذ أحمد متعاون معهم! هو مؤيد كبير للوحدة، لم يصدّق أنها قامت. هي حلمه الكبير، موضع فخره، وشموخ رأسه، وهل يمكن إلا أن يكون مع الوحدة من المحيط إلى الخليج، شعار الحزب وأساس إيمانه بالبعث. هل يخبره كم غنّى وأنشد للوحدة، وكم هتف لها، وهو محمول على الأكتاف في مظاهرات البهجة التي عمّت البلد من أقصاه لأقصاه. حتى إنه نظم القصائد بها، إشادة بالعرب، وأمجادهم. هل يخبره كم يحب الزعيم؟ وأنه شارك في حمل سيارته، يوم جاء إلى المحافظة زائرًا، في ذلك الحشد الرهيب الذي لم تعرفه لا من قبل…

كان يحدث نفسه في زنقته الجديدة، وهو يفكر بأي شيء يتعاون معهم؟ هل يريدونه أن يصبح مخبرًا، وكاتب تقارير، حسن، الوحدة تستحق أن يكون جنديًا في صفوفها.. وهو يريد الخروج من هذه الورطة، ويفكّ نفسه من بين أيديهم التي لا ترحم، ولا سيّما أنهم هددوه، بكلام فصيح، إن لم يتعاون فسيبقى عندهم، ولن يعرف الذباب الأزرق مكانه و..

قبِلَ “التعاون”، ووعدهم أن يكتب لهم “كل الأحداث المهمة” في القرية؛ فأطلقوا سراحه، بعد أن ربّت المسؤول على كتفه، وهو يصفه بأنه رجل وطني، وأنهم كانوا متأكدين من غيرته على الوحدة، وحبه للزعيم، وسينتظرون تقاريره، فانتفخت أوداجه، وخرج من عندهم مثل الأبطال الذين جرّحتهم الحروب الكثيرة، وحين ودّعه المسؤول بكلمة: لا تؤاخذنا، كاد يُقبّله وهو يعتذر له، ويقول: أنا من يجب عليه عدم مؤاخذتكم.

وصل إلى القرية غير قادر على المشي الصحيح. كان يعرج ويتوقف لإراحة قدميه المتورمتين، النازفتين، لكنه -كما أوصوه- لن يخبر أحدًا بشيء، لا بالفلقة “بنت الكلب”، ولا بموافقته على الكتابة لهم عن الأحداث المهمة في القرية. ربما سيحدثهم عن شكر المسؤولين له لما يقوم به من دور ريادي في تعليم أطفالهم.. وربما يمغمغ بضع كلمات غير مفهومة، ويتركهم يتساءلون عن أهميته.. ولكن، أيّة أحداث في هذه القرية المنفيّة، المبعثرة، وأية أمور مهمة فيها، غير اختلاف أم محمود مع أم غازي، حول أي بيضة أكبر، وكم باضت الجاجة البرشة من بيضات برشت، وبصفارين، وردّ أم غازي بأن دجاجاتها أفضل، وبيّاضات.. أو انتظار العم أبو رحيل الذي يجيء كل نصف شهر لشراء البيض، مقابل بعض الحاجات.. وكيف يبصبص اللعين على النساء! أو حكاية كلب أبو جاسم مع كلبة أبو راغب، واختلافهما حول الجراء القادمة، ولمن ستكون.. أو هجوم كرّ أبو صطيف على حاكورة أم صخر، والمعركة الكلامية الحادّة التي حصلت، ثم تدخل زوجها، وحلفانه أنه سيقطع ذيل الكر، ويطالب بتعويض الخسائر التي حلّت به نتيجة جريمة ذلك الكرّ الذي يقطع الرسن كل مرة، ويفلت نحو حواكير الضيعة.. أم عنزات أبي شوايش التي تفلت أحيانًا، فتعتلي شجرة المشمش الوحيدة لأبي الفوارس…؟

أية أحداث مهمة، أو معادية في هذه القرية، والناس تمضي أيامها كما اعتاد الآباء والأجداد بانتظار المطر، والموسم؟!

لا يوجد شيء يستحق الكتابة.

لكن عين الدولة ساهرة على الأمن.. مفتوحة على كل نأمة وحركة، ولن تنسى وعود الأستاذ أحمد بالكتابة عن الأحداث المهمة، وموافاتهم بها في تقارير دورية!!

بعد أقل من شهر، عادت تلك “اللاندروفر”، تُثير زوابع الغبار، وخلفها كومة أولاد يتراكضون، ويتصايحون، والأستاذ قلبه ينط ولا يحط. وكالمرة الأولى اتجهوا إليه، وعيون كبيرهم حمراء تمامًا، ولهجة التهديد تسبق صراخه: – أين التقارير التي وعدت بها، أيها الكاذب المأفون. يبدو أنك لم تتربَ، مما شفت، وكنا لطفاء جدًا معك.

حلف، وأقسم أنه لم تمر أية أحداث مهمة في القرية، وأنه متعاون معهم ومخلص جدًا، لكن لم يحدث شيء يستحق الكتابة.

قال كبيرهم: لا شيء! أنت تكذب، وتعرف عقوبة من يكذب على الدولة…

قال: سأكتب لكم خلاصة الأحداث.

وبكل جدّية واهتمام، خطّ لهم تقريره الأول والأخير:

“الوضع هادئ، والأمن مستتب”.