حسام عبد الرزاق

يُخطئ من يظن أن المصطلحات العلمية والتعريفات التصورية والأقوال الشارحة، في أي علمٍ من العلوم، تخضع للاعتبارات والظروف والقرائن الحافّة بها، وتتغيّر بتغيّر هذه الاعتبارات وتلك الظروف وهاتيك القرائن؛ إذ هي أمور عقلية مجرّدة لا تخضع لشيء سوى القوانين العقلية النّاظمة والمقنّنة لهيئة وضع التعريف وبنائه وصورته، وأيّ إخضاعٍ للمصطلح أو التعريف، لأي نوعٍ من أنواع التأثيرات الخارجية؛ سيُخرج التعريف أو المصطلح عن مُهمّته التي وُضع لها، والمتمثّلة بشرح طبيعة الأمر وماهيّته وحقيقته، مع العلم أنّ ماهية الأشياء وحقائقها لا تتغيّر، وإن اختلفت الظروف أو تغيّرت الأزمنة أو تبدّلت الأمكنة، فماهية الإنسان وحقيقته –مثلَا- لا تتغيّر مهما طرأت عليها من ظروف أو حفّتها من قرائن، فالإنسان هو الإنسان، لا يمكن أن يتغيّر تعريفه تبعًا للأزمنة أو الأمكنة أو الظروف؛ لأن مصطلح “الإنسانية” ما وُضع إلا للتعبير عن الحقيقة العلمية العقلية المجرّدة التي تُعبِّر عن ماهيّة الإنسان، وتمكّن الْمُستمع لهذا اللفظ أو المصطلح من استدعاء صورة الإنسان الذهنيّة، بمجرّد إطلاق اللفظ وسماعه، وعلى ذلك فَقِس كل تعريفٍ أو قولٍ شارح لأي حقيقة أو ماهيّة؛ إذ إن تعريفات العلوم كلها، إنسانية أو ثقافية أو طبية أو اقتصادية أو سياسية، موضوعةٌ لهذا الغرض، وإلا لو كانت التعريفات والمصطلحات تتغيّر، كما يشاء المتكلم أو المستمع؛ لتعذّر علينا التفاهم والحوار والنقاش؛ لأن ما سأُدافع وأُناضل عنه سيكون غير ما يَشُنّ عليه غيري الغارة، ويُقيم عليه القائمةَ، ولذلك كان لا بُدّ -كما هو مسطور في كتب آداب البحث والمناظرة- من تحديد المصطلحات والتعريفات وتحرير موضع الخلاف، وإلا لكانت حواراتنا عقيمة ونقاشاتنا سقيمة وفهومنا للشيء الواحد مختلفة.

لعلّ أخطر ما نُعانيه -كشعوب عربية مُنفعلة لأفكار الغير لا فاعلة في الفكر الإنساني- إنّما يكمن في مسألة تبديل التعريفات وخلط المصطلحات وتوسيعها أو تضييقها، تبعًا للأهواء والرغبات والظروف التي كثيرًا ما تختلف وتتبدّل وتتغيّر، خاصة في ظل حالة انعدام الوزن وفقدان التوازن الذي تعيشه الأمة العربية في عصرها الحاضر؛ وبالتالي وصل بنا الحال إلى ما نحن عليه اليوم من صراعات وتمزّقات وتشوّهات فكرية، وعدم اتضاح للرؤية الأيديولوجية؛ وعليه صار لزامًا على العقلاء أن يكونوا على قدر المسؤولية الفكرية والثقافية والحضارية الملقاة على عاتقهم، لوقف نزيف الفكر العربي، وإصلاح تشوهاته التي أنتجت عاهات عقدية وأمراضًا فكرية وإعاقات ثقافية، وصلت إلى حدّ إباحة دم الآخر عند أدنى خلاف أو اختلاف فكري سطحي لا أثر له على أرض الواقع، سلبًا أو إيجابًا.

وممّا يدعو للأسف الشديد، ويُنذر بكارثة هي أعظم وأمَرّ وأدهى مما تمرّ به الشعوب العربية في الوقت الراهن، أن من يدعي التنوير والتطوير والتحديث ومحاربة التطرف الفكري والثقافي والسياسي والإقصاء الاجتماعي، من خلال تطبيق الفكر الليبرالي الذي يُرجى منه أن يكون مظلّة جامعة لأطياف المجتمع العربي كافة، تحت مبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص والتساوي أمام القانون مع احترام المعتقدات وصون الحرمات، هؤلاء هم اليوم -وللأسف الشديد– يقودون دفّة المجتمعات العربية نحو تطرّف أيديولوجي من نوع آخر؛ لكنه في نتائجه وكارثيته سيكون له أثر ذلك التطرف عينه الذي تقوده القوى الظلامية التي لبست، زورًا وبُهتانًا، لَبوس الدين وتزيّنت بزيّه ورفعت شعاراته.

إن بعض من يقود الحركة الفكرية الليبرالية اليوم يحملون بذور تطرف ليبرالي وعلماني خطير ومخيف، من خلال طروحاتهم التي تفتّ في عضد المجتمعات العربية الممزقة أصلًا؛ فغدا هؤلاء خطرًا جديدًا يهدد شعوب منطقتنا ووحدتها وتماسكها، وينذر بشبح حروب ومعارك جديدة نحن اليوم -أكثر من كل وقت- بحاجة إلى تفاديها ووأد نارها، قبل اضطرامها واشتعال جذوتها.

الغريب في الأمر، أن الفكر الليبرالي الذي أنتج في الغرب مجتمعات متماسكة، وعدالة اجتماعية قلّ نظيرها، وديمقراطية حاكمة، وحرية فكرية واحترامًا للخصوصية الفردية أو المجتمعية.. أنتج الليبرالية التي زادت الانشقاقات والتصدعات في البنية المجتمعية العربية، على أيدي مجموعة من الساسة والمثقفين الذين رفعوا شعار الليبرالية والعلمانية، لكن ليبراليتهم وعلمانيتهم كانت من نوع خاص، لا يشبه تلك الفكرة التي طرحها أولئك المفكرون الغربيون، ووضعوا لها حدودًا وتعريفًا جعلها مقبولة وقابلة للتطبيق؛ بل كانت نسخة مشوهة، وجنينًا غير شرعي، ووجهًا آخر للإرهاب الفكري والثقافي المنظَّم؛ فأيّ فرق بين من يستبيح قتل المخالف له في الاعتقاد، وبين من يقتل المخالف له في الفكر أو التوجّه.

إننا اليوم بحاجة إلى ثورة فكرية وانتفاضة ثقافيَّة وحراك أيديولوجي، يُحدد المصطلحات، ويُحرر مواضع الخلافات التي ازدادت وتعاظم شرها وخطرها، فشعوبنا العربية ليست بحاجة إلى مُسمّيات برّاقة وشعارات رنّانة ومصطلحات تخديرية؛ تجعلنا نُحارب فكرًا لحساب فكر آخر، لا يختلف في نسخته العربية المصطنعة الشوهاء عن فكر من استخدموا الدين ذريعة لقتل الناس واستباحة دمائهم، فغدونا بين إرهابَين؛ أحدهما ذو لحية والآخر حليقُها، وبين قاتلين أحدهما يلبس جلبابًا وقباء والآخر يلبس بنطالًا وربطة عنق، وكنتيجة للفكر المتطرف لكلا الفريقين؛ سيكون المواطن العربي البائس هو الضحية أو السجين أو المقهور.

أمام كل هذا، كان لا بدّ من وقفة تأمّلية فكرية تبحث في المسمّيات لا في الأسماء، وتسعى خلف الغايات لا خلف الألقاب والمصطلحات، كما لا محيصَ عن حراك يُعيد الشعارات المرفوعة إلى حدودها التعريفية المعروفة، وألا نرضى بنُسخ مشوّهة قبيحة من العلمانية أو الليبرالية التي يسعى بعض السّاسة الحمقى إلى تطبيقها، بما يخدم مصالحهم وبقاء امتيازاتهم والحفاظ على عروشهم، فتراهم يخرجون على شعوبهم بتفسيرات لها تُناسب مقاسهم، بحجّة اختلاف الظروف أو المكان أو الزمان أو القرائن، علمًا أن النُسخ الحقيقية من الليبرالية والعلمانية قد تم تطبيقها من قبل السياسيين الغربيين في ظروف وأماكن وأزمنة هي أقسى وأعقد بكثير مما تمر به مجتمعاتنا العربية اليوم؛ لكن تطبيق الليبرالية بنسختها الأصلية وبمفهومها الحقيقي لا يخدم الطبيعة التسلطية لبعض السياسيين وخدمهم من المفكرين والمثقفين.

إذن، معركتنا الحقيقية اليوم هي لجم الإرهاب كله، أيًا كان مصدره أو الداعي إليه أو الفكر الذي يتبنّاه (دينيًا كان أو لِيبراليًا)؛ لأن الإرهاب هو الإرهاب، والقاتل هو القاتل، وإن اختلف فكره أو لونه أو مكانه أو زمانه، وذلك لن يؤتي أُكُله إلا إذا انتصرنا في معركة قصرِ الألفاظ على معانيها، ومنع الخلط في المصطلحات الذي أودى بنا إلى المهالك؛ إذ ليست العبرة بالأسماءِ بل بالمسمّيات، ولا بالألفاظ بل بالمعاني، ولله درّ القائل: (العِبرة، في العقود، بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني).