خضر زكريا

شجعني الصديق الدكتور حازم نهار، المدير العام لمركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، على إعادة طباعة بعض كتبي، في دار (ميسلون) للطباعة والنشر والتوزيع، التي أنشأها المركز مؤخرًا. وفي إطار التحضير لإعادة طبع كتاب (خصائص التركيب الاجتماعي في سورية)، أردت أن أكتب تقديمًا، أوضّح فيه كيف أن الكتاب “الجامعي” كان “مؤممًا”، لصالح جامعة دمشق، كما كان الأستاذ الجامعي نفسه، بحيث يظل الكتاب حبيس قاعات التدريس، ويحظر على الأستاذ نشره خارج إطار الجامعة. ولطالما طالبني باحثون في علم الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع أن أنشر هذا الكتاب بالذات؛ كونه يتناول موضوعًا يهم هؤلاء الباحثين، سواء من الناحية النظرية – المنهجية، أم من الناحية التطبيقية على مجتمع معين، في حقبة تاريخية محددة؛ لكنني لم أتمكن من ذلك، لأن “حقوق التأليف والطبع والنشر محفوظة لجامعة دمشق”، ومقابل ماذا؟ لا أذكر رقم المكافأة التي دُفعت لي مقابل تأليف الكتاب بالضبط، لكني أذكر أنها لم تكن أكثر من مكافأة مقال بحثي في مجلة علمية محترمة.

أردت أن أستوضح متى توقفت الجامعة عن نشر الكتاب وتدريسه، (طُبع الكتاب خلال العام الجامعي 1989/1990، وتقاعدتُ من العمل في الجامعة عام 1997). ولشد ما كانت مفاجأتي كبيرة، عندما قيل لي أن الكتاب ما زال معتمدًا، ككتاب جامعي للتدريس، حتى وقت قريب، وربما حتى اليوم. سبب المفاجأة ليس أن مكافأة التأليف دفعت مرة واحدة، بينما تتواصل إعادة طبع الكتاب سنويًا، منذ أكثر من ربع قرن، فهذا أمر مفهوم لمن يعرف كيف تتعامل جامعة دمشق مع أساتذتها ومؤلفاتهم. بل سبب المفاجأة أن كتابًا في علم حسّاس، كعلم الاجتماع، وحول موضوع شديد الحساسية، كموضوع تركيب المجتمع السوري، ألفه أستاذ “مارق”، ظل يُدرّس لطلبة الجامعة كل هذه السنوات.

شرح لي أحد الزملاء قائلًا: هذا أمر طبيعي. فلا أحد يهتم لما يقرأ، لا من المدرسين ولا من الطلبة، المهم الحفظ والنجاح. لكن الأهم من ذلك هو: مَن بقي في جامعة دمشق ليؤلف كتبًا في الفلسفة أو علم الاجتماع؟ لقد رحل الأساتذة المؤسسون لقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية، وغادر القسمَ أهم أساتذته. ومَن بقي في القسم إما أنه من أولئك الذين لا يحسنون سوى التطبيل والتزمير للنظام المستبد الفاسد، أو أنه من أولئك الذين يخشون قطع رزقهم ورزق عيالهم، إذا رفعوا صوتًا أو كتبوا كلمة لا ترضى عنها الأجهزة الأمنية.

لكن، لهذا الكتاب قصة أخرى.

عندما عدت إلى سورية، بعد حصولي على الدكتوراه عام 1971، كان يفترض أن أعيّن مباشرة عضوًا في الهيئة التدريسية لجامعة دمشق، كوني أوفدت لصالحها على حساب الحكومة السورية. لكن أحد الأجهزة الأمنية طلب من وزير التعليم العالي عدم تعييني، قبل التدقيق في أطروحتي المكتوبة باللغة الروسية، حول ثورة التحرر الوطني في سورية؛ فطلب مني الوزير ترجمة الأطروحة، وتقديمها له فصلًا بعد فصل. وهكذا جلست في البيت دون عمل (سوى الترجمة)، ودون دخل، مدة عام كامل، قبل أن يتدخل أحد أصدقائي السابقين، الذي صار مسؤولًا مهمًا، من أجل تعييني في الوظيفة التي أوفدت من أجلها. وكان ذلك بسبب تقرير أُرسل من موسكو، يقول إن الأطروحة تتضمن نقدًا لحزب البعث الحاكم.

في ذلك الوقت، لم يكن النظام قد تحول إلى نظام الحاكم الفرد الذي رُفع إلى مصاف الآلهة، أو كاد، ولم تكن الأجهزة الأمنية قد تغولت إلى الدرجة التي صارت معها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة من حياة الناس. وكان ما يزال، في الحزب وأجهزة السلطة، من يعبّر عن رأي مستقل نسبيًا، أو يتدخل من أجل إحقاق حق، لا يمس سلطة الحزب وأجهزته، وكان لا يزال هناك من يفكر بـ “الوحدة والحرية والاشتراكية”، وبأنه “لا اشتراكية بدون اشتراكيين”؛ ومن هذا الباب أمكنني دخول الجامعة، عضوًا في هيئة التدريس.

تضمنت أطروحة الدكتوراه المشار إليها قسمين: الأول يبحث في التركيب الطبقي للمجتمع السوري، والثاني يتناول التطورات السياسية التي شهدتها سورية، منذ الاستقلال حتى مطلع سبعينيات القرن العشرين، ويبحث بالتالي في دور حزب البعث، قبل استلام السلطة وبعده. واكتفيت بترجمة القسم الأول، بطبيعة الحال، إذ قدرت النتائج التي ستترتب على اطلاع أجهزة الأمن على محتويات القسم الثاني. لم يكن يهم تلك الأجهزة أي نظريات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية يستند إليها الباحث. المهم أن لا يتم التعرض للحزب الحاكم، أو لقادته، بأي نقد.

وعلى هذا النحو؛ صار القسم الأول من الأطروحة، المادةَ التي استند إليها القسم الأول من كتاب (خصائص التركيب الاجتماعي – الطبقي في سورية). أما القسم الثاني، فيتضمن نتائج بحوث ميدانية أشرفت على إجرائها، أثناء عملي في جامعة دمشق، خلال الفترة 1985-1989، حول محددات هجرة الريفيين السوريين إلى المدن، وآثار تلك الهجرة على التركيب الاجتماعي في سورية.

هكذا إذًا، سيُطلق سراح الكتاب من محبسه، ليرى النور بعد نحو ثلاثة عقود من تأليفه. إلا أن القضايا التي يتناولها الكتاب بالبحث ما زالت راهنة، على الرغم من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع السوري، خلال تلك الفترة. فالأطروحات النظرية للكتاب، والاستنتاجات التي توصلت إليها بحوثه، لا تزال صحيحة، بل ضرورية وملحة.

إن فهم الفسيفساء المعقدة لبنية المجتمع السوري، بطبقاته وفئاته وشرائحه الاجتماعية المتعايشة والمتصارعة في الوقت نفسه، وفهم العوامل الجوهرية التي تؤدي إلى نزوح الريفيين السوريين المتواصل نحو المدن، يشكل الخلفية التي لا بدّ منها لوضع أي استراتيجية، لإعادة بناء المجتمع السوري، بعد ما تعرض له من دمار على يد النظام الأسدي وصنائعه من المتطرفين الإسلامويين. فضلًا عمّا تمثله أطروحات الكتاب واستنتاجاته من رؤية منهجية معينة، تهم الباحثين في قضايا البناء الاجتماعي بوجه عام، وبناء المجتمعات العربية بوجه خاص.