د.عزة عبد القادر

لا أعرف حقاً من صاحب مقولة (العلم في الراس مش في الكراس) ولكن بالتأكيد وراء هذه الجملة الغريبة شخص فهلوي جدا مصطتع للمعرفة والعلم ، فهو يدعو بالتأكيد إلى نبذ التعلم والدراسة ويكفي أن نعتمد على عقولنا ، فنحن من الممكن أن نفهم كل شيء بأنفسنا دون مساعدة أحد ، فلا نحتاج إلى من يعلمنا أو يوجهنا ، وهذا بالطبع يعد نوعاً من البلطجة التعليمية ولكنها البلطجة المحببة لنفوس الفئة المتكاسلة التي سمحت للظالمين والمستعمرين بغسل عقولهم وملأها بما يتناسب مع سياساتهم ، فقد دأب المحتلين واللصوص على محو الثقافة وطمس العلم ، وذلك بدافع إخضاع الشعوب لإرادتهم وتحت سيطرتهم .
إن النظم المستبدة تعرف جيداً إن الشعوب المتعلمة هي التي تعرف حقوقها ومصالحها ، ولهذا فإنهم يعملون دائما على تكريس بذور الجهل من خلال حشو عقول الناس بالأفكار التافهة والروايات الخرافية ، وإشعارهم بأنها حقائق واقعة وأن تجاهلها يعد تخلفا ، فالمستبد يوجب عليهم ويلزمهم بمواكبة التخاريف والشائعات ، بل ويشجعهم على صناعة الكذب وتزيينه ، فمثلاً نلاحظ من خلال متابعة القنوات الإعلامية لبعض الدول العربية إثارة عدد من الموضوعات عديمة الفائدة والتباهي بتداولها ، بل وتكرارها وعقد مؤتمرات ونقاشات بشأنها .
فمثلاً في مصر وتونس نجد الإعلام يتناول مسائل معقدة جدا مثل قضية زواج المرأة المسلمة من رجل مسيحي ومدى حرمانية ذلك الأمر ، وهل يمكن السماح بهذا الزواج أم لا ؟ وشكل هذا الزواج هل هو رسمي أم عرفي ؟ وهل الفتاة المسلمة التي تقدم على هذا الأمر مرتدة أم غير مرتدة؟ وهل الحب أقوى من الدين أم الدين أقوى من الحب ؟
إلى آخر تلك الإستفسارات .
حقيقة فإن إثارة تلك القضايا يعد بلا فائدة ، فإنها لا تقدم أي جديد للمشاهد ، بل وتثير إستفزاز كثير من الناس وتؤرقهم وتشتت أفكارهم ، فقد استقر المسلمين والمسيحيين على أحكام وتقاليد دينية محددة يعتبرونها جميعا من البديهيات ، ولهذا فإنهم يتعجبون بخصوص تناول تلك المسائل الشائكة ، والعكس صحيح فإن البعض يرى تلك القضايا فرصة للتفلسف خاصة رجال الدين ،والمتحذلقين ، ومن جهة أخرى يجد بعض الساخرين في هذا نهجاً للكوميديا من خلال تقليد الساسة وعلماء الدين ، مما يجعل الشباب يرون هذا نوعاً من الترويح عن نفوسهم فيتبعوا ذلك الساخر ويتخذوه قدوة ، وهو مجرد أراجوز سفيه .
فلا نتعجب إذن أن يصدر قرار رئاسي في دولة تونس الشقيقة يدعو إلى مساواة المرأة بالرجل في الميراث وكذلك تحرير المرأة وإعطائها الحرية الكاملة في الزواج من رجل يختلف عنها في الديانة والمذهب ، فالجميع أصبح يتحدث في الدين ويصدر فتاوي ولا نعرف حقيقة ما علاقة رئيس جمهورية بالأحكام الشرعية .
اذن لا يوجد مشكلة على الاطلاق يمكنك إصدار فتوى كيفما شئت في بعض الدول العربية ، فهناك فتوى بالشطة – أو فتوى بالأرز واللحمة أو فتوى سادة ، المهم ان الفتاوى جاهزة دائما مادام رجال الدين المنافقين موجودين .
والذي نود الإشارة إليه في هذا الأمر هو السؤال في أهمية إثارة تلك الموضوعات ، فما الذي يشغلنا في إرتداد فتاة عن الإسلام وتحولها للنصرانية ، أو إعتناق شاب مسيحي للدين الإسلامي ، هل معرفتنا بالأمر سترجعهم عن ما يفكرون فيه ، إن الدين لله وحده ، فكم من مسلم مكتوب في بطاقته ذلك لكنه ليس مسلم على الإطلاق فالقلب لا يعلمه إلا الله ، النقطة الثانية – هل إنتقال فتاة أو شاب من دين إلى دين سيحل المشكلات الإقتصادية التي نعاني منها في الوطن العربي ، هل حصول المرأة على ميراث مثل الرجل سيساعد الفقراء في بلادنا العربية .
فهل ترك الساسة الكوارث الإقتصادية والمشكلات السياسية واتجهوا الى إصدار الأحكام الدينية ؟.
مرة أخرى ينتفض العالم العربي ليتابع مؤخراً حدثا جديداً ، لكن تلك المرة ليس في تونس ، لكنها المملكة العربية السعودية ، إن شبكات الإعلام على مستوى العالم تتناول الخبر ، لقد أصدر خادم الحرمين الشريفين أمراً ملكياً هاماً حيث سمح للنساء بقيادة السيارة بكل حرية ، ليخرج بعدها علماء السلطان في السعودية ويحللوا الأمر ببساطة شديدة وقد نسوا أو تناسوا إنهم هم أنفسهم من حرموه تحريماً شديدا قبل ذلك ، ولكن ما المشكلة انهم يفعلون اي شيء من اجل عيون السلطان .
المهم ان المواطنين السعوديين مثلهم مثل التونسيين وكذلك المصريين تم إلهائهم عن القضايا الأساسية التي يمثل تداولها معضلة وكارثة كبيرة ، فلا يستطيع المواطن السعودي أن يسأل عن سبب إنخفاض سعر البترول السعودي ولا يجرؤ أي شخص سعودي ان يتحدث عن حرب اليمن ، وعن سبب دخول المملكة في هذا الصراع ومتى يمكن ان ينتهي الصراع؟
لقد تم تغييب العالم العربي وإلهائه في قضايا فارغة ، وتم القضاء على ثورته بغرض إذلاله وسرقة خيراته .
الحكام العرب لا يريدون للمواطن العربي أن يعرف حقوقه ، فالحاكم المستبد لا يتخيل ابدا ان يرى أحد العوام يسأله عن ثمن موكبه الذي يحتمي به من أين أتى بتلك الأموال .
ولا يمكن أن يقبل هذا المستبد أن يخرج له بعض المواطنين يستجوبونه ( من أين لك هذا؟) مثلما سأل المواطنين الإنجليز رئيس الوزراء عن ماكينة القهوة (من أين لك بتلك الماكينة؟) هل هي من أموال الشعب البريطاني ؟ فقدم ديفيد كاميرون رئيس الوزراء الأسبق الدليل على أن تلك الماكينة من أمواله الخاصة وليست من أموال الدولة .
اللهم ارزق شعوبنا العربية بثورة تسقط كل الظالمين والمستبدين ،اللهم ثورة لا تبقي ولا تذر.

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر