المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: مؤتمر “الشعوب السورية”؛ الدافع والتوقيت

ثالثًا: الصراع بين روسيا والغرب عند منعطف سوتشي

رابعًا: خاتمة

أولًا: مقدمة

في عالم الدول على وجه الخصوص لكل دولة استراتيجيتها، هجومية كانت أم دفاعية، واسعة أم محدودة، واضحة وعلنية أم خفية وضبابية، إلى كثير من التوصيفات في هذا المقام، تُحدّدها قدرات الدولة المعنية ونظرتها إلى نفسها وإلى الأهداف التي تتوخاها لتحقيق مصالحها البعيدة منها والقريبة. وروسيا بوصفها دولة كبيرة لا تشذّ عن هذه القاعدة، وبما أنها باتت واحدة من أهم اللاعبين في الصراع السوري، فإنه من الطبيعي أن يشغل البحث، فيما تريده من سورية وما تمارسه، حيزًا واسعًا من اهتمام الدول والهيئات والمتابعين ومحاولة فهمها، واستشراف الشكل الذي سيرسو عليه هذا الصراع الدامي الذي بدأه شعب من أجل حريته وكرامته في مواجهة نظام مستبد، وتحوّل بإرادة هذا النظام بصورة أساسية إلى صراع دولي وإقليمي، أخرجه من محليته، ورتب حتى الآن على السوريين تكلفة باهظة في الأرواح والعمران، سوف ترهق مستقبل سورية إلى مدى زمني طويل.

أخذت روسيا موقف النظام من الثورة السورية منذ لحظة تفجرها الأولى، فأمدته بالسلاح والخبرات، وأمّنت له الغطاء السياسي في المحافل الدولية، واستخدمت حق النقض (الفيتو) للمرة التاسعة أيلول/ سبتمبر الفائت. ومنذ 30 أيلول/ سبتمبر 2015 تدخلت بكامل قوتها الجوية، فقتلت آلاف السوريين، ودمرت مدنًا كانت أكبرها حلب، واستطاعت أن تقلب موازين القوى لمصلحة النظام بعد أن كان موشكًا على الانهيار.

مرتان تجاوبت فيهما روسيا مرغمة مع الجهد الأممي لوقف هذا الصراع، أولهما عام 2012 عندما وافقت على تمرير بيان جنيف 1، لأنها لم تكن قادرة على مواجهة الضغوط الدولية، وثانيتهما عندما تعهدت بسحب سلاح النظام الكيماوي، بعد أن ضرب الغوطتين في آب/ أغسطس 2013، بموجب القرار الأممي 2118/ 2013. لكن، كل جهدها الدبلوماسي في المحافل الدولية، وممارساتها السياسية ومؤتمراتها ومبادراتها، تتلخص بالالتفاف على هذين القرارين ومنع تنفيذهما، وحماية نظام الأسد من أن تطاله يد العدالة الدولية، أو أن يُجبر على التنحي تنفيذًا لمقتضيات جنيف 1. فكان السوريون أمام سلسلة من الهدن والمصالحات، ثم مسار أستانا، ومناطق خفض التوتر. وآخر ما تفتّق عنه الروس مؤتمر “الشعوب السورية”، الذي تحول إلى “مؤتمر الحوار الوطني”، مع ملاحظة أنه قد أُجِّل موعده الذي كان محددًا في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري إلى أجل لم يُحدد بعد.

يرتبط التساؤل حول ما تريده روسيا من سورية بالتساؤل حول دوافعها وممارساتها على الساحة السورية عسكريَا وسياسيًا، كما والتساؤل حول حظوظها من النجاح بعد كل ما فعلته. ولقد ذهبت معظم التحليلات للإجابة عن هذه التساؤلات في منحيين أو تفسيرين، أولهما رغبة روسيا في أن يكون الصراع في سورية بوابتها للعودة إلى المسرح الدولي كقوة كبرى مُعترف بها، قادرة على التدخل في الأزمات الدولية وضبط صراعاتها واجتراح حلول لها قابلة للثبات، وإرضاخ القوى الدولية الفاعلة للدخول معها في شراكات وتكليفات تضمن لها مصالح حيوية في العالم، مستفيدة من حالة تراخي سياسة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما؛ وثانيهما أن التدخل الروسي بهذا الشكل هو نوع من حرب استباقية، في ساحة قريبة وحساسة، في مواجهة الغرب الذي أرهقها بالعقوبات أو بالحرب الأوكرانية أو بتمدد الأطلسي وغيرها، ودفعه إلى التفاوض معها لحل هذه الملفات العالقة.

لم يكن الحصاد الروسي مجزيًا حتى الآن، فكل ما أنجزته روسيا لا يتعدى الحفاظ حتى الآن على النظام، وهو إنجاز عسكري بكلفة أخلاقية وسياسية كبيرة، لا يبدو أنه سيتحول إلى إنجاز سياسي معترف به على الرغم من الهدن ومناطق خفض التصعيد واستعادة النظام وحلفائه لأراض واسعة كانت خارجة على سيطرته، ذلك أن الصراع ما زال قائمًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات. لكن، أكثر ما يقلق روسيا هو غموض الإستراتيجية الأميركية وإدارتها الظهر لكل الجهد الذي تحاول روسيا من خلاله ترجمة إنجازها العسكري في حقل السياسة وفتح باب التفاوض مع الغرب.

أيًا كانت الديناميات الدافعة للإستراتيجية الروسية في العالم وفي سورية، فإن حظها من النجاح سيبقى تحت السؤال. فقد أثبتت روسيا عمليًا، أنها لا تحمل إلى العالم رسالة يُعتدّ بها، فالقتل والتدمير والاستخدام المفرط للقوة وامتهان مسؤوليها الخداع والتضليل والادعاء، ليس بالبوابة الملائمة لولوج مسرح القرار الدولي.

ثانيًا: مؤتمر “الشعوب السورية”؛ الدافع والتوقيت

فجأةً، ومن دون دون مقدمات، طرح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في مؤتمر فالداي للحوار نيّة روسيا عقد مؤتمر لـ “الشعوب السورية” في )قاعدة حميميم العسكرية( في اللاذقية، وأنها ستدعو له ما بين 1000 و1300 من ممثلي مختلف “المكونات السورية”، القومية والإثنية والطائفية، وأحزاب ومعارضين، ومشاركين في هدن ومصالحات، وطبعًا نصف المقاعد محجوزة للنظام وطيفه، وذلك لـ “الحوار” حول دستور جديد وانتخابات برلمانية ورئاسية بناءً على تصريح أحد المسؤولين الروس، الذي ادّعى أن الرئيس السوري وافق على إجراء إصلاحات وتأليف حكومة موسّعة وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مُبكّرة، لكن تسرّب فيما بعد أن النظام وافق على انتخابات برلمانية فقط، شرط ألّا تكون تحت إشراف أممي.

أثار المؤتمر الذي كان مقررًا عقده في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، زوبعة من ردّات الفعل والتعليقات، وأخذ عليه المتابعون أنه يفتقر إلى التحضير وإلى برنامج عمل واضح؛ كما أثار موجة من الاستهجان، بدءًا من التسمية التي حاول الروس تبريرها بأنها كانت زلّة لسان، من رئيس لم تُعرف عنه زلّات اللسان، والذي ربما أراد سحب تجربته الشيشانية على سورية، الأمر الذي دعا الروس إلى تغيير اليافطة بحيث أصبحت “مؤتمر الحوار السوري”، وإلى العدول عن عقده في (حميميم) بعد الانتقادات التي وُجّهت لهم، من فرنسا خصوصًا، بأنه من غير المنطقي عقد مؤتمر للسوريين ضمن قاعدة عسكرية جوّية روسية، ما يوحي بأنهم سيكونون جميعًا تحت العصا الروسية، علمًا بأن الروس يعتبرون (حميميم) “أرضًا روسية”، وقرروا، من ثمّ، نقل المؤتمر إلى سوتشي، المنتجع الروسي الشهير.

من المفيد التأكيد هنا أن إشكاليات المؤتمر لا تتوقف على قصور التحضيرات وجداول العمل، لأن هذا آخر ما يهمّ روسيا، ذلك أن جلّ همها ينصبّ على دفن فكرة (الانتقال السياسي) التي نص عليها جنيف 1، عبر تسويق توصيف للصراع الدائر، بأنه لا يعدو أن يكون حربًا بين مكونات أهلية متنازعة، وأن روسيا من خلال جمعها هذه المكونات وخروجها بدستور مقبول، سوف تتوصل إلى الحل المجدي لإنهاء هذا الصراع. وإذا ما تمكنت من تسويق هذه الفكرة، يكون المؤتمر قد أدى غرضه بالإبقاء على الأسد ونظامه، مع بعض الرتوش التجميلية، وبإعادة فرض سيطرته على شعب خرج للخلاص من استبداده، وطلبًا للحرية والكرامة. ولا ضير في أن يأخذ المؤتمر شكل سلسلة من الجولات على غرار نظيره في أستانا.

أعلنت الخارجية الروسية أسماء ثلاثة وثلاثين كيانًا وحزبًا سوف تُدعى إلى المؤتمر، وجرى الإعلان قبل أن تأخذ روسيا موافقة أيّ منها، إلا أن ردود (المعارضة السورية التمثيلية) كان سلبيًا ورفضت الحضور، حيث أعلنت (الهيئة العليا للمفاوضات) المنبثقة من مؤتمر الرياض أنها ترفض الدعوة الروسية، وأنها لا تقبل بأن يُناقش مستقبل سورية إلا في الإطار الأممي القانوني. كذلك أعلن (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة) رفضه المشاركة معتبرًا أن مؤتمر سوتشي هو محاولة روسية للالتفاف على جنيف 1 والقرارات الدولية ذات الصلة. والموقف ذاته أعلنته الفصائل العسكرية المعارضة المشاركة في أستانا، حيث اعتبرت المؤتمر “حوار النظام مع النظام”. وكذلك أعلن الجيش الحر رفضه الحضور.

من جانب آخر، أعلنت الأمم المتحدة على لسان الناطق باسمها أنها “لا تعتبر مؤتمر سوتشي مؤتمرًا أمميًا، وأنها ما زالت تدرس حيثيات المؤتمر”. كذلك رفض المبعوث الأممي، دي مستورا، الحضور كي لا يعطي المؤتمر شرعية دولية، حيث كانت موسكو قد طلبت منه وضع أجندة المؤتمر، لكن الشروط التي وضعها لتلبية الدعوة، وجرى رفضها، جعلت موسكو تقصر دعوته على المشاركة فقط؛ كما أنه حدد موعدًا جديدًا لجولة جنيف الثامنة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، وحتى قبل أن يجري توحيد وفد المعارضة كما كان يُطالب وغيره من الأطراف، ومنهم الروس.

من جانبها، أعادت واشنطن ترديد مقولتها حول مستقبل عائلة الأسد، وأنها سوف تعمل على إعادة الحياة لمسار جنيف. أما الموقف التركي فقد عبّر عنه الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، في مؤتمر صحافي قال فيه إن بلاده “لا تقبل بوجود ما سماها تنظيمات إرهابية في اجتماعات أستانا، كما ترفض الموقف الروسي بدعوة (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي)، كما ترفض الموقف الروسي بشأن مؤتمر الحوار الوطني” والمقصود مؤتمر سوتشي. كما تسرب من كواليس أستانا أن إيران ترفض المؤتمر الروسي، ولا يُستبعد أن يراهن النظام السوري على مواقف المعارضة بإفشال المؤتمر، لأنه وإيران يريدان الحسم العسكري غير عابئين بالأهداف والهواجس الروسية في سورية.

قبل أسبوعين من عقد المؤتمر المنشود، بات واضحًا أن روسيا استعجلته قبل تهيئة الظروف الملائمة التي تُساعد في نجاحه، فوقعت في حالة من التخبط والإرباك، ليس أدل عليها من أنه حتى الآن لم تتبلور أجندة المؤتمر بصورة واضحة، وهي تتغير باستمرار في محاولة من روسيا لضمان أكبر قدر من التوازن بين رغبتها في حضور أكبر طيف سوري (جهوي وسياسي وديني)، وبين ضمان موافقة النظام وإيران على هذا الحضور، كما وضمان تأييد الأطراف الدولية والإقليمية أو عدم اعتراضها على الأقل، وهذا ليس من السهل بلوغه؛ فحجم التناقضات في الأهداف والمصالح أكبر من أن تحتويها الحركات الروسية، وربما أن تصريح بوتين في أثناء لقائه نظيره الإيراني في الأول من الشهر الجاري في طهران يُدلل على إدراك الروس حجم العقبات التي تعترض الخطط الروسية حين قال: “لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تجد حلًا للصراع الدائر في سورية، ولا بدّ من تعاون الدول المعنية، وسوف نطلب من الدول التي لها قدرة التأثير في الأطراف السورية أن تساعد في هذا الاتجاه”. ولم يكن بلا معنى تصريح رئيس الوفد الروسي إلى مباحثات أستانا، الكسندر لافرنتييف، مُحذرًا المعارضة، ومنها الوفد الموجود في العاصمة الكازاخية، من مغبّة مقاطعة المؤتمر بقوله “إن الأطراف التي ستقاطع المؤتمر تُجازف بدورها السياسي”، كما أن تحذيرات بوتين من أن بديل الحل في سورية الذي يعمل عليه الروس في أستانا هو التقسيم، وما يكتنفه من تناقض مع الحجة التي برّرت بها روسيا تدخلها العسكري بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، يحمل رسائل في أكثر من اتجاه، أولها تجاه أطراف المعارضة السورية باستغلال الفرصة المتاحة لإنجاز حلّ قد لا تسنح به التطورات اللاحقة، والأخرى للأطراف الدولية المنخرطة في الصراع بأن روسيا لديها القدرة على إنجاز حل شامل قابل للثبات، وعلى هذه الأطراف أن تتعامل معها على هذا الأساس.

إن إعلان بعض المسؤولين الروس في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري أن مصير المؤتمر يخضع لنقاش، وترجيحهم أن تجري مراجعة الموعد والمكان ولائحة المدعوين التي أُعلنت سابقًا، وحذفت من على موقع وزارة الخارجية الروسية، وهو إجراء يحصل لأول مرة في تاريخ الوزارة، بحجة أن موسكو “تسعى إلى مؤتمر يخرج بنتائج محددة، وتريد تحضيرًا جيدًا له”، يشير إلى حجم العقبات التي اعترضت الدعوة الروسية المتعجلة، وأن المؤتمر فشل قبل أن يبدأ. لا يخفف من مرارة هذا الفشل تأكيد وزير الخارجية، سيرغي لافروف، بأن روسيا “متمسكة بفكرة عقد مؤتمر جامع لمكونات الشعب السوري، وسيجري الإعلان قريبًا عن مواعيد محددة”، ولا الحديث عن صراع بين مراكز القوى داخل النظام الروسي، بين وزارتي الدفاع والخارجية، في بلد يُعتبر مثالًا نموذجيًا في تاريخ الاستبداد، وأن بوتين يقبض بقوة على كل مفاصل السلطة فيه.

ثالثًا: الصراع بين روسيا والغرب عند منعطف سوتشي

كان لافتًا أن روسيا أعلنت عن مؤتمرها في سوتشي عشية الفشل المدوي لاجتماعات أستانا 7، وخروج جميع الأطراف بانطباع متقارب مفاده أن أستانا وصل إلى حائط مسدود، ولم يعد هناك جدوى من استمراره بعد أن تبيّن أن موسكو تبنت رواية النظام حول ملف المعتقلين، أو أنها لا تريد الضغط على النظام في هذا الملف الذي يعتبره حساسًا، وسوف يحتفظ به إلى حين بدء مفاوضات جدية يحاول استبعادها، أو لمفاوضة الغرب عليه، وليس المعارضة السورية. فهناك عشرات الآلاف الذين قضوا تحت التعذيب، أو في سياق التصفيات المُمنهجة التي اتبعها النظام، بشكل خاص في عامي 2011 و2012. والسؤال الذي يحضر حول الدعوة الجديدة، هل جاءت في سياق تغطية الفشل في أستانا، وهذا وارد في العقلية السياسية للروس؟ لكن، لا بد أن هناك حسابات وتقديرات أخرى، بُنيت عليها الخطوة الجديدة قبل أن تفشل هي الأخرى، وتصبح عملية تغطية لفشل بفشل أبعد أثرًا، ومن ذلك أيضًا أن الحرب على (داعش) في مرحلتها الأخيرة، وهذا سيفرض على جميع الأطراف التي رفعت راية الحرب على (داعش)، بما فيها روسيا، أن تكون أمام استحقاقات ما بعد هزيمتها، وتتحدد في سورية بتكثيف الجهد الدولي لإيجاد حل للصراع الذي طال أمده واتسعت تداعياته على الأطراف كافة. ومن الواضح أن الروس حاولوا أن يُنجزوا حلًا يضمن مصالحهم ويتوافق مع رؤيتهم للصراع، ليضعوه، من ثمّ، أمام المجتمع الدولي كأمر واقع للتعامل معه. لكن، هل فات الروس أن الصراع ما زال مفتوحًا، وأن الأطراف الأخرى لديها أجنداتها الخاصة ومصالحها، وهي موجودة في ساحة الصراع، ولن تمرر المبادرات الروسية بهذه البساطة؟ ربما راهن الروس أيضًا على المشكلات الداخلية التي تواجه الرئيس الجديد في البيت الأبيض. لكن، أيًا كانت المشكلات التي تواجه ترامب، فإن الولايات المتحدة واستراتيجيتها، لا يمكن أن تكون رهينة شخص، حتى لو كان الرئيس، على أهمية دوره. وإذا كانت الولايات المتحدة لم تُفصح، حتى الآن، عن استراتيجيتها في سورية، فإن الوقائع التي ترسيها على الأرض تدفع للاعتقاد بأن الأميركيين لن يُفرّطوا بمصالحهم في هذا البلد، ويرجح أنه بعد أن تستتبّ الأمور، لهم ولحلفائهم، شرقي الفرات، سيشهد غربي الفرات تطورات ميدانية من غير المتوقع أن تكون في مصلحة إيران والنظام، ولا حتى الروس. أما إذا راهن الروس على عجز الغرب عن التدخل الفاعل في الملف السوري، وعلى فشل مبادرة الرئيس الفرنسي بتشكيل (مجموعة اتصال) دولية تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وبعض الدول الإقليمية المؤثرة، تلك المبادرة التي لعب الروس دورًا واضحًا في إفشالها على خلفية استبعاد إيران، غير أنه، وبناءً على تاريخ الدبلوماسية الروسية، فإن الروس عملوا على إفشال هذه المبادرة نتيجة ضعف خبراتهم في هذا المجال قياسًا على الدول الغربية التي لها باع طويل في الدبلوماسية، وعليه فهم لا يماسكون الغرب في مثل هذه المبادرات.

حاول الروس مغازلة الأكراد، و(حزب الإتحاد الديمقراطي) على وجه الخصوص، حول إمكانية ممارستهم ضغوطًا على النظام لقبول نظام فيدرالي في سورية إذا تجاوبوا مع المؤتمر، قبل أن يكون هناك قبول بهذا الأمر من الشعب السوري أو ممثليه كما يقتضي منطق الأمور. وعلى ما يبدو، فإن الروس ما زالوا يراهنون على إمكانية استمالة هذا الطرف الكردي، علمًا بأنهم يعرفون طبيعة تحالفه مع الأميركيين، الذي غاص فيه عميقًا، وبات فكاكه منه مُكلفًا، يُضاف إليه الرفض التركي الذي قد يذهب بكل التفاهمات التركية- الروسية.

من جهة أخرى، أعاد الأميركيون الحديث عن مصير عائلة الأسد، وعن نيتهم إحياء مسار جنيف. هذا التوجه الأميركي الآن يمكن فهمه على أنه موجه للروس قبل غيرهم. لكن، وبغض النظر عن مدى جدية الأميركيين في هذا الطرح، فإن الحديث عن إحياء مسار جنيف، الذي لم يكترثوا له كثيرًا في السابق، يمكن أن يؤخذ بجدية أكبر الآن لاعتبارات كثيرة، إضافة إلى كونه يتسق مع القانون الدولي ومع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والتي لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها حتى لو أمكن تعطيلها.

ما زال مجلس الأمن الدولي الساحة الأبرز التي يناكف فيها الروس الغرب على خلفية الصراع في سورية، وكان آخرها استخدام روسيا حق الفيتو للمرة التاسعة ضد مشروع القرار الأميركي الذي طالب بتمديد عمل (آلية التحقيق المشتركة) حول استخدم السلاح الكيماوي في سورية، والتي ينتهي تفويضها السابق في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، لمدة سنة كما جرت العادة. وجاء هذا الاعتراض الروسي على أرضية التشكيك في التقرير الذي قدمته آلية التحقيق في 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى مجلس الأمن، واتهمت فيه النظام السوري باستخدام غاز السارين ضد المدنيين في خان شيخون في 4 نيسان/ أبريل الماضي، بدعوى عدم مهنيته، وأن الخبراء والمحققين لم يزوروا موقع الجريمة، وأن تذرعهم بأن الظروف الأمنية غير مضمونة في خان شيخون، التي تسيطر عليها (هيئة تحرير الشام)، ليس صحيحًا.

ليس من شك في أن الروس يدركون أن أي إدانة للنظام السوري على خلفية استخدام السلاح الكيماوي، هي إدانة لهم، كونهم طرفًا ضامنًا في الاتفاق الذي أبرموه مع الأميركيين عام 2013، وتعهدوا فيه بنزع السلاح الكيماوي الذي كان بحوزة النظام وضمان عدم تصنيعه أو استخدامه من جديد. في هذا السياق يمكن فهم موقفهم الساعي للإجهاز على (آلية التحقيق المشتركة) التي كانوا طرفًا في تأسيسها.

لن تقتصر محاولات الغرب على حصار أو إحراج تحركات روسيا وخططها في مجلس الأمن، فهناك الكثير من الملفات التي سيفتحها في وجهها، ومنها ملف إعادة الإعمار الذي تصرّ الدول الغربية من أجل تفعيله على إحراز انتقال سياسي حقيقي في سورية وفقًا لقرارات مجلس الأمن، وهي أفشلت حتى الآن محاولة روسيا التحكم في هذا الملف، واستخدامه أداةً في تأمين مصالحها عبر الوكلاء الذين كانت ستعهد إليهم بهذه المهمة، باعتبار أنها عاجزة عن تحمّل أعبائها باهظة الكلفة. وقد باشر الغرب بالعمل في هذا المضمار، حيث أعلنت بعض دوله عن مساهمات متواضعة لإعادة بناء البنية التحية في مدينة الرقة بعد تحريرها من(داعش)، وهي خطوة تؤشر على جدية في منع الروس من توظيف هذا الملف في استراتيجيهم في سورية، حيث لم يجدوا أمامهم سوى الاحتجاج بأن الغرب يريد تسييس ملف إعادة الإعمار.

رابعًا: خاتمة

لا تزال روسيا مُصرّة على المضي في استراتيجيتها في سورية، التي تُختصر بالحفاظ على النظام بدعوى الحفاظ على الدولة، وهذه اسطوانة مشروخة لم تعد مسموعة. وقد كشفت ممارساتها حقيقة توجهاتها. فهي لم تحارب الإرهاب الذي ادّعت محاربته إلا لمامًا. وانصبّ جهدها العسكري على تدمير المدن، وعلى إبادة الحاضنة الشعبية للثورة أو دفعها للهجرة، وعلى استهداف فصائل (الجيش الحر) ومحاولة تصفيتها. كما عملت على إضعاف المعارضة السياسية وتشتيتها والتشكيك في شرعيتها، وعلى تصنيع معارضة بديلة تقبل بتوجهاتها. إنها باختصار تريد فرض سلام بالإكراه والقوة، سلام ما بعده سلام، وقد فشلت حتى الآن. وهي بهذا المعنى قوة احتلال وليست وسيطًا يبحث عن حلول قابلة للحياة. فعندما تصرّ على أن الثورة السورية ليست سوى حرب أهلية بين “مكونات متنازعة”، أو بين “شعوب سورية”، فإنها تُسخّف الحقائق، وتتجاهل إرادة الشعب السوري الذي هبّ في طلب الحرية والكرامة في مواجهة نظام الاستبداد، ومن أجل رفع الجور الذي ألحقه به هذا النظام.

درس الفشل في سوتشي مهم للمعارضة السورية التي عليها أن تؤكد الثقة بنفسها. فقد كان رفضها عاملًا أساسيًا في هذا الفشل. وهي، إذا استطاعت ترتيب بيتها الداخلي وتابعت تمسكها بالقرارات الدولية وثبتت على أهداف الثورة، لن يستطيع الروس، ولا غيرهم ممن خذلوها وحاولوا جاهدين نشر حالة اليأس والإحباط في صفوفها، أن يفرضوا حلًا لا يلبّي الحد الأدنى من الأهداف التي خرج من أجلها السوريون، حتى لو جمعت موسكو آلافًا من القابلين بحلولها، من الذين يريدون الحفاظ على النظام.

وإذا كان النجاح والفشل هو نتيجة تراكمات من الفعل، فإن سجل الفشل في الإستراتيجية الروسية المعتمدة في سورية قد ناف على نجاحاتها، التي يمكن أن تُعنوَن في القتل والتدمير. وقد حان للروس أن يُدركوا، بعيدًا من الرهانات والمناورات، أن شعبًا على هذا القدر والقدرة في بذل التضحيات، لن يقبل بأن يجعل من محتليه مُخلّصين له من جحيم أسهموا في صنعه، لا بل عليهم أن يُدركوا بشكل أكثر واقعية أن هناك أطرافًا دولية وإقليمية منافسة وقوية، قد يكون من مصلحتها استثمار الغضب السوري في وجههم، وجعل تدخلهم في سورية مأزقًا مُكلفًا لا قدرة لهم على تحمّل تبعاته.

وفي هذا السياق يمكن الوقوف عند حدثين دالّين؛ أولهما: تأكيد موسكو أن مهمة جيشها في سورية “قد أُنجزت وستنتهي نهاية العام، لكنها ستُبقي على قوة كافية لمنع عودة الإرهابيين”، صحيح أن مثل هذا التأكيد سبق وأن قالته موسكو مرتين من دون أن تلتزمه، لكن الظروف حاليًا تغيرت وأصبح الاحتكاك مع القوات الأميركية وحلفائها على ضفاف الفرات خطرًا، ويمكن أن يؤدي إلى ما لا تُريده موسكو، وقد يكون هذا حفظًا لخط رجعة في حال تطورت الأمور خارج السياقات المحسوبة؛ وثانيهما: الإعلان المفاجئ عن اجتماع بين الرئيسين الروسي والأميركي في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري بناءً على طلب روسي، ومؤكد أن الملف السوري سيكون البند الرئيس على الطاولة في حال تحقق هذا اللقاء الذي ينفيه الأميركيون عشية موعده المفترض. فالمنطقة برمتها ملتهبة، وقد تكون مُقبلة على تطورات يصعب التكهن بحدودها، وربما تريد موسكو أن تبحث مع الأميركيين إمكانية المساعدة في الحل الذي تستعجله.

مركز حرمون للدراسات المعاصرة

جيرون