اللطم في شوارع دمشق وأصل الحكاية

[ad_1]

استفزت مشاهدُ اللطم في دمشق مؤخرًا، وبخاصة في محيط الجامع الأموي ذي الرمزية الخاصة، المسلمينَ في سورية، على مختلف توجهاتهم، سواء كانوا من المؤمنين المواظبين على تأدية العبادات أم من العوام، وحتى شرائح واسعة من المسيحيين، لأنهم رأوا في تلك اللطميات اعتداءً صارخًا على ثقافة المجتمع السوري وعاداته وتقاليده، فالمنطقة الممتدة من أول سوق الحميدية إلى باب دمشق الشرقي مسكونةٌ -منذ مئات السنين- بالمسلمين والمسيحيين بانسجام تام، وكلٌّ منهم يُمارس طقوسه الحياتية من دون أي إزعاج أو تعدٍ، فكان منظر هؤلاء أنصاف العراة الذين يلطمون أنفسهم ويرددون شعارات طائفية، بمثابة الزلزال الذي ضرب عصب الحياة، في هذه الرقعة الممتدة من الجامع الأموي وإلى كنيسة حنانيا.

لإلقاء الضوء على تاريخ نشوء هذه الظاهرة واستفحالها، كان لا بدّ من البحث والتقصي؛ لكونها ظاهرة حديثة العهد نسبيًا بالنسبة إلى السوريين.

يعود أصل الحكاية إلى عام 1982 تحديدًا، وأصل هذه الحكاية هو خليط بين الدم والقار الأسود وعمائم فارس والسياسة القذرة التي كان ينتهجها حافظ الأسد، في إدارة أزمات البلاد، فبعد عامين على انطلاق الحرب العراقية الإيرانية، بدأت إيران بالتفكير بخنق العراق اقتصاديًا، وحرمانه من مصادر دخله وأهمها البترودولار، ولهذا الغرض توجهت إلى حليفها حافظ الأسد الذي كان يُفكّر بالطريقة ذاتها، لكنه كان في الوقت ذاته يبحث عن بديل عائدات النفط العراقي، إذ إنه حتى نيسان/ أبريل 1982 كان ثُلثا نفط العراق يمر من سورية، بمعدل 800 ألف برميل يوميًا، من أصل مليون ونصف برميل.

في ذلك العام، زار وفدٌ إيراني رفيع المستوى دمشق، وتقدّم بعرض لم يكن الأسد بمقدوره رفضه، وهو عبارة عن خمسة ملايين طن من النفط في العام، مليون طن منها مجاني بالكامل، وأربعة ملايين طن بسعرٍ لا يصل إلى نصف السعر العالمي، وبهذه الطريقة؛ لا تكون إيران قد حرمت العراق من العائدات فحسب، وإنما سوقت نفطها عن طريق الأسد، إلّا أن العراق وجد الرد على هذه الضربة الغادرة سريعًا، من خلال زيادة صادراته عبر الأراضي التركية، ومن خلال نقل مئة ألف برميل يوميًا، في خزانات سيّارة عن طريق الأردن إلى ميناء العقبة.

لم يفوّت الإيرانيون فرصةَ اكتشافهم دناءة الأسد وشراهته للنفط، إذ إنهم طلبوا منه السماح لقوةٍ من الحرس الثوري الإيراني بالوصول إلى بيروت، لمواجهة اجتياح شارون للمدينة، وحينئذ استجاب الأسد جزئيًا، وأدخل قسمًا من القوة الإيرانية، ومنع قسمًا من أتباع ابن آية الله منتظري، الذين سرعان ما ذابوا في دمشق فيما بعد.

ولأن لدى الإيراني الحذق كل شيء بحسابه، ولأن حافظ الأسد لم يُسدد ثمن النفط لعام كامل، حدث منتصف عام 1983 اجتماع لإعادة التفاوض حول الاتفاق السوري-الإيراني، وأعلن مدير المصرف المركزي الإيراني أن السوريين لم يُسددوا قرشًا واحدًا، من ثمن أربعة ملايين طن من النفط، وحصل حينذاك بعض الزيارات المتبادلة على المستوى الوزاري بين البلدين، أدت إلى إعادة جدولة الديون الإيرانية على سورية.

لكن في أواخر عام 1983، اكتشف الإيرانيون أن نفطهم الذي أعطوه للأسد يُباع في أسواق روتردام؛ فقررت طهران وضع كل الملفات المختلف حولها على الطاولة، فحصلت من دمشق على إذن بإرسال دفعة جديدة من الحرس الثوري إلى لبنان، إلى سهل البقاع تحديدًا، وهذه المرة دخل جميع أفراد القوة من دون أي عائق من طرف الأسد.

كانت البداية وأصل الحكاية مطلع عام 1984، ومن أجل تسديد ثمن النفط الإيراني الذي كان يذهب لحسابات خاصة لآل الأسد في سويسرا؛ تمّ عقد اتفاق بين طهران ودمشق، سُمح بموجبه لألفي حاج إيراني بزيارة دمشق أسبوعيًا، على متن أربع طائرات (جامبو) من الشركة الإيرانية للطيران، ويُرافق كل مجموعه مُرشد روحي ومسؤول تنظيمي، وبقيمة ألف دولار للحاج الواحد، أي ما قيمته مليوني دولار أسبوعيًا، وثمانية ملايين دولار شهريًا، وبعد أشهر معدودة؛ كانت رحلات الحج هذه محجوزة لخمسة أعوام قادمة، وكان (الحجاج) يبيعون في شوارع دمشق ما جلبوه معهم من فستق حلبي وكافيار، ويشترون بعض الألبسة القطنية والأدوات الكهربائية، وكان الأهم من ذلك كله هو النشاط الدعوي الذي كان يُمارسه رجال الدين الإيرانيون في (المقامات المقدسة) ومحيطها، ولقاءاتهم مع بعض طلاب الحوزة من السوريين.

بعد هذا؛ بدأت ظاهرة اللطم تأخذ مظاهر أكثر جرأة، وبعد أن كانت محصورة داخل الأماكن المغلقة، تمددت إلى محيطها القريب فالأبعد، وصولًا إلى تنظيم مسيرات “كربلائية”، بين مقامي السيدة رقية والسيدة زينب جنوب العاصمة دمشق، وأخذ هذا التمدد يتسارع، بعد استلام بشار الأسد السلطة وراثةً عن أبيه الذي كان يحصل على شيءٍ ما من إيران، مقابل كل خدمة يُقدّمها، أما الوريث فكان يبحث عن رضى (حزب الله) وملالي طهران.

مشعل العدوي
[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]

جيرون