التحديات التي تواجه العمل الثقافي السوري في الشتات



بقلم: ميلينا دراغيتشيفتش شيشيتش*

في زمن الحرب، تواجه المؤسسات الثقافية تحديات عديدة، من رقابة مشددة، وواجبات جديدة، ومطالبات ترتبط بالأمن القومي، ومهمات البروباغندا التي تفرضها الحكومة المستعدة لاستغلال البنية التحتية الثقافية كآلة للبروباغندا، وعلى الجهة الأخرى، النزوح الداخلي والخارجي للفنانين والمثقفين. في حالة سورية، يشكل المنفى -الذي لم يتضح بعدُ إن كان مؤقتًا أم دائمًا- عاملًا بالغ الأهمية، في إعادة النظر في المشاريع التي قد تساهم في بناء الفضاء الثقافي السوري؛ حيث يعاني الفنانون السوريون الموزعون حول العالم، من العزلة والحرمان من حقوقهم الأساسية، ناهيك عن حقوقهم الثقافية والمهنية. ويتعزز هذا بازدياد الحدود الداخلية التي تمنع الفنانين والمؤسسات الثقافية من التعاون، أو حتى التواصل.

يزيد ذلك من المشكلات التي تواجهها المؤسسات الأكاديمية الفنية المضطرة إلى الصراع من أجل البقاء، والحفاظ على الحد الأدنى من أنشطتها. من الصعب جدًا على الأساتذة والطلبة المتبقين، تخصيص الوقت لتطوير المناهج التي تساهم في صقل المهارات الأساسية للفنانين الشباب، فالشؤون المتعلقة بالمهارات الفنية الحديثة لا مكان لها الآن. لذلك، يجب على العمل الثقافي السوري -اليوم- أن يجد وسائل جديدة “للتنظيم”، وأن يتخذ نموذجًا مبتكرًا، يسعى لعبور الحدود المرئية وغير المرئية التي فرضتها السلطة السورية، وأطرافٌ أخرى في الصراع (الميليشيات الطائفية)، والمجتمع الدولي (قوانين تأشيرات الدخول، وحتى المنع من دخول الولايات المتحدة).

تركت حرب تفكيك يوغوسلافيا آثارًا شبيهة على المشهد الثقافي في البلقان، ويعود معظم الفضل إلى المنظمات والمؤسسات الدولية (كولتور كونتاكت النمسا، مؤسسة المجتمع المفتوح، المؤسسة الثقافية الأوروبية)، في إجراء الاتصالات والمشاريع والعمليات المشتركة الأولى، حتى في أثناء الحرب. وكان معظم هذه المشاريع يستهدف الذين بقوا في البلاد، في حين تم نسيان من غادروا، طوعًا أو قسرًا. غير أن برنامجًا واحدًا، يُعنى بالمنح الإضافية للطلبة من يوغوسلافيا السابقة (1993– 2000)، قدم منحًا للطلبة النازحين بسبب حروب البلقان، ولكنه لم يساعدهم في الاتصال بزملائهم الذين بقوا في بلادهم، أو الاتصال في ما بينهم.

إن برامج البلقان الإقليمية، ولا سيما تلك التي ترمي إلى بناء قدرات المؤسسات الفنية المستقلة، واجبة الدراسة، كي تؤخذ منجزاتها وخيباتها في الحسبان، عند صياغة برامج شبيهة لسورية والفنانين السوريين، داخل سورية وخارجها؛ إذ لا تحقق المساعدات الإنسانية وحدها، من دون برامج تساهم في الحفاظ على كرامة الإنسان، أثرًا عميقًا. من جهة أخرى، علينا أن ندرك أن التعامل مع الفنون على أنها جزء من الفعل السيكولوجي-الاجتماعي، حصرًا، قد يخلّف أثرًا عميقًا في الأجيال المقبلة، كما حدث في كمبوديا، حيث لم يرغب الجيل الذي شبّ بعد انتهاء الصراع في دراسة الفنون؛ لأنه رأى أنها مهنة (لمن يعانون من الإعاقة).

لا يقبل معظم الفنانين السوريين في المنفى الحواجز التي تقسم الأراضي السورية، بعضها عن بعض، ويزيد هذا من شعورهم بالإقصاء عن بلادهم، وما يزيد الأمر صعوبة أنهم عاجزون عن الالتقاء، وعقد الحوار في ما بينهم في المنفى، بسبب الصعوبات المالية ومشكلات تأشيرات الدخول. ولا تساعد المشاريع الفنية مثل وزارة الثقافة العربية في المنفى (كينوكولتورا، سكوبجي 2017) كثيرًا، لأنها تنحصر في دوائر فنية مغلقة، “تعمل في كل مكان عدا الشرق الأوسط”، وتركز أنشطتها في العالم الغربي، حتى في الأماكن التي تظن هذه المشاريع أنها من جنوب العالم (جوهانسبرغ، ريو دي جانيرو، سيدني). ولكن، يمكن لهذه المشاريع أن تشكل إلهامًا لبرنامج جديد، يركز على السوريين العاملين في حقل الثقافة.

التعامل مع الفنانين السوريين، سلبًا وإيجابًا، في الغرب موثق توثيقًا جيدًا. تشير لواء يازجي في نصها (GCLF, 2017) إلى أن تنسيق الفنون السورية في العالم الغربي غالبًا ما يتم في إطار فعاليات خيرية، لا يتّضح أهي مرتبطة بالفنون أم بالتوعية بوضع السوريين المأسوي اليوم. وتطرح السؤال: أهذا ما يحتاج إليه اللاجئون حقًا؟ أهذا ما يحتاج إليه الفنانون في المنفى؟ وماذا عن “استدامة” هذه المشاريع؟ والسؤال الأهم الذي تطرحه يازجي هو: ما هي الصورة التي تنقلها هذه المشاريع التي يبدو أنها تلعب على مظلومية الضحية واستجداء العطف، للتخفيف عن ضمائر المنظمين؛ ما يخفف من أهمية الفنون.

ما شكّلَ لنا -اليوغوسلافيين- في منفانا الداخلي، العنصرَ الأهم هو المنابرُ المختلفة التي جمعَتنا معًا، في المناطق المحايدة بداية (تظاهرة CEU بودابست، مدارس أمستردام الصيفية، إلخ) ولاحقًا في بلداننا. بدايةً، عُقد اجتماع الفنانين الأهم رمزيًا، في ساراييفو في كانون الأول/ ديسمبر 1999، وبعد ذلك الاجتماع؛ نشأت شبكات ومشاريع تعاونية عديدة. وتحقق الأثر الأكبر من خلال مشاريع بناء القدرات طويلة الأمد مثل (كولتورا نوفا، ديتاشامير، 2015). للأسف، أصحبت مشاركة الفنانين السوريين، في البرامج الشبيهة القائمة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (عبارة، Tandem شمل)، صعبة.

يجب استكشاف بدائل عدة لوضع برامج جديدة، لا تساعد الفنانين السوريين في المنفى فحسب، بل تساعد الفنانين الذين قرروا البقاء في سورية أيضًا. ويجب عدم الاكتفاء بمنح الإنتاج والسفر، وهي الأداة الأكثر استخدامًا، وإيجاد برامج جديدة لتحقيق أهداف متعددة، منها المساهمة في إنشاء الحس الجماعي، وبناء القدرات، وتبادل المعلومات وغيرها. بالتالي، يجب أن تشمل برامج الإقامة المؤقتة للفنانين السوريين، الفنانين السوريين الموزعين حول العالم، والفنانين المقيمين في سورية، على حد سواء، وتوجيه عناصر بناء القدرات المهمة نحو الفنانين السوريين كافة، لتنمية مهارات فنية ومهنية جديدة (مثل مهارات العمل مع الوسائط المتعددة وغيرها) والمهارات ذات الأهمية القصوى لمشاركتهم المستقبلية في إنشاء المؤسسات أو الجمعيات التي تحقق استقرارًا وفاعلية أكبر لعملهم.

كما يجب تأسيس شبكات من قطاعات ثقافية مختلفة ومهن فنية متنوعة، بحيث تعمل هذه الشبكات باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من خلال اجتماعات سنوية أو اجتماع كل سنتين، ويجب إنشاء حاضنات مؤقتة لتنمية المشاريع المشتركة، وتبادل المعارف بين الزملاء. ويجب البدء باستخدام الدروس الجماعية عبر الإنترنت؛ لتتمكن جاليات الفنانين والمثقفين الشباب الذين يحتاجون إلى المزيد من التدريب، من التواصل واللقاء.

وعلى برامج بناء القدرات القائمة حاليًا والمتاحة للفنانين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -مثل الشهادة الأوروبية في إدارة المشاريع الثقافية (ديرو وآخرون، 2014) أو برنامج يوروميد- تقديم برامج منح محددة للعاملين الثقافيين السوريين. اليوم، تُستَثنى سورية من هذه البرامج، حتى في جانبها البحثي (وضع تجربة التدريب على الإدارة الثقافية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، دراغيتشيفتش شيشيتش، ميهالجيناك، 2016) أو لا يستطيع السوريون الاستفادة منها، بسبب القيود الشديدة على حركتهم وسفرهم. وعوضًا عن مشروع فني مثل وزارة الثقافة العربية في المنفى، يجب صياغة وزارة ثقافة سورية في المنفى، لوضع سياسات ثقافية مناسبة قائمة على بيانات تُجمَع من مختلف أنحاء العالم.

تحتاج هذه الأفكار كلها إلى صياغة أعمق وإلى تمويل. ولكن، أعتقد أن على هذه المشاريع أن لا تستثني الزملاء من دول أخرى مثل فلسطين ولبنان وتركيا من جهة، أو من باريس وبرلين من جهة أخرى. ففي هذه الدول كافة، للمجتمع الثقافي أهمية كبيرة في تمكين الفنانين السوريين من الاحتفاظ بمكانتهم المهنية وبكرامتهم. فالمجتمع المدني في أماكن إقامة الفنانين السوريين هو وحده القادر على منح الفنانين وعملهم الأهمية التي يستحقونها، والفرصة للتطور المهني.

*مديرة السياسات والإدارة الثقافية في اليونسكو/ جامعة الفنون، بلغراد


جيرون


المصدر
جيرون