on
أبعاد القمة التركية-الروسية
ليست زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة زيارةً عابرةً، وإن جاءت بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان؛ إذ التقى الزعيمان منذ عشرين يومًا في القمة الثلاثية التي جمعتهما، إضافة إلى الرئيس الإيراني، في مدينة سوتشي.
لا شك أن قمة بوتين-أردوغان ذات أهمية كبيرة؛ بسبب حاجة البلدين إلى استكمال الملفات الشائكة التي لم يُحسم أمرها بعد (مؤتمر الحوار الوطني، إدلب).
يبدو هذان الملفان مترابطين، وإن بديا في الظاهر متباعدين، وأغلب الظن أن التقدم في ملفٍّ ما مرتبط بالتقدم في الملف الآخر؛ ذلك أن موسكو بحاجة إلى دعم أنقرة في ملف سوتشي، بينما تبدو أنقرة بحاجة ماسة إلى موسكو في ملف إدلب.
إدلب
مع اقتراب المعارك ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” من نهايتها؛ تتجه “قوات سورية الديمقراطية”، بدعم أميركي، إلى تعزيز وجودها في مناطق سيطرتها، بأدوات فوق عسكرية، فيما يعمل النظام السوري منذ فترة على فتح الطريق أمام تنظيم الدولة للاقتراب من حدود محافظة إدلب، لقتال “هيئة تحرير الشام”، وضرب حالة “الستاتيكو” العسكري القائمة في المحافظة بفعل اتفاق خفض التوتر.
أمام هذين التطورين؛ يبدو أن مرور الوقت ليس في صالح الأتراك، وتبدو تكلفة الانتظار أسوأ بكثير من الإقدام على فعل عسكري ما.
لا تريد تركيا، في هذه المرحلة، إطلاق أي معركة في إدلب، ولذلك تعوّل كثيرًا على استكمال تفاهماتها مع روسيا حيال هذه المحافظة؛ إذ إن مثل هذه العملية ستضرب الجهود التركية، في احتواء “وحدات حماية الشعب” الكردي في عفرين ومحيطها.
المشكلة التي تواجه تركيا أنها غير قادرة على تحصيل ضوء أخضر من روسيا، حيال عفرين، بسبب حساسية وضع هذه المدينة، وقد عبّر سيرغي لافروف عن ذلك صراحة، قبل أيام، حين قال: إن “الوضع في إدلب ما زال صعبًا، ونعمل مع الشركاء الأتراك بالدرجة الأولى، وكذلك مع الشركاء الإيرانيين والسوريين على إطلاق منطقة خفض التوتر هناك، بأقصى فاعلية ممكنة.. وليس لدى روسيا أي خطط للتعاون مع الولايات المتحدة في إدلب”.
يوحي التصريح بأن الوضع في إدلب سيستمر على ما هو عليه حتى إشعار آخر، ويوحي أيضًا بأن مصير عفرين مسألة صعبة، لا حل لها سريعًا. لكن الروس المحتاجين كثيرًا إلى الدور التركي في المرحلة المقبلة مطالبون بتقديم تنازلٍ ما، في عفرين أو في تل رفعت وبعض القرى المحيطة بريف حلب الشمالي.
لكن السماح للأتراك بالتقدم نحو عفرين سيصطدم ليس فقط بفيتو أميركي، وإنما بفيتو من النظام الذي لا يفضل اتساع نفوذ الأتراك، وما تحرّك قواتِه في ريف حلب الجنوبي إلا محاولة لقطع الطريق أمام ذلك، والاستعداد للخيار الأكثر واقعية المتمثل بانسحاب الوحدات الكردية من عفرين، لتحل محلها قوات النظام، وهو حلّ يرضي جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
سوتشي
لن يكون “مؤتمر الحوار الوطني” المزمع عقده في سوتشي بديلًا عن مفاوضات جنيف، كما يذهب البعض إلى ذلك، فموسكو تُدرك أن الشرعية الأممية ممنوحة لمسار جنيف.
وإذا كانت الدولتان تتفقان على المضي قدمًا في سلتي الدستور والانتخابات، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بقوله: “محادثات جنيف تتضمن عملية لوضع دستور جديد، وصولًا إلى عملية انتخابية، تتاح فيها لجميع السوريين فرصة التعبير عن آرائهم حول مستقبل سورية، بما في ذلك من هم في الشتات”؛ فإن لديهما مقاربتين مختلفتين للتسوية.
الاختلاف يكمن في أن الأولويات بين العاصمتين هي حيال الدستور والانتخابات؛ فالولايات المتحدة تعطي الأولوية لنتاج مسار التسوية، أي للانتخابات، وهذا ما يفسر كثرة تصريحاتها حيال هذه النقطة، فهي غير مهتمة إن ترشح الأسد أو لم يترشح للانتخابات في نهاية التسوية، وغير مهتمة لمستوى التفاهم بين الطرفين المتفاوضين حيال تقاسم السلطة.
أما موسكو فتهتم بمسار وتفاصيل مسار التسوية، وهي لذلك تعطي أهمية للدستور الذي سيحدد بالضرورة وبطريقة غير مباشرة بنية الحكم السياسي، وربما الانتقال السياسي الذي جرى التغافل عنه قصدًا، في ورقة دي ميستورا الأخيرة، وفي بيان ترامب/ بوتين في فيتنام.
من هنا، تكمن أهمية سوتشي بالنسبة إلى الروس، فكما نجحت عبر فرض مخرجات أستانا على طاولة جنيف، تعمل على فرض مخرجات سوتشي على طاولة جنيف أيضًا، من خلال التوصل إلى اتفاقٍ يجمع أكبر طيف من القوى والشخصيات السورية، حيال تعديل الدستور، لقطع الطريق على المعارضة وداعميها، من الحديث عن تغيير كامل في الدستور، يسمح بإحداث انتقال سياسي كامل، ولو بعد حين.
عند هذه النقطة، تعوّل روسيا كثيرًا على تركيا، لعدم وضع فيتو أمام بعض القوى والشخصيات في المعارضة، وليس صدفة أن اجتماع أستانا المقبل سيناقش “مؤتمر الحوار الوطني”، وسبل دعمه من قبل الدول الثلاث الضامنة لمناطق خفض التوتر.
التحدي الذي يواجه أنقرة أنها إلى الآن لم تحصد ثمار قمة سوتشي السابقة، ويخشى أنها لن تحصد ثمار سوتشي المقبلة، بينما تحصد موسكو ثمار القمتين، على صعيد منافستها للولايات المتحدة، أو على صعيد علاقتها مع الأطراف الإقليمية والمحلية الفاعلة في الجغرافية السورية.
حسين عبد العزيز
المصدر
جيرون