من حرستا إلى شارع الحمرا.. فوهات المدافع وأفواه الجوعى



في الليلة الأخيرة من عام 2017، أقفلت أسواق دمشق: (الحمراء، الصالحية، الجسر الأبيض، الفحامة)، على استحياء ومضض. حيث كان أصحاب المحلات التجارية، حتى وقت متأخر، يأملون في استقبال زبائن جدد، لبضاعتهم التي ظلّت مكدّسة، على الرفوف وطاولات العرض، دون حراك.

كانت الساعة التاسعة بتوقيت المدينة المحلي، حين قاد “محمد” سيارته الخاصة، قاصدًا التجول داخل الأحياء المسيحية: (باب توما، القصاع، باب شرقي) لمشاهدة حركة الناس وضجيجهم. بخلاف أحياء وسط وغرب وجنوب العاصمة، التي اقتصرت الحركة فيها على عناصر أمنية تابعة لقوات الأسد والميليشيات الحليفة له، تتمركز خلف نقاط معتمة، في زوايا الشوارع وأطراف الساحات.

يعترف “محمد”، بأسى، بأن الأحوال تبدلت مع تطور العمليات الأمنية، التي تشنها أجهزة المخابرات لقمع الناس منذ بداية الثورة. يقول: “لا شيء تغير، الخوف ما زال يتحكم بالناس ويقيد حركتهم. الاحتفالات مجرد هروب من لحظةٍ قد تتعثر فيها الحياة على يد جندي، انتقلَ من مواجهة العدو على الخطوط الأمامية للجبهة، إلى مواجهة الشعب في المدن. الحياة قد تنتهي هنا، برصاصة طائشة، أو بقذيفة هاون، أو بسجنٍ لا تعرف أتخرج منه حيًا، أم عبر صورة لجسد مسجى، ضاعت ملامحه البشرية”.

على بعد كيلومترات معدودة، من مركز المدينة التجاري، تدور معارك عنيفة. وتتعرض بلدات (جوبر وحرستا وعربين) وغيرها، لقصف جوي منذ عدة أيام، يصل صداه إلى مسامع المارة في شارع الحمراء. “إنها معركة موت أو حياة، بالنسبة إلى نظام يبحث عن مكان آمن لكرسي حكمه، بدعم من جيوش وميليشيات أجنبية، تقاتل من أجل مصالحها، أكثر مما تقاتل من أجل بقائه” -يقول محمد- ومع ذلك، “ما تزال لدى الأسد قابلية للاحتفال بانتصارات مزعومة، تحققها قواته والقوات الحليفة، ضد الحلقة الاضعف من أبناء شعبه: (نساء، أطفال، مسنين) ضحايا صراعه على السلطة”.

شكلت وطأة الحرب التي طال أمدها ضغوطًا، يشتكي منها الجميع؛ فقد أثّرت تكاليفها في الاقتصاد برمته، كما أثّرت في الميزان التجاري، وقطعت حركة المبادلات السلعية بين المدن، وتمددت الطبقة الفقيرة -بحكم دخلها وطبيعة حياتها- لتشمل الطبقة التي كانت قبل سنوات قليلة توصف بالوسطى: عصب المجتمع وقاعدته التنموية. ونتيجة بطء حركة البيع والشراء التي كثيرًا ما كانت تعرف بنشاطها، في الثلث الأخير من كانون الأول/ ديسمبر، فترة الأعياد المسيحية؛ تأثرت الأسواق، وارتد تراجع حركتها على أرباح التجار، ودوران رأس مالهم. وباستثناء شريحة بسيطة، لا تتجاوز نسبتها وفق تقديرات غير رسمية 8 بالمئة من مجموع السكان، متخمة ماليًا حتى الثمالة، لم يتمكن باقي السوريين، من الاستقواء على ثمن طعام أطفالهم (القيمة المتبقية من دخلهم بعد حسم النفقات الأساسية) لإنفاقه على شراء ألبسة، يحاكون فيها المناسبة، كغيرهم.

يؤكد “حسن. ق” -وهو موظف حكومي، تقاعد بعد أن خدم الدولة أكثر من 30 عامًا- في إطار توصيفه للوضع: نحن بشر، نشتهي مثلما يشتهي غيرنا، لكن حركتنا المالية مشلولة تمامًا منذ خمس سنوات، بسبب دخلنا المتواضع، وفقدان قيمته أمام ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الليرة مقابل سعر صرف العملات الأجنبية. لقد استنفدت الحرب كل مقدرتنا، وأصبحنا حفاة، عراة، لا نعرف كيف سنتدبر أمورنا.

يتقاضى “حسن” راتبًا تقاعديًا، يبلغ نحو 45 ألف ليرة في الشهر، ينفق ثلاثة أرباعه على آجار المنزل وفواتير الخدمة العامة، ويدخر المبلغ المتبقي لاحتياجات العائلة من الغذاء. ومع ذلك، فإن القسم الأخير لا يكفي -كما يقول- “ثمن طعام (بلا لحوم) لفترة قد لا تتجاوز الأسبوع.

كجزء من التكتيكات الرامية إلى جذب الزبائن؛ لجأ بعض تجار الأسواق، إلى الإعلان عن تخفيضات خاصة، لا علاقة لقرارات الحكومة بها، تراوح بين 500 و1500 ليرة، على القطعة التي يتجاوز ثمنها 15 ألف ليرة. كما شملت أيضًا بضائع قديمة، كانت مرمية في المستودعات، رُتّبت وصُنفت، وعُرضت إلى جانب ما هو أحدث منها، غير أنها بقيت تحمل بحسب العرف التجاري مسمى “موديلات باطلة”.

في منتصف كانون الأول/ ديسمبر الفائت، لعبت وزارة التجارة في حكومة الأسد -كعادة النظام- بمشاعر الناس، حين قررت تخفيض أسعار 836 صنفًا من الألبسة، بنسب تراوح بين 10 و50 بالمئة من السعر الرائج، في سياق لائحة شملت 8 آلاف سلعة، منها 1550 صنفًا من المواد الغذائية، و3269 صنفًا من الأدوات المنزلية، و289 صنفًا من المواد التحويلية، و988 صنفًا من الأدوات الكهربائية، و1204 أصناف من مواد التنظيف.

لكن “حسن”، شأنه شأن غيره، لم يلمس أي تعديل طرأ على أسعار الألبسة، في محلات شارع الحمراء والصالحية. بل وجد ملبوسات، تجاوزت قيمة القطعة الواحدة منها الـ 100 ألف ليرة. أي ضعف راتبه التقاعدي.

في مناطق سيطرته، يخدع نظام الأسد مواطنيه دونما خجل، وقد أمكن للسكان اكتشاف اللعبة بصمت. ففي حين كانت تساورهم شكوك حول صدقية وشفافية هذه القرارات، وخلفيتها المزعومة (تخفيف العبء المعيشي عن المواطنين، والعمل بشتى الوسائل والطرق لتفعيل حركة الأسواق)؛ تعززت الشكوك أكثر، عندما تم تسريب كتاب رسمي وجهه وزير التجارة لرئاسة الحكومة، يعترف فيه بعدم جدوى تخفيض أسعار هذه السلع، وعدم تناسبها مع القدرة الشرائية للمواطن.

يعزو الخبير الاقتصادي فراس السيد هذا المشهد، إلى تحالف السلطة -غير المعلن- مع طبقة الصناعيين والتجار. ويرى أن لا مصلحة للنظام، في ظل الحرب التي يتطلب استمرارها ولاء هذه الطبقة ودعمها، أن تتصادم جهة حكومية معها. حتى لو كان الموضوع يتعلق بمصالح الناس وشؤونهم. ويضيف لـ (جيرون): لذلك فإن تحالفات سائدة كهذه، تتحكم بأقدار الشعب، ومعيشته، هي سلسلة من تحالفات أكبر، تمسك بناصية القرار الاقتصادي العام، وتحكم قبضتها على السوق، لتحتكره بطريقة متوحشة.

بين فوهات المدافع وأفواه الجوعى، تمددت دمشق في الليلة الأخيرة من عام 2017، لقد نام بعض سكانها على صوت موسيقا حزينة، لمواكب جنائزية طويلة قادمة من أحياء شقيقة، قتلت طائرات الأسد أصحابها. فيما نام بعضهم الآخر، على وقع أصوات رصاص ومفرقعات، تحتفل بقدوم موت جديد.


علاء كيلاني


المصدر
جيرون