مخابرات الأسد تنافس الفقراء.. الزحف الهادئ



بِرشاوى صغيرة، تُدفع لسلطة محلية مؤلفة حُكمًا من أعضاء في “حزب البعث” (الذي يقود بموجب دستور 1973 الدولة والمجتمع)؛ استطاع بعض أفراد الفئة المهمشة والفقيرة، استغلال أرصفة الشوارع، لممارسة بيع أنواع مختلفةٍ من السلع، على بسطات خشبية متواضعة، تتميز بأن أسعار سلعها أقل بكثير من نظيرتها المعروضة داخل المحلات التجارية المجاورة.

ارتفعت قيمة الرشاوى التي تدفع لهذا الغرض، مع احتدام الصراع السياسي والعسكري الذي شهدته البلاد، بين نظام الأسد الأب وتنظيم “الإخوان المسلمين”، أوائل ثمانينيات القرن الماضي. لكنها أصبحت تمثل ثمنًا لاستثمار أفضل، هو عبارة عن “أكشاك” ظهرت للتو، أشبه بمحال تجارية صغيرة، تتوزع على أرصفة قريبة من الأسواق، وأمكنة ذات حساسية خاصة.

في مطلع عام 2012، تحوّلت أرصفة دمشق، كحال غيرها من المدن، إلى مراكز بيع متنقلة، وأبدَت السلطة المحلية مرونة واضحة تجاهها، نتيجة متغيرات شهدها الشارع السوري، كان أبرزها انخراط مجموعات كبيرة من الفئات المسحوقة سياسيًا واقتصاديًا، في تظاهرات مدنية ضد حكم الأسد، وظهور شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، في سابقة هي الأولى من نوعها.

في إطلالة من علو، لا يمكننا النظر إلى مشهد الرصيف، على أنه مكان مرور، أو مصدر دخل يرى فيه الباعة الفقراء، وأطفال الشوارع، والعاطلين عن العمل، المكانَ الأنسب لكسب لقمة العيش، أو أنه مجرد فضاء مفتوح، لأنشطة فئة تتحرك خارج دائرة الاقتصاد الرسمي، تسعى للاستقلال عن المؤسسات والتنظيمات الحكومية. فبعد خمسة عقود من حكم البعث، كان من الواضح، أن النظام العائلي في سورية، وهو ما أثبتته تجارب ووقائع ذات صلة، قد أعاد -في مرحلة مبكرة- إنتاج وظيفة الرصيف، بطريقة تخدم مصالحه وعلاقاته وأدواره المقبلة. كما أضاف إليها وظيفة مكّنت فاعلين جددًا من منافسة الفقراء على وسائط عيشهم، عبر استثمار “أكشاك” تشرف عليها إدارة المخابرات، جعلت منها وسيلة للسيطرة على الفضاء العام، بمساعدة عيون يَقِظةٍ تتابع وضع الشارع، وصلة أفراده بالآخر “الخصم المحتمل للنظام”، ومزاجهم السياسي، وحركتهم المتوقعة، وعلاقة الفئات ببعضها، ومدى قوة كل طرف.

خلال سنوات قليلة، تحول المكان الذي كان من المفترض أن تتمظهر سلطة الدولة فيه بآلية أخرى، تساعد في تنظيم استخدامه اقتصاديًا، إلى بيئة نشطة لفاعلين يمتهنون الاحتيال، والتجسس، وتعقب النشاط الاجتماعي للسكان، ومتابعة الأنشطة الثقافية، والسياسية -بما فيها نشاط أفراد الحزب الحاكم ذاته- والاقتصادية، وأخبار الكيانات المحلية، والدينية كالمساجد والكنائس، وكل ما يتعلق بالفضاء العام، ينتمون إلى أجهزة أمنية، تزحف شبكتها المدنية بهدوء، وتتوسع أفقيًا على نحو مضطرد.

في الأشهر الأولى من انتفاضة الشارع ضد حكم الأسد في عام 2011، تمكنت العناصر الفاعلة في نقاط المراقبة هذه، من كشف وجوه وأسماء أكثر الناشطين في التظاهرات. تم اعتقالهم وتصفية بعضهم داخل سجون المخابرات دون محاكمة، بموجب تقارير نُظمت بحقهم. كما اشتركت عناصر هذه المراكز في قمع المتظاهرين، وإيذائهم، أو محاصرتهم داخل المساجد والأحياء، بحجة انضوائهم تحت جناح مؤامرة خارجية، تسعى إلى إضعاف الدولة، وتقويض سيادتها، وعزلها عن المحور المقاوم.

يتفق المراقبون عمومًا على أن الرصيف السوري، الذي تتعثر أرجل المارة في أثناء عبوره، يمثّلُ فضاء محكومًا بسلطة أجهزة، تعمل من أجل تسويد نظام الأسد العائلي، وتقوية دعائمه، وحمايته من الأخطار، بأساليب يندرج معظمها خارج إطار القانون. وهناك أيضًا من يربط عدم قدرة السلطات المحلية، على تنظيمه، وصمتها في بعض الأوقات على ما يتعرض له من انتهاكات جسيمة، ومخالفات، واعتداءات، بتفوق سلطة المخابرات على ما عداها من سلطات مدنية، تتحكم فيه من خلف ستار، وتوظفه دون علم الأخيرة، لمهمات سياسية وأمنية، كثيرًا ما تفضي  إلى ظواهر سلبية، ونمو أنساق من الشبيحة تصادمت مع الشارع، وقوضت تطلعات مواطنيه، وعززت العنف الاجتماعي السياسي، القائم على إلغاء الآخر، أو الاعتداء عليه، أو تصفيته جسديًا، كحالة رسام الكاريكاتير العالمي علي فرزات الذي تعرّض وسط دمشق لهجوم بالهراوات، كاد أن يودي بحياته، أو حالة المعارض السوري منير درويش الذي قُتل، الأسبوع الفائت، في حادث سيّارة مدبّر، أمام منزله، عملًا بسياسة: “إما معنا أو ضدنا” التي أعلنها الأسد، أمام أنصاره في وقت سابق.

تتيح الأرصفة على الدوام دلالات عاكسة لطبيعة السلطة وتوصيفها. ومن الواضح أن الفاعلين داخل المضمار، والمستفيدين من احتكار هذا الفضاء، وترتيب وظيفته على النحو الآنف، إنما يُخضعون الجميع لانشغال أمني، ليس من أجل حماية الأسد مما يفترض أنهم أعداء الخارج، بل حمايته من شعبٍ، يرون في عودة الوعي إليه، الخطرَ الأهم.


علاء كيلاني


المصدر
جيرون