ظلال “غصن الزيتون” في الرقة



فيما تتواصل للأسبوع الثاني عملية (غصن الزيتون) التي أطلقها، يوم 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، الجيشان السوري الحر والتركي، في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي؛ بدأ سكان منطقة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي يستشعرون وجود تغيرات عسكرية وأمنية وسياسية، في سلوك ميليشيا (وحدات حماية الشعب) الكردية التي تُسيطر على المنطقة منذ صيف العام 2015، من دون معرفة هدف هذه التغيرات.

فقد استبدلت هذه الميليشيا العناصر الأكراد الذين يرابطون على الحدود السورية التركية، بعناصر عرب في النقاط المكشوفة من الجانب التركي. وكانت فيما سبق تتشدد في إبعاد أي عربي، مدنيًا كان أم مسلحًا، عن هذا النقاط التي تحرسها وتديرها بوصفها نقاط حراسة حدودية ورقابة على حركة التهريب التي تحاول ضبطها والتحكم بها لصالحها. وهذه النقاط تتعرض لرمايات تحذيرية شبه يومية من الجانب التركي. أما تكتيك استخدام العنصر العربي العامل في (قسد) كدريئة في القتال، فهو من الممارسات الثابتة والدائمة تجاه المقاتلين العرب الذين جُندوا في هذه الميليشيا؛ إذ وضعتهم قيادة ميليشيا (وحدات الشعب الكردية) كرأس حربة في قتالها مع تنظيم (داعش)، خلال معارك الرقة والحسكة ودير الزور وأريافها. فيما تشددت في تغييبهم عن إدارة العمل العسكري، وعن الظهور الإعلامي الذي احتكره الميليشياويون الأكراد، وحوّلوه في معظم الأحوال إلى استعراضات، في إطلاق الرصاص والدبك على أنغام الموسيقى أمام كاميرات الإعلام.

أمنيًا، في تل أبيض أيضًا، قتلَت (قوات حماية الشعب الكردية) أربعة أشخاص، قرب بوابة تل أبيض الحدودية، وسرّبت صورهم مضرجين بدمائهم مدعيّة أنهم مقاتلون عرب تسللوا من تركيا. وفي حين لم تُعرف هويات هؤلاء الأشخاص، فإن ناشطين وإعلاميين محليين ذكروا أن الأشخاص الأربعة هم مدنيون كانوا يحاولون الوصول إلى تركيا تهريبًا، بينما رجح آخرون أن يكونوا من المسجونين لدى ميليشيا الوحدات، تمت تصفيتهم وتسريب صورهم، لأغراض دعائية.

من جهة أخرى، عمدت ميليشيا الوحدات إلى تحشيد سكان مناطق (سلوك) و(تل أبيض) للقيام بمسيرات مؤيدة للميليشيا، وحمَّلتهم أعلامها ولافتات تندد بتركيا. ومؤخرًا سيَّرت هذه الميليشيات تظاهرة داخل مدينة الرقة للأسباب ذاتها وحمَّلتها الرموز ذاتها أيضًا. وبدَت مسيرة الرقة هذه فعلًا ناشزًا ومتناقضًا مع حال المدينة المدمرة، حيث سار المتظاهرون بين خرائب مدينتهم التي دمرتها هذه الميليشيات، بالتعاون مع التحالف الدولي المناهض لتنظيم (داعش)، بينما تقدمتها فتياتٌ يرتدين الزي العسكري، جلبتهن ميليشيا الوحدات من بلدتي القامشلي في ريف الحسكة وعين العرب في ريف حلب الشمالي الشرقي.

بموازاة ذلك، بدأت الميليشيا الكردية تأسيس كتيبة نسائية من بنات الرقة، للفتيات دون 18 سنة، حسب ما أورد ناشطون محليون، وبراتب مغرٍ يبلغ 400 دولار أميركي، وتتكفل “منظمة شبيبة روج آفا” التي يرأسها قيادي كردي في ميليشيا “حماية الشعب”، يدعى (عادل كوباني)، بتنظيم وتدريب هؤلاء الفتيات. وكان أول ظهور ونشاط لهذه المنظمة هو المساهمة في تنظيم مسيرة الرقة قبل عدة أيام. كما تقوم المنظمة بتسيير “معهد أكاديمي إعلامي”، يقدم دورات مغلقة لمدة شهر ونصف، للتأهيل الإعلامي والعقائدي في “فكر القائد أوجلان”. ولا يشترط المعهد موافقة الأهل للانضمام إلى دوراته، بل يضغط على الأهالي بتهم “الدعشنة” و”الإرهاب”، في حال رفضهم انتساب بناتهم إلى المعهد.

أما في مدينة الطبقة، فقد بدأت ممارسات ميليشيا الوحدات الاقتصادية، تبرز على السطح، حيث تفرض على كل مشروع واعد شريكًا كرديًا، كي ينال التراخيص المعتادة، ويتخلص من المضايقات ويستمر في عمله بأمان. ويشير سكان محليون إلى صالات الإنترنت، كمثال على ذلك، إذ يُفرض شريك كردي على أصحاب مقاهي الإنترنت، كي ينال رخصة مزاولة العمل التي يمنحها جهاز استخبارات الميليشيا، ويسوق جهاز الاستخبارات هذا ممارساته تحت شعار أيديولوجي معهود هو “أخوة الشعوب”، الذي حولته إلى مقياس لقبول السكان المحليين لممارستها، وإلا؛ فإن تهمة دعم الإرهاب والدواعش تحضر كسيف مصلت على الرقاب.

لا تخرج ممارسات (وحدات حماية الشعب) الكردية اليومية ولا أيديولوجيتها، عن تلك التي خطتها الأحزاب القومية الاشتراكية، بل تكاد في تنظيراتها وممارساتها تكون نسخة من ممارسات النظام السوري. الفارق بين ممارسات الطرفين ليس في طبيعتهما، بل في إثنية المستفيد في كل مرة.


إبراهيم العبد الله


المصدر
جيرون