واشنطن بوست: لم يربح أحد بعد الضربات الإسرائيلية، ولكن السوريين بالتأكيد خسروا

إحدى أخطر عمليات التصعيد في الحرب السورية الطويلة والوحشية، وقعت في نهاية الأسبوع الماضي. في يوم السبت 8 شباط/ فبراير، أسقطت السلطات الإسرائيلية طائرةً إيرانية من دون طيار، دخلت المجال الجوي الإسرائيلي من إحدى القواعد في سورية. وتبعَ هذه الغارة سلسلة سريعة ومذهلة من الضربات الجوية، في أكبر عمليةٍ نفذها الإسرائيليون هناك، منذ اجتياحهم للبنان عام 1982.

ولكن هذا الإجراء لم يتوقف عند هذا الحد، فقوات النظام السوري ضربت إحدى طائرات (إف -16) الإسرائيلية بنيرانٍ مضادة للطائرات؛ فتحطمت الطائرة شمالي “إسرائيل”، وأصيب واحدٌ على الأقل من الضابطين اللذين خرجا بجراحٍ خطرة.

كان هذا الحادث تذكرةً أخرى لكيفية ترسيخ العنف في سورية. فمع اقتراب البلد من عامه السابع من الصراع؛ تزداد الحرب التي تجري في سمائه تعقيدًا، مثل المعارك على أرضه.

لقد قصف الإسرائيليون سورية عدة مراتٍ على مدار الحرب، على الرغم من اعترافهم العلني الأول بهذه الضربة، فهم يريدون مواجهة النفوذ الإيراني، على عتبات بلدهم، المتمثل في (حزب الله) التنظيم الشيعي اللبناني القوي، ومختلف الميليشيات الموالية لإيران، التي تقاتل جميعها دفاعًا عن نظام الأسد. وفي الوقت نفسه، يقصف الروس بلا رحمةٍ الجماعات المتمردة السورية، وغالبًا على حساب أرواح المدنيين بينهم.

تركيا، بعد سنواتٍ من العمل من أجل سقوط الأسد، بدأت بقصف الفصائل الكردية السورية التي تعتبرها تهديداتٍ إرهابية، أما الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، فقد شنت حملةً جوية مدمرة ضد تنظيم (داعش)، وأحيانًا تعمل بتعاونٍ وثيق مع الأكراد السوريين، فضلًا عن غيرهم من الجماعات المتمردة على الأرض، بينما لا يزال نظام الأسد يقصف أهدافًا داخل البلاد، وفقًا للأمم المتحدة، ويضرب المناطق المدنية بأسلحةٍ كيميائية.

يشعر مسؤولو الأمم المتحدة بالانزعاج من “الموجات” المتلاحقة للضربات الجوية القاتلة التي تعصف بالبلاد، حيث دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، في بيانٍ له “الجميع إلى العمل، من أجل وقف التصعيد الفوري وغير المشروط للعنف، وممارسة ضبط النفس”.

ادعّت “إسرائيل” أن هجماتها كانت بمثابة تحذيرٍ شديد لإيران، وقال وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتز، في مقابلةٍ مع إذاعة الجيش الإسرائيلي: “نحن نعرف ما ضربنا، ولكنهم سوف يستغرقون وقتًا لاستيعاب ما حدث، ومعرفة كيف عرفنا هذه المواقع وضربناها”. وأضاف: “كانت هذه المواقع سريةً، لكن لدينا أجهزة استخباراتية، ولدينا القدرة على معرفة كل ما يجري هناك، والبارحة برهنّا عن ذلك”.

أعطى الحادث لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي يواجه اتهامًا محتملًا بالفساد، فرصةً للتجديد له كمدافعٍ عن الأمن القومي الإسرائيلي.

“لقد كنتُ أحذر لبعض الوقت من مخاطر ترسيخ الجيش الإيراني في سورية. حيث تسعى إيران لاستخدام الأراضي السورية لمهاجمة (إسرائيل)، وتحقيق هدفها المعلن المتمثل في تدمير (إسرائيل)”. pic.twitter.com/bfWinriX3h

رئيس وزراء إسرائيل، 10 شباط/ فبراير 2018

لكن يبدو أن لدى نتنياهو خيارات قليلة في سورية، فقد تقدم بعرضٍ إلى روسيا في محاولةٍ لدق إسفين بين موسكو وطهران، وهما الداعمان الرئيسان الأجنبيان للأسد. على الرغم من ذلك، كانت القوات الروسية من شبه المؤكد أنها متواطئةٌ، في حرب الظل السورية مع (إسرائيل).

وقال زميلي آدم تايلور: إن احدى القواعد السورية “التي ضربتها (إسرائيل) يوم السبت، لا تضم ​​الجنود السوريين فحسب بل ضباطًا من الجيش الروسي أيضًا”. وأضاف: “لقد قال بعض المراقبين الإسرائيليين إن من الصعب تصور أن الروس هناك لم يكونوا على علمٍ بالطائرة الإيرانية من دون طيار، أو بالنيران المضادة للطائرات”.

ونقلت صحيفة (هآرتس) عن أنخيل بيفر قوله: “ليس أمام (إسرائيل) أيّ خيارٍ سوى قبول قواعد موسكو، وسوف تستمر في إثبات أنها يمكن أن تطير فوق المجال الجوي السوري، وتهاجم الأهداف، ولكن مع ذلك يجب أن نتوخى الحذر أكثر. وروسيا، مع أنها لا توقف الطائرات الإسرائيلية -على الرغم من سيطرتها على المجال الجوي السوري- لن توقف جيش الأسد من محاولة إطلاق النار عليها أيضًا”.

وبالتالي، فمن غير المرجح أن يخاطر الإسرائيليون بتصعيد أكثر غير الزمجرة العلنية، وبعض الضربات السرية. ولكن ما تزال هناك احتمالاتٌ تلوح في الأفق لحربٍ دموية، حيث قالت مجموعة الأزمات الدولية في تقريرٍ جديد: “إن المشاحنات بين [إسرائيل ولبنان] تعني أن (حزب الله) يمكن أن يشعل حربًا أخرى عبر حدودها وخارجها، وبالنسبة إلى دمشق وداعميها، فإن حملةً واسعة النطاق من جانب (إسرائيل) ستلحق ضررًا هائلًا بإنجازاتهم، وربما تزعزع استقرار النظام نفسه، الأمر الذي من شأنه أن يثير الخلاف بين روسيا و(إسرائيل)”.

في كلتا الحالتين، يعني الوضع المزيد من الألم بالنسبة إلى المدنيين المحاصرين في سورية. وكما تقول ليز سلاي، في صحيفة (واشنطن بوست): لقد تحول الأسبوع الأول من عام 2018 إلى إحدى أكثر فترات الصراع دمويةً حتى الآن، حيث قُتل مئات الأشخاص في غاراتٍ جوية، وشُرد نحو 300 ألف نازحٍ شمال غرب سورية، و400 ألف شخص معرضون لخطر المجاعة نتيجةً لحصار المنطقة الشرقية من دمشق التي لم تتلق الطعام، منذ تشرين الثاني/ نوفمبر”.

سيمون تيسدال، قال في مقالٍ لاذع في صحيفة (الأوبزيرفر): إن “العديد من الخطط للحدّ من الخسائر البشرية قد اقتُرحت، لكنها لم تحقق أيّ أثر”، مشيرًا إلى الحديث العابر عن “الملاذات الآمنة” داخل سورية، والمخطط “المتداعي” الذي تدعمه روسيا لمناطق “خفض التصعيد” الذي انتهكته أطراف عديدة في الصراع.

واشنطن، في الوقت نفسه، ليست أكثر من متفرج. فقد ركزت إدارتا أوباما وترامب كلتاهما، في المقام الأول، على هزيمة تنظيم (داعش)، بينما تجنبتا حساب نظام الأسد؛ ما أدى إلى حالةٍ من المرجح أن يتحول فيها أهم وكلاء أميركا في سورية نحو دمشق.

أقلعت الطائرة الإيرانية من دون طيار من قاعدةٍ تحت السيطرة الروسية، والسوريون المدربون من قبل الروس أطلقوا الصواريخ الروسية على الطائرات الإسرائيلية. وتنسق (إسرائيل) العمليات فوق سورية مع روسيا، وتطلب من روسيا منع التصعيد، بينما الولايات المتحدة لم تكن قط على علاقة بذلك.

أنخل بيفر 10 شباط/ فبراير 2018

وقال روبرت فورد، السفير الأميركي السابق لدى دمشق، في شهادةٍ أمام الكونغرس الأسبوع الماضي: “في النهاية، يجب على حلفائنا السوريين العرب والأكراد التوصل إلى اتفاقٍ مع الأسد، وأضاف: “ما لم نكن مستعدين لوجودٍ عسكري دائم؛ فإن هذا الاتفاق سيكون إلى حدٍّ كبير، وفق شروط الأسد الذي ينتظرنا أن نخرج”.

والضرر ليس فقط لمصداقية الولايات المتحدة.

قال تيسدال: “إن الفشل في إنهاء الحرب تسبب في أضرارٍ هائلة للمؤسسات الدولية التي صاغت الشؤون العالمية منذ عام 1945، لقد بدّل توازن القوة الاستراتيجية بطرقٍ أساسية، وغيّر العالم الذي نعيش فيه بشكلٍ دائم. . . وإذا أثبتت الحرب شيئًا؛ فقد أثبتت أن حياة السوريين، وسلامة الأراضي، والهوية الوطنية أو الحكم الديمقراطي، بالنسبة إلى الدول المجاورة لسورية، لا تستحق الكثير”.

اسم المقالة الأصلي
No one wins after Israel’ strikes, but Syrians definitely lose

الكاتب
إسهان ثأرور، Ishaan Tharoor

مكان النشر وتاريخه
واشنطن بوست، The Washington Post، 12/2

رابط المقالة
https://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2018/02/12/no-one-wins-after-israels-strikes-but-syrians-definitely-lose/

عدد الكلمات
974

ترجمة
أحمد عيشة



أحمد عيشة

جيرون