خير الزاد في ما حكت شهرزاد

صاحت الديكة؛ فأعلنت بزوغ الفجر، بزوغ الضياء، بزوغ سلطة النور على الظلام، بزوغ القوي على الضعيف.

مَن منا لا يعرف شهرزاد؟ ومن منّا لم يُعجب بحكاياتها التي تنمّ على ثقافة عالية في الفلسفة والعلوم الإنسانية بمختلف مجالاتها، ومن منّا لا يعترف بتضحياتها لإنقاذ الفتيات العذراوات من بطش السلطة الذكورية؟ لكن إذا تساءلنا من هي شهرزاد، ومن الذي أوجدها، وهل كانت معركتها مع شهريار، معركة تحرير النساء لنيل حقوقهن في ذاك العصر، أم أنها صراع مع الموت من أجل البقاء؟

“شهرزاد هو اسم الفتاة التي تقصّ حكايات ألف ليلة وليلة. إننا لا نملك معلومات كثيرة بشأن هذه الحكايات الغريبة، باستثناء أن القُصّاص كانوا يروونها باللغة العربية، للترفيه عن المارة في بغداد، خلال العصر الوسيط، رغم أن أصلها يعود إلى الهند وبلاد فارس”. هكذا عرفتّها فاطمة المرنيسي في كتابها (شهرزاد ترحل إلى الغرب). التعريف الذي أوردته المرنيسي لشهرزاد يكفي لأن يكون موضوع ترفيه عن الرجل، في الصورة النمطية للمرأة المتجذرة في ذهنه، وفي ممارسته لتفوقه الذكوري على المرأة في الحياة العملية، هو يكتب وهي تحكي، و”حين يدركها الصباح تسكت عن الكلام المباح“.

أوجد الرجل شهرزاد موضوعًا للحكي والسرد الليلي، بذاتٍ ليست ذاتها؛ تحمل العلم والمعرفة المقصورة على الذكور، وحين يدركها النهار ويسدل الليل ستارته، يحجب عنها الكلام، ليصبح مشروعًا أمامه وفقط؛ لفظًا ومعنى. مع أن شهرزاد أنسنت الوحش الموجود داخل شهريار (الرجل) لكن الوحش بقي ساكنًا فيه إلى وقت الحاجة، كما أنسنت (شمخاة أنكيدو الوحش) في أسطورة جلجامش. أعجبت فاطمة المرنيسي بشهرزاد المتحدثة -ونحن أيضًا وكل من قرأها- واتهمت الغرب بتحويلها إلى راقصة واختزال قصصها وحكاياتها بمسرح صامت، وهي المدركة تمامًا (المرنيسي) أن للجسد النصيب الأكبر من اللغة، لكن التأثر الكبير الذي يلازمها بجدتها “الياسمين” وثقافتها الشفوية، جعلها تغض الطرف عن أن شهرزاد من صُنع الرجل، مع أننا لا نعرف إن كان النص لرجل أم لامرأة، لكننا نعرف جيدًا أن الكتابة والتدوين في ذاك العصر كانا مقصورين على الرجال، وإذا تساءلنا هل كتبتها امرأة أم كتبها رجل؟ زعم عبد الله محمد الغدامي، من خلال “التفريق بين مفهوم التأليف ومفهوم التدوين”، في كتابه (المرأة واللغة): “.. أن الرجل قد دوّن النص، والمرأة هي التي ألّفت وتخيلت وحكت الحكايات….. وهو حينما كتب النص ودوّنه، لم يفعل ذلك احتفاءً وتقديرًا للحكايات، بدليل أنه لم يضع اسمه على النص احتقارًا له وتعاليًا عليه”. ثم يستنتج الغدامي أن “جسد النص السردي كجسد الأنثى، بدأ في أول ليلة، وامتد ألف ليلة وليلة، وهي فترة الحمل والولادة والحضانة عند المرأة”، فكانت شهرزاد تلد الحكاية لإلهاء الرجل عن جسدها المملوك كباقي أجساد النساء؛ والذي كان السبب في إقدام شهريار على قتل النساء.

ورأى بو علي ياسين أن المرأة انتصرت على الرجل في حكايات شهرزاد “انتصار العبد على السيد”. ثم تساءل من خلال بعض الحكايا التي تُظهر صورة المرأة “إنسانًا ناضجًا” والرجل “غيورًا وذا عقل قاصر”: “ألا يمكن أن يكون هذا القول قولًا نسائيّ المصدر؟ هذا ما يدفعني إلى الظن أن للنساء دورًا أو تأثيرًا في تأليف أصل الحكايات الشهرزادية، وإن بدا الآن ضعيفًا بعد أن طغى عليه التناول الرجالي المزمن للحكاية”.

إذن، نحن إزاء ثقافتين: إحداهما شفوية والثانية مكتوبة/ مقروءة، الأولى خصصها الرجل للمرأة، ليبقى سيدًا على الثقافة، والثانية المكتوبة والمقروءة والمؤولة، وكلتاهما اليوم تحت سلطة ثقافة واحدة هي ثقافة السلطة المركزية (الذكورية)، بدءًا من السلطة الأسرية مرورًا بالسلطة التربوية التي كرّست في ذهن الأطفال سيادة الذكورة على الأنوثة، من خلال الخطاب الذكوري في المناهج التعليمية والوسائل الإيضاحية التي تصور الأم في المطبخ والابنة إلى جانبها، والأب يقرأ كتابًا والابن إلى جانبه، انتهاءً بالسلطة السياسية التي دجّنت جميع أفراد المجتمع (إناثًا وذكورًا) في تلك الثقافة التي ستعيد إنتاج العنف والصراع بين الذكور والإناث، وتحدّ من العمق المعرفي لدى الجيل الناشئ. ولا تزال الثقافة الشفوية ثقافة الهامش.

عندما دخلت المرأة عالم الكتابة، بعد معاناتها الطويلة مع الحكي، دخلته بثقافة المذكر، أظهرت “الأنا” الذكورية الراسخة في اللاوعي الأنثوي، موجهةً خطابها إلى الرجل، فنرى مقالات وكتبًا نسوية تتحدث إلى الرجل وتلغي السمة الأنثوية التي يجب أن تمتاز بها كتابة المرأة، عنونت الدكتورة سميحة محمود غريب أحد مقالاتها بعنوان: (أطفال اليوم رجال الغد)، فأين النساء من الغد، وأين الإناث من أطفال اليوم، كما كتبت رغدة حسن خاطرة إلى (جيرون) تقول فيها: “كل شيء صار يوجعنا: الفرح.. الصدى.. الحلم.. والنوم… النوم الذي يأخذك إلى صراع مرير، مع القلق والهواجس المسنونة على حجر الذاكرة، يضعك في مواجهة مع ما يحدث، وما حدث، يستدرج رائحة الأرصفة العتيقة، صوت المقاهي، قافية الليل الدمشقي النادرة، سفر البحر في جملة العاشقة، والخوف: الخوف أن تموت في سريرك غريبًا ليس إلا”.

وكتبت أحلام مستغانمي رواية كاملة بلسان الرجل. فهل الثقافة ما تزال حائلًا بين المرأة وأنوثتها، وهل ينبغي عليها أن تسترجل حتى تبلغ دار الثقافة المقتصرة على الرجال؟ على هذا النحو كانت شهرزاد.

تلك هي اللغة التي تضفي على الثقافة بعدًا ذكوريًا، بدلًا من البعد الإنساني في فضائه العام، فالكثيرات من الكاتبات مثل “مي زيادة، وبنت الشاطئ، وسحر خليفة، وغيرهن”. زلّت كتاباتهن باللغة الذكورية، حتى في نقدهنّ لعالم الرجال. فليس من الممكن الانعتاق من الهيمنة المركزية في مجتمعاتنا البطريركية، إلا بموجب الانعتاق من اللغة الذكورية التي تلغي نصف المجتمع بثقافته البائدة. فإذا عدنا إلى استنتاج “محمد الغدامي أن حكايات شهرزاد تتمدد كجسد الأنثى؛ رأينا أنها استبدلت جسدًا بجسدٍ آخر في مخدع الزوجية، يحجبه الليل بخماره الأسود؛ ليمتد ألف ليلة وليلة وينحجب ألف نهار ونهار، فتؤجل شهرزاد موتها بعض الوقت.

حكايات شهرزاد حكايات جارية بألف ليلة وليلة، نعم إنها محض “جارية“، مجهولة النسب يملكها من يشتريها، حكايات لها اسم واحد فقط، مجهولة الأب (المؤلف/ ـة)، وتنال من التقييم ما ينال جسد الأنثى اجتماعيًا، فقد ورد في مجلة “فصول” خريف عام 1993، قول لأحد الأعراب في تقييمه للحكايات: “هذا النص لا يصلح إلا للجهّال والتافهين والنساء والأطفال”. هذا ما يثبت أن النص نص ذكوري، وليست شهرزاد إلا وسيطة للحكي في ما يصنعه الرجال، فكانت صورة المرأة تتأرجح بين الجارية والزوجة والشريرة، وبين الغاوية والفاتنة والساحرة! لم تظهر المرأة ذاتًا حرّة وكيانًا مستقلًا ولا في حكاية واحدة. ومن يقرأ تلك الحكايات؛ يلاحظ أن الحكاية (572) تجعل كلَّ النساء امرأةً واحدةً بجسدٍ واحد، وطعم واحد، لتلبية الحاجة الجنسية لدى الرجل. تقول الحكاية وبتصرف: (يعجب الملك بجارية الوزير، فيغشاها ليلًا بعد أن أرسله خارج البلاد، فتطلب الجارية من الملك مهلة لتجهز ما لذّ وطاب من الطعام، أتت للملك بتسعين صحنًا من الطعام بألوان وأشكال مختلفة، ولما تذوقها الملك، قال: أرى هذه الأنواع كثيرة وطعمها واحد، قالت الجارية: أسعد الله الملك؛ فإن في قصرك تسعين جارية مختلفة وطعمهنّ واحد)، إن أكثر الرجال فحولة لن يهين المرأة إلى هذا الحد الذي أهانته به شهرزاد! تلك الحكاية تذكرني بمثل شعبي تقوله النساء أكثر مما يقوله الرجال: “عندما يأتي المساء، كل النساء نساء“.

هكذا زودتنا شهرزاد بنصوصها الشفوية التي تكرّس السلطة الذكورية في مجتمعات قائمة بالأصل على هذه السلطة، وتزيد من النظرة الاجتماعية الدونية للمرأة. متى تدخل المرأة الكتابة النسوية بذاتها الأنثوية، وتنظر إلى العالم برؤية جديدة، من منظارها هي، لا من منظار الرجل؟

أنجيل الشاعر

جيرون