جمالية الإبداع الفني وآلام مسرح الحياة في سورية

[ad_1]

رسمت مسرحية “هن” التي شاركت في مهرجان المسرح العربي، خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 16 كانون الثاني/ يناير 2018م، وجع وآلام الحرب الدامية في سورية. عبرت المخرجة السورية آنا عكاش عن عمق الجروح التي تعاني منها النساء السوريات؛ فكشفت عن الظلم والجبروت والقوة واليأس والصمود والأنفة.

قامت بأداء الأدوار في هذه المسرحية ممثلات بارعات هن على التوالي: إيمان عودة، رشا الزغبي، لبابة صقر، جولييت خوري، وإنعام الدبس. فكيف يمكن أن نؤسس مع الممارسة المسرحية صورة يقظة للواقع؟ وكيف يمكن للقارئ أن يستفيد إنسانيًا من هذا الإبداع الفني؟

معيش الممارسة المسرحية:

تمتلك الممارسة المسرحية إحساسًا وتفكيرًا وجسدًا وحكمة ووعيًا وصيرورة ونشاطًا عضويًا مشحونًا بإرادة شبيهة بالإنسان. ويحيلنا الفن المسرحي إلى خاصية التشبه بالواقع فنيًا. غير أن هذا التشبه، لا ينفصل عن ضرورة الوعي بالممارسة المسرحية وإدراك واقعها. فمن أجل فهم عميق لهذا النص المسرحي، يتجذر الإبداع بقوة عبر الفني واللغوي والحركي والموسيقي والجسدي والاستحضاري.

عالجت مسرحية (هن) على خشبة المسرح التونسي، من خلال خمس شخصيات نسائية، آلام الحرب وبطشها. كانت صورهن تمثلًا لواقع حربي واستحضارًا لحكايات واقعية، تتحد في عمقها رغم اختلافها. تحكي الأولى عن فقدانها ابنها، وتبوح لنا عن خوفها من فقدان الآخر. أما الثانية الصبورة، فما زالت تعيش على أمل رجوع ابنها من الحرب سالمًا. بينما تحدثت الشخصية الثالثة، عن وجع الحرب التي فتكت بحبيبها. فيما بدت الشخصية الرابعة بلا أمل: لا أبناء ولا حبيب ولا حلم ولا هدف… في حين عبّرت الشخصية الخامسة عن اليأس القاتل الذي اصطدمت به في وردة عمرها وريحان شبابها. إنهن صورة لمسرح الحياة الأليمة التي تفتك بأحلى زهراتهن في كل لحظة. وإنها ويلات الحرب البشعة التي تمثلت على أجسادهن، وارتسمت على وجوههن.

كشفت المخرجة السورية آنا عكاش عن دلالات هذا الارتسام الملغز، ضمن جمالية الإخراج المسرحي، فتجلت شخصية المرأة السورية المقاومة. وفي الوقت نفسه، تجلى الشعور النابض بالحياة والجمال الحيوي بواسطة الحركات الرشيقة والذكاء المشع من النظرات. تلعب هذه الترسيمات دورًا في بعث الأمل الهامس والمرح المتجسد رغم الآلام؛ فيدرك المشاهد قيمة الابتسامة المقترنة بتعبيرية محصورة بالأسف.

تضمن هذا النص المسرحي خطابًا حياتيًا، يمكن أن يشبع حاجات الناس الجمالية ويؤثر في النفوس. لقد لاحظنا مدى انتظام هذه الممارسة المسرحية وابتعادها عن التكلف، واتزان الحركات والقدرة على توليد الرمز، ورقة معاني الخطاب واتساعه، ولطف موقعه على قلوب الجمهور. فلما مثلت المخرجة الواقع السوري، انعتقت من ثنائية الذات والموضوع وثنائية اللغة والخطاب، لتصبح المسرحية هي اللحظة الحية.

يتواصل القارئ مع جسد النص المسرحي وجسد الصورة، ضمن عالَم الحياة السورية؛ فينفتح من خلالهما على معنى الحياة منتجًا صورة متجددة ومتطورة؛ إذ يحيلنا وعينا بالنص المسرحي السوري إلى قيمة المشهد المصور وفعالية الصورة الفنية التي رسمتها آنا عكاش.

إننا نكتشف في هذه اللوحات المسرحية كيفية تعامل النساء السوريات مع جحيم الحرب، والوعي الأليم لمعنى فراق الزوج والابن والأهل. وبالفعل تناولت المخرجة، بعذوبة المعاني، الآثار السلبية التي ترتسم في الذاكرة. لذلك، فهن عندما يستحضرن الواقع يتخيرن حسن اللفظ ليكون بهاء الطلاوة في السمع.

مسرح الحياة وحياة المسرح

تفهمت المخرجة وضع المرأة السورية المغتربة بتمثل رشيق وقصدي على خشبة المسرح؛ فحملت هذه المسرحية بعدين اثنين: الأول ما توافينا به الشخصية المسرحية في مباشرتها للحرب السورية، والثاني في تحول الشخصية من ويلات الحرب إلى فعل الاستحضار والذكريات المشبعة حنينًا واشتياقًا وحبًا ووجعًا. إنها العلامة المسرحية الدالة على هذا الوسيط: الذكريات المستحضرة. يبعث بنا هذا الفعل المسرحي الإبداعي إلى المعنى الوجودي العميق، فتغدو كل قراءة إعادة صياغة لمعنى الصورة المسرحية. يرتبط النص المسرحي ارتباطًا وثيقًا بحيوية الشخصيات التي منها يستمد المشاهد المعنى وتستمد القضية مشروعيتها، فتغدو الممارسة المسرحية في (هن)، عملًا إنسانيًا أنطولوجيًا، لأنها تصوغ واقعًا حيًا للحرب السورية.

إذا كان الخطاب المسرحي يتأسس انطلاقًا من أفعال واقعية؛ فإن المشاهد يحمل -أيضًا- خطابًا شبيهًا بمستويات الخطاب المسرحي؛ إذ إن معنى الشأن السوري، لا يبرز بمجرد المتابعة التوثيقية والإعلامية بل من خلال قوته التأثيرية والإبداعية في حياة الممارسة الفنية الملتزمة.

ينفتح كل من الفنان والمشاهد على عالم فاعل في الممارسة المسرحية الحرة، وعلى قراءة إبداعية مؤولة، فلا وجود إلا للفعل الفني الذي من خلاله نعطي الفن معنًى مناضلًا. إننا نقوض بهذا الفعل الحر الحدود الفاصلة بين الفنان والواقع والقارئ المؤول، ذلك هو الحدث الذي يرتسم عبر الذات القارئة والمبدعة. وعليه فلا مهرب من المعنى الواقعي. إلا أن الممارسة الفنية تطور معناها بتطوير مادتها الإبداعية.

وبالتالي يفلت الخطاب المسرحي من القيد المكبل للعالم، حين يجعل المشاهد (في الحال الفرجوي)، في وضع مواجهة للواقع الخطير الذي يعيشه، التزامًا بالحياة الواقعية والحية في الفن المسرحي الذي يحضر على خشبة المسرح، فيطلب قراءة ومعنى واستفادة. والمخرجة بذلك تستدعي إلى الأذهان ما تتركه الحرب على الجسد والنفس والفكر والذاكرة واللغة. أما اللغة المسرحية فهي لا تكون دلالية فحسب، وإنما تطلب أكثر من ذلك، إذ إنها تهدف إلى الإثارة الواعية والتأثير البناء.

يدرك المشاهد عنوان المسرحية: (هن)، ويتابع الشخصيات الخمس على خشبة المسرح، وينتبه إلى الانتماء الزمني والمكاني والأبعاد التأويلية والرمزية. فيستمتع الجمهور بالأداء والحركة والكلمة وتناغم الدال مع المدلول وقوة الرسالة الموجهة. تحيلنا كل تلك اللحظات التواصلية مع المشهد المسرحي، إلى عالمي الموت والحياة؛ ذلك الانطباع ذاته، تضفي عليه المخرجة رسالة فنية وجمالية متميزة. وبالتالي فإن الذي يصل بالعرض المسرحي إلى درجة الإبداع، هو أولًا، النص. وثانيًا، براعة الشخصيات التي تعطي مفعولها الجمالي. يرتحل من خلال هذا النص المسرحي، الكاتب والمخرج والممثل والمتقبل والقارئ إلى معالم معان مجازية تأويلية لمسرح الحياة في سورية، في خضم حياة المسرح. لذلك، فعل التأويل هو ما يفتح للمعنى أكثر من قراءة خاصة، ويعيد القارئ -في كل مرة- صياغة وقائع الرموز، ليلج الخبايا، وهو بذلك يلتقي بمسرح الحياة في سورية، فتتجلى الثورة جماليًا على الركح.

وإذ تبلغنا هذه الممارسة الفنية، عمق النسيج المتشابك بين حياة المسرح ومسرح الحياة، لنصل إلى نتيجة واحدة: الفصاحة اللغوية للنص المسرحي والتعبير البلاغي عن مشاعر القهر وحركات الاضطراب المؤلمة كلها، التي رسمت الشخصيات خوفها ورعبها وقلقها وتشردها وحماستها وتفاؤلها واغترابها ووحشتها وألمها وغضبها.. وهي في مجملها، تنبعث من هذه التجربة الخاصة والفريدة بمسرح الحياة.

تحتفظ المخرجة بروح الحياة الواقعية، لكنها تعيد تشكيل روح هذا الألم اليومي بطريقة ممسرحة، وهي –كذلك- تقرب روح القضية، وتعالج الشأن السوري على خشبة المسرح التونسي.

وصال عزديني
[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]

جيرون