تكفين الأمم المتحدة في الغوطة



تتواتر التصريحات الدولية المنددة، تارة بجرائم العقاب الجماعي المتزامنة مع استمرار مجازر النظام في الغوطة الشرقية، وتارة أخرى بتوجيه نداءات منسوبة إلى قادة دول ومسؤولي منظمات دولية، تتوسل للضغط على نظام الأسد، أو الطلب من موسكو أن تخفف قليلًا شدة القصف، مع أن موسكو ونظام الأسد وميليشياته تعمل، منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2401، على تصعيد الهجمة التدميرية في الغوطة، غير مكترثة لكل البيانات والنداءات التي تحمل في طياتها طابع التدليس والطبطبة على يد السفاح، والتي وفرت حصد عشرات الأرواح، منذ صدور القرار.

المناشدات الدولية التي تصف مقتل مئات المدنيين في الغوطة، أو تدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها، وفرض الحصار والمعاناة الشديدة للمدنيين، لا يمكن لها أن تحقق أي إنجاز على أرض الواقع، من جهة وقف قصف الطائرات وقتل المدنيين، أو رفع الحصار ودخول مساعدات إنسانية، وخروج الجرحى والمرضى. التسريع بعملية السيطرة العسكرية، بغض النظر عن الخسائر الفادحة التي تتركها وحشية الروس ونظام الأسد، والتي يشاهدها ويراقبها مناشدو موسكو ودمشق. منذ سبعة أعوام يراقب العالم تدمير المخابز والمستشفيات، واستهداف كل من يعمل في المجال الإغاثي والإنساني على الأرض، وقبل الغوطة كانت مساحة سورية المنتفضة على حكم العصابة، تتعرض لهجمات وحشية.

يبرز هنا في مشهد غوطة دمشق، بقوة، مسعى روسيا وإيران القاضي لسحق كل المناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد، وسط حال التراخي والعجز الدولي المنافق الذي يكثر من توصيف حالٍ، استفاض الدم السوري بشرحها وتوصيفها، قبل اللجوء إلى تكفينها اليوم في الغوطة. هذه المساعي الفاشية التي ما زالت تطبع بصماتها على الفترة التي أعقبت هجمة شرسة على إدلب، في الأسابيع الأخيرة، لها سوابق مماثلة، لم تأخذ بعين الاعتبار عشرات آلاف الضحايا، في محاولة لإسدال الستار على المسعى الأساس للسوريين بالتخلص من الطاغية. كانت التصريحات الغربية والروسية والدولية تلتقي على حل “الكارثة السورية” سلميًا، وهو أمرٌ لن يتحقق إلا في حالة توافق دولي على محاكمة الطاغية، بعد إزاحته.

يدرك السوريون مدى التخبط والعجز الأخلاقي والسياسي والدولي، حيال الجرائم الكبرى التي يغرقهم بها الطاغية، والتي يستحيل فيها أن يكون هناك حل دون محاكمته، كافة المقولات والتصريحات الدولية والإقليمية والمنظمات الدولية، التي تعرب عن يأسها و”صدمتها” من هول ما يواجهه السوريون، لم تنقذ ضحايا يسقطون كل لحظة، يترجم فيها الطاغية غرابة وسخف المواقف الدولية لمنطق الإبادة المستمرة، ويدرك السوريون أن توسلات المجتمع الدولي، لا تحذيراته القوية لسفاحهم، تعني إشارات إكمالٍ لا توقفٍ للجريمة.

تكفين أجساد أطفال بغوطة دمشق، بأكياس تحمل شعار المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعكس إدراك السوريين المبكر لحالة الخذلان الدولي وموت الضمير العالمي الذي عبّر عنه السوريون، في الأشهر الأولى من الثورة السورية، عندما رفعوا يافطة في كفرنبل “يسقط العالم… يسقط كل شيء”، وعندما تعجز منظمة (يونيسف) المعنية بحماية الطفولة، قبل أيام، عن التعبير تجاه الضحايا في الغوطة، وتكفين الضحايا اليوم بشعار المنظمة الدولية.

هو سقوط أخلاقي مريع لكل شيء، فلم يعد للمنظومة الدولية في القضايا الدولية أي صدقية، خصوصًا في المرحلة المقبلة المتعلقة بعديد الملفات في المستقبل، إذ استطاع نظام الأسد -عبر موسكو وطهران- إفراغ النصف الثاني لمعنى وجود وعمل المنظمات الدولية، بعد أن كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” قد أجهزتا على النصف الأول من أخلاق المنظمات الدولية، لتكمل موسكو وطهران ونظام الأسد مهمة قتل السوريين، وتكفينهم بشعارات المجتمع الدولي التي يسخر منها طاغية ومحتل.


جيرون


المصدر
جيرون