لقد تسمَّمت أرواح السوريين

[ad_1]

يكاد التناول السطحي للجرائم ودوافعها أن يكون سمة الكتابات الأخيرة عن الجرائم التي وقعت في (بسنادا) اللاذقية، عن رجل قتل زوجته، لخلطها الملح بقهوته ثم انتحاره، أو لاجئ سوري قام بذبح مطلقته دفاعًا عن شرفه!

لا يمكن لعلم النفس الجنائي أو الإجرامي أن يفصل، بين كل الجرائم التي تقع في الجغرافية السورية، أو المتعلقة بالإنسان السوري داخل سورية وخارجها، وبين الحالة الإجرامية العامة التي ينتهجها النظام السوري مع شعبه. وبهذا المعنى، قال عمر بن الخطاب كلمته المعبرة عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للنظام الحاكم، عن كل قطرة دمٍ تُهدر في الجغرافية التي يسيطر عليها حكمه: “والله لو عثرت دابّة في العراق؛ لرأيتني مسؤولًا عنها أمام الله”!

سبعة أعوام، وشعب سورية يتعثر في طريقه نحو الحرية، وفي كل عثرة عشرات الضحايا بل آلاف الضحايا والأبرياء. سبعة أعوام وتمزق كبير أصاب الجغرافية والشخصية السورية، مضافًا إليه عماء سياسي، يبدو فيه النظام والمعارضة شركاء في تعثر السوريين.

أصبحت الأسدية اليوم نزعة تُهدد مستقبل السوريين وحياتهم، فمَن كان يظن أن السوريين الذين هتفوا بلعن روح الأسد المؤسس للأسدية، كنزعة تدميرية لسورية وطنًا وشعبًا، ستتسمم أرواحهم بهذا الشكل، ويتحولون إلى جماعات ومنصات وكتل ومندوبي أجهزة مخابرات وأجندات، وشلل لا حصر لها، وتنسيقيات تحتاج إلى تنسيق، حتى يكاد يصدق على الأسدية اليوم ما صدق على الفرعونية بالأمس: (إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين). فمن يُنكر أنّ الأسدية حولتنا إلى شيع: علوية، سنية، داعشية، زينبية، حسينية، نصروية، كردية صالحية، كردية يسارية، كردية بارزانية، سورية سعودية، سورية تركية، سورية أردنية، مسيحية معارضة، مسيحية موالية، درزية موالية، درزية معارضة….) ويأتي من يقول: “لقد قتل زوجته، بسبب وضعها الملح في فنجان القهوة، ثم مات منتحرًا”!

نحت عالم النفس الألماني كارل يونغ مصطلح: (الذنب الجماعي) Collectiv Guilt، وذلك بعد جرائم النازية، إذ اعتبر أنّ “على كل ألماني أن يشعر بالذنب، بعد جرائم النازية”. صحيح أنّ المذنب يتحمل جريمته بعيدًا من عائلته وعشيرته، ولكن هذا لا يعني ألا يكون لجريمته تداعيات نفسية على كل الجوار، ولذلك يقول يونغ: “لا يمكن لإنسان سويّ أن ينزل في فندق سمع أنّ جريمة قتل حدثت فيه منذ أيام”. ثم يتساءل: “هل نستغرب، إذا أقامت سويسرا مسلخًا بشريًا كمسلخ أوشفيتز (صيدنايا)، ألا يشعر السويسري عندها بالعار من شعوب العالم، حتى لو قال لنا أحدهم: يالكم من خنازير كيف تقتلون الناس بهذه الطريقة؟” ثم يتابع يونغ وكأنه يقصدنا: ثم ألا يجب علينا أن نشعر بالعار؛ إذا كنّا حقًا وطنيين (سوريين)، ونحن نسأل أنفسنا: كيف تنجب سويسرا كل هؤلاء القتلة والخونة والمجرمين؟

منتحر (بسنادا) يعبّر عن قلق الشخصية العلوية، وشعورها بالذنب الجماعي مما حدث بحق السوريين، وربّما يكون قلقله وانتحاره تعبيرًا صادقًا عن حالة اليأس والتشاؤم والقرف والملل، من الموت الذي استقر في ديار السوريين، بل ربما السمّ الذي استقر في أرواحهم.

من يظن أنَّ استئناف مشاهد الموت والقتل واحتضار الأطفال، وهم يلفظون أرواحهم من الغازات السامة، أو رؤية الرجال بلا أطراف أو رؤوس، أو مشاهد (يوتيوب وفيسبوك) لـ (داعش) وهي تذبح الناس، أو مشاهد التعذيب الطائفي في المعتقلات والسجون، لم تفعل فعلها في النفسية السورية، وأنّ هذا الفعل سيتجسد عنفًا، في مناح عدة وأشكال تتفاوت شدتها وصورها، حتى يبدو السوري وكأنّه ممسوس، كما في رواية دوستويفسكي (الممسوسين)، وهو يتحدث عمن يقوم بأعمال فاضحة دون أي دوافع واضحة، وهنا في حالتنا السورية يبدو كثير من السوريين يتصرفون كممسوسين، فرجل يقتل رجلًا لشجار على كلمة، ورجل يقتل رجلًا على ربطة خبز، ورجل يقتل مطلقته، وأسرة تقتل أطفالها، ومطلق يذبح مطلقته، وعشرات القصص العنفية خارج نطاق الثورة القتالي؛ ما يدل دلالة واضحة على ارتباط المشهد برمته بالأسدية برمتها.

لقد أصابنا -السوريين- الذنبُ الجماعي السيكولوجي، وهو ما عبّر عنه أفلاطون: إنّ رؤية الشر والقبح تستثير الشر الكامن في النفس البشرية.

التقيت مرة بمقاتل من ثوار اللاذقية، كان على دراجته النارية، وقد أصاب صاروخٌ سيارةً تحمل جنودًا مثله، وتفحموا أمام عينيه، قلت له ما شعورك الآن؟ أجابني: لست مباليًا بهذه الحياة، ويأتيني شعور بأنني أملك القدرة على تمزيق أي إنسان بسكيني دون أن تهتز فيّ شعرة!

الأسدية كالهتلرية تتجاوز شخوصها، وأصبحت الأسدية معنًى كامنًا وشيئًا في داخل كل فرد منا، كما كانت النازية في داخل كل فرد ألماني، يقول يونغ: كان هتلر (كما الأسد اليوم) يمثل الظل، أي الجانب المنحط، في كل شخص بدرجة طاغية، وهذا كان سببًا في هيام الألمان به (كما هام بعض السوريين بالأسد).

النزعات التدميرية للحياة وللمجتمعات، كالنازية والأسدية، تشوه كل معاني الحياة ويجزم كاتب هذه السطور أنّ ممارسة السوريين -الموالين منهم والمعارضين– للجنس اختلفت بين الزوجين أو العشيقين، عما كانت عليه قبل الثورة السورية، إذ يصبح الجنس ملاذًا آمنًا، تختلط فيه عواطف الحب بموجات العنف التي تعيشها البلاد، كل شيء دخل في سياقات العنف والتدمير، ومشاهد الذل البشري تتغير وتختلق صورًا يصعب فهمها وتفسيرها، وربما تكون آليات تلجأ إليها بعض النفوس، حتى لا تتلوث بمستنقع العنف، ولكن هيهات.

إن خبث الآخرين يصبح خبثًا فينا، لأنه يوقد شيئًا خبيثًا في قلوبنا، حتى كأننا نصبح كلنا نمارس القتل ونقترف الجريمة.

وبهذا المعنى المؤلم؛ قد يكون قصد النبي مُحمّد، عندما قال في حديث صحيح: “لا تُقتل نفس ظُلمًا إلا كان للإنسان الأول كفل من دمها”، (يقصد قابيل يوم قتل هابيل) وقياسًا عليه؛ لا يقتل سوري اليوم: موال أو معارض سني أو علوي، إلا كان لآل الأسد وللأسد الأول الوزر الأعظم من دمهم.

النفس البشرية واحدة، وسعادة جزء تمنح باقي الأجزاء سعادة، ومعاناة جزء ستؤدي إلى معاناة الأجزاء الأخرى، وشاول اليوم يعتلج أرواح السوريين، رغبة في الثأر والموت والانتقام، فمتى يكون التحول العظيم إلى بولس الرسول؟ إلى بولس السلام؟ فدمشق الشرق، كما باريس الغرب، هي مدينة التحولات الكبرى في التاريخ!

لا خلاص لنا -السوريين في الوطن والمهجر- ما لم نتحرر جميعًا من الأسدية؛ لأنّ جعل الأسدية تبدو منتصرة في هذا العالم يعني انتصار الخديعة على الفضيلة والموت على الحياة، وهذا أسوأ ما يمكن حدوثه، ويصعب الجزم أين ستصل معه (طرطشة) دم السوريين!

لقد تسمّمت أرواحنا جميعًا، وبغير ترياق الحرية لن تُشفى.

منصور حسنو
[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]

جيرون