الشيخ والمنبر



كان خطيبًا جريئًا، يسحر كثيرين ممن في المسجد، بنبرة صوته الجهوري، وسرعة توالي كلماته، ولا سيّما يومَ يلقي الخطبة عن ظهر قلب، بَيد أنه كان يلحَن في الكلام، وكان يعرف أنه يلحن لكنه لا يعلم أين ومتى. دنا منه الأستاذ جاسم يومًا، وهمسَ في أذنه: “والله، يا شيخ طه، إني لك ناصح أمين، وأقسم لك إنك من أحسن من اعتلى منبر جامع البلدة خطيبًا، لولا أنك تلحن في اللغة؛ فينقلب هذا الحسن قبحًا، ولو أنك أتقنت علمَ النحو والصرف؛ لتمّ لك شطرُ الحُسن، ولأسمعتَ ذا اللبّ وذا القلب كليهما، وما ذاك منك ببعيد، بل ربما صرت خطيب الجامع الأكبر في المحافظة، وما الذي يعتلي منبره بأخطب منك!”. ظلّ صدى كلمات الأستاذ جاسم يتردد في جمجمة الشيخ طه، أيامًا وليالي، وكان الشيخ يعرف داءه، ولكنه يرجئ العلاج أو لا يراه ضرورة. وبعد أيام أمضى الشيخ لياليها ساهرًا يتفكر في الخلاص من تلك العلة التي تعوق بلوغه الغاية؛ عقد العزم على أن يسمع نصيحة الأستاذ جاسم، وقرر أن يبدأ المشوار، فقصدَ بيتَ الأستاذ “عبد العليم”، وكان عمدةً في علوم اللغة، وسأله أن يعلّمه من علوم اللغة، وعرض عليه أجرًا وافيًا؛ مقابل أن يتقن هذا العلم. رأى الأستاذ الشيخَ طه صادقًا في رغبته، فرضي بالعرض، واشترط عليه السمع والطاعة في قراءة وحفظ كلّ ما يطلبه، دون اعتراض أو تباطؤ أو امتعاض، وإلا؛ فلا درس له عنده. لم يجد الشيخ بُدًا من القبول، إذ كانت رغبته في الشفاء أكبر من أن يحول دونها عائق. وهكذا، توقف الشيخ عن الخطابة في المسجد، وتفرّغ تمامًا للدرس، كما طلب أستاذه.

بعد ستة أشهر من الدراسة والقراءة والمتابعة والجد؛ صار الشيخ طه يعرف قواعد النحو والصرف معظمها، واطّلع على بعض أسرار البلاغة، وصار يجد حلاوة في حل المسائل، ولذةً في كشف المشاكل، وغدا يفكر في أبعاد القول، ويتفكّر في مقاصد القائل، ويتدبر المعاني والأغراض، وأدرك أنه لم يكن يعلم إلا النزر اليسير، وشعر بأنه لمّا يرتوِ بعدُ من ذلك المنهل، وأن عليه أن يمضي في الطريق، ويتعلم من البلاغة والفصاحة والبيان والمجاز ما يغنيه عن السؤال، فأمضى ستة أشهر أخرى مُكبًا على دروسه، فلا يكاد يُرى إلا متأبطًا كتابَه، ذاهبًا إلى الأستاذ أو عائدًا من عنده. وبعد سنة كاملة من الدراسة والبحث في اللغة وعلومها وسياقاتها ودلالاتها؛ صار الشيخ طه يجيد اللغة على نحو دانٍ من الممتاز، وقد ظهرَت عليه آيات الزهد في الحفظ، والرغبة في الفهم، والميل إلى التأني قبل السؤال والتروي قبل الجواب، فضلًا عن أنه أمسى صديقًا حميمًا للأستاذ، حينئذ قال له الأستاذ عبد العليم: الآن، يا طه، قد بلغت الغاية التي ارتجيت، وقد كُفيت اللحن في القول، وما عند مثلي لمثلك من مزيد. عد إلى منبرك، فلا بأس عليك بعد اليوم.

فرح الشيخ بشهادة أستاذه فرحًا ما عرف مثله من قبل قطّ، وذهب إلى المسجد وأخبر المؤذن أنه سيكون الخطيبَ هذه الجمعة، ثم قفل إلى بيته وولج غرفته ووجهه يفيض حبورًا بما أنجز وسينجز، وشرع يعدّ خطبة الجمعة، وقد أحاط به الشوق إلى منبر الجامع وجموع المستمعين، ولكنه شعر، غير مرة، بأنه يرتبك في اختيار الموضوع، فكلما اختار موضوعًا وفكّر في جدواه ومناسبته؛ زهد فيه ورغب عنه إلى غيره، حتى إذا استقر رأيه على موضوع؛ احتار في مقدمته كيف يبدؤها، وعرضه كيف يفصّله، وشواهده أيّها أتمّ وأحسن، وأيّها أقوم وأنسب، ولم يعهد هذا الشعور من قبلُ، أيامَ كان يحفظ الخطبة كاملة من كتابٍ في الخزانة، ثم يلقيها على الناس، كما هي، ويمضي في سبيله. أعاد التجربة، فوجد أنه أعجز من أن يتخلص من تلك الحيرة الطارئة، وفي كل مرة، كان ارتباكه يزداد، وتردده يتسع؛ فتراءى له ذلك الكتاب في الخزانة، وكأنه يناديه أن هلمّ أنقذك، فهشّ له ودلف إليه، ولكنه ما إن لمس الكتاب حتى شعر بأنه ينقض غزله أنكاثًا، وبدا له أن لا نجاحَ دون هجر هذا الكتاب الذي أزهق مؤلفُه روحَ الخُطب وحنطها بين دفتيه؛ فأدار ظهره للكتاب، وأصرّ على مواجهة الموقف، وأمضى ليلته تلك يخط ويمحو.. ويبني ويهدم إلى أن أحس أنه أنجز أفضل الممكن. ولكنه عندما قرأ ما كتبه في الصباح، بدا له أن النص خديج، فبدأ من جديد يثبت ويزيل حتى ظن أنه أتمّ العمل، ومرة أخرى، ساعة أعاد القراءة، رأى ما لم تقرّ به عينه، فمزق الأوراق، وشرع يكتب موضوعًا غير الأول، وظل طوال الليل معتكفًا في محراب الكتابة، حتى إنه نام حيث كان يكتب.

يوم الخميس، كان الشيخ يشعر بأنه يدنو من مصيبة كبيرة بإرادته، وأمضى نهاره وجِلًا، حتى إذا حلّ الليل، تراءى له أنه عاجز عن إلقاء الخطبة، وأن هذا الأمر خطير وصعب بل هو مستحيل. لم يستطع النوم، اتصل بالمؤذن، قبل أذان الفجر، يخبره أن لن يستطيع الحضور غدًا بسبب ظرف خاص، وعلل نفسه بأنه سيطيل مدة التدرب حتى الجمعة التي بعدها.

في يوم الجمعة الموعود، تجمّع الناس في المسجد وقت الخطبة، ومنهم من كان مشتاقًا لخطب الشيخ طه المدويّة، ولكن الخطيب المنتظَر لم يأتِ، فتدارك المؤذن الموقف، وأومأ إلى الحاج محمود أن ألق خطبة اليوم، وحين صعد الحاج المنبر، استغرب الأستاذ عبد العليم الأمرَ، إذ كان ينتظر أن يرى الشيخ طه ويسمعه، وما إن انتهت الخطبة فالصلاة حتى انطلق الأستاذ عبد العليم قاصدًا دار الشيخ طه ينظر الأمر، فاستقبله الشيخ وبادره بالكلام: أظنك جئت تستفسر عن سبب عدم مجيئي إلى خطبة اليوم، سأنبئك بالسبب، ولا أظن أني مخبرٌ أحدًا غيرك بحقيقة الأمر، لأنك وحدك من سيصدقني. صدقني، يا أستاذ، أقسم لك إنني لا أصلح أن أكون خطيبًا الآن، وربما لن أصلح في قابل الأيام، إنّ الأمر جلل، يا أستاذ. قال الأستاذ: ولكنك كنت تخطب في الناس طوال خمس سنين، دون أن يكون الأمر جللًا، فما الذي طرأ! لقد ظننت أنك، بعد أن درستَ علوم اللغة، ستكون أفضل بما لا يقاس من قبل! قال الشيخ: صدقني، يا أستاذ، لا أعرف ماذا دهاني حقًا، حتى إنني أتعجب من نفسي كيف كنت أصعد المنبر وأخطب بالناس، بل إنني أكاد أجزم أن ذلك الشخص لم يكن أنا! دعني أعترف لك، لك وحسب، والله، يا أستاذ، لقد كنتُ أكثر جرأة على الكلام، أيامَ كنتُ لا أعلم ما يعني.


حمدي المصطفى


المصدر
جيرون