الدكتاتور السفاح: بشار الأسد ابن أبيه



هل هي صدفة، أم خطة وضعتها الدول الكبرى لرسم خارطة التطور السياسي المعاصر في سورية؟

عرفت سورية في تاريخها المعاصر سلسلةً من الانقلابات العسكرية التي عكست الاستقطابات الدولية والإقليمية في الساحة السورية، وقد كانت الأيدي الخارجية مؤثرة في خلق اضطرابات سياسية، أعاقت الاستقرار وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية منتظمة، وبالرغم من أن سورية شهدت مرحلة ديمقراطية امتدت أربع سنوات تقريبًا، قبل الوحدة السورية المصرية 1958، فإن سورية لم تنس الانقلابات العسكرية فعادت من جديد. وبعد استيلاء حزب البعث 1963 على الحكم، نتيجة انقلاب 8 آذار/ مارس؛ بدأت مرحلة نوعية جديدة اتسمت بسيطرة مجموعة من الضباط العلويين الذين خططوا بشكل دقيق لحكم سورية إلى الأبد.

وهكذا استقر الأمر في عام 1970 مع انقلاب حافظ الأسد على رفاقه، وزجهم في السجن لمدد لا تقل عن 20 عامًا. وباشر ببناء دولة أمنية بامتياز، عمودها الفقري أبناء الطائفة وكل من له مصلحة من أبناء الأكثرية السنية والمسيحيين وبقية الأقليات.

يتذكر السوريون كيف انقلب حافظ الأسد على أقرب الناس إليه: صلاح جديد ومحمد عمران، وتخلص منهم بعد أن زار لندن واختفى عدة أشهر، ورتب مع الاستخبارات البريطانية مستقبل سورية لعقود طويلة. وهكذا حصل.

كما استغل الأسد الأب الطائفة العلوية شرّ استغلال، فبدلًا من تطوير المناطق العلوية وتخفيف نسبة الفقر فيها وتعليم أبنائها، حرص على إبقائهم تحت قبضته وأجبر أبناءهم على الالتحاق بالأمن والجيش، لتحقيق مصدر عيش لهم.

لقد كانت نظرية حافظ الأسد تقوم على قدسية السلطة، وأنها خط أحمر يمنع ملامسته. أما الفساد فحدث ولا حرج، لأنه بذلك كان يُحكم سيطرته على المسؤولين في الدولة، بإمساك ملفات تثبت فسادهم، وبذلك يضمن ولاءهم المطلق له. هكذا بنى دولة أمنية ونظامًا شموليًا يحقق سلطة الفرد الواحد المطلقة. وكما كتب علي عباس، حاول حافظ الأسد أن يقضي تمامًا على مدنيّة سورية، فكانت الثورة ضده في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، التي لم تكن حركة إخوان مسلمين، كما ادعى الأسد، بل كانت انتفاضة شعب حر أبي، يرفض القمع ويرفض الدكتاتورية، انتفضت سورية كلها، حتى قسم من العلويين، الحزب الشيوعي بشكل خاص. وأثبتت السنوات اللاحقة أن الأسد الأب لعب دورًا وظيفيًا خطيرًا في المنطقة، حيث شكل بؤرة للقلق والاضطرابات والتدخل في شؤون الدول المجاورة، وكان يلعب بأوراق كثيرة لكي يثبت حكمه، الذي تسبب في هرب لا يقل عن عشرة مليون سوري، هم زبدتها وخيرتها، وتحولت سورية على يده من دولة مهمة محورية، إلى دولة يعيش يبحث أبناؤها عن لقمة العيش وفرصة كريمة في الحياة، ويعيشون في مملكة الخوف والقمع الذي لم تعرفه دولة بهذه المنطقة عبر التاريخ كله، في أشد لحظات التاريخ سوادًا لم يمرّ على سورية قمع كقمع الأسد، فقد لعب على بعض التناقضات الخارجية، ولكن الهدف كان كرسيه فقط، وليس مصلحة سورية.

وخطط الأسد الأب لإعداد وريث له في الحكم، فاختار ابنه الأكبر باسل لهذه المهمة، وكرّس كل الإمكانات لتربية باسل، سياسيًا وعلميًا وعسكريًا ورياضيًا واجتماعيًا، وكان ذا شخصية قوية وجريئة. لكنه مات في حادث سيارة لم يعرف من يقف وراء موته حتى اليوم. وكان رحيل الابن الأكبر للأسد كارثة حقيقية هزت عقله وجسده، فأصبح مهزوزًا، ولذلك اختار بشار ليحل محل باسل في وراثة الحكم.

شخصية بشار الأسد

قد يكون وصف بشار من قبل ترامب بالحيوان أبلغ وصف. ولكن حتى لقب الأسد وهو اسم حيوان أيضًا أصبح مرعبًا للسوريين على مدى خمسين عامًا. فيمكن أن تشتم الإله ولا يجوز الاقتراب من الأسد.

وقد كتب عدد من الباحثين الأجانب مقالات وبحوثًا حللوا فيها شخصية بشار الأسد، ومنهم الباحثة الروسية الخبيرة في علم النفس السياسي يكاتيرينا إيغوروفا التي تقول: “يبدو الذهول في العديد من المنشورات عن بشار الأسد: كيف استطاع هذا الشاب الخجول والمتواضع التحوّل إلى دكتاتور دموي؟ حسب وجهة نظرنا، لا يوجد شيء يدعو إلى الدهشة في ذلك، إذ إن العديد من الطغاة خلال القرنين 20-21 كانوا مراهقين متواضعين، حتى إنهم كانوا خجولين. لينين وستالين وصدام حسين ولوكاشينكو وميلوشوفيتش، كلهم لم يظهروا ملامح للعدوان أو القسوة في طفولتهم. وكقاعدة عامة، يتربى الطغاة الدمويون في عائلات تكون الأم هي المربية الأساسية. تستعرض أفلام المخرج والمنتج البريطاني ألفريد هيتشكوك آلية التحول هذه، من ولد هادئ إلى جزار، بشكل واضح”.

فهناك نوع من العائلات، لا يقوم الآباء فيها بتربية أولادهم، نظرًا إلى انشغالهم، وفي الوقت نفسه، يكون لديهم أولاد آخرون، ربط هؤلاء الآباء آمالهم بهم. ويشعر الطاغية المقبل بالغيرة الشديدة من أخيه، ونقص الحب من والديه. ويُعدّ بشار مثالًا لهذا النوع من العائلات.

في واقع الأمر، كان حافظ الأسد غير مشارك في عملية تربية الأولاد، إذ إنه كان يعطي وقته بالكامل لعمله. وكان يربط جميع آماله بابنه الأكبر باسل، الذي كان عدوانيًا مفتول العضلات، والذي من الواضح أنه كان مناسبًا لمواصلة عمل أبيه: الحكم الدكتاتوري. وكان هناك أولاد آخرون، يفوقون بشار في الصفات النفسية بشكل واضح، منهم ماهر وهو نسخة من الأخ الأكبر، والأخت بشرى وهي ذات شخصية جذابة وقوية، ولم يحالفها الحظ كونها بنتًا، وإلا؛ لكانت ستلعب الأدوار الأولى في عائلة الأسد. وكان كلٌّ من الأب والأخ الأكبر يثيران مشاعر متناقضة عند بشار، حيث كان يحبهما ويغار منهما، مدركًا مدى إخفاقه بجانبهما.

تضيف الباحثة: يسمح تحليل شخصية بشار الأسد بعمل تقييمات وتوقعات أكثر دقة. بشار الأسد هو شخصية ذات “احترام ذات” متدني، وتتطلب تعويضًا مستمرًا، حيث يدرك تمامًا أنه يجب عليه أن يثبت لنفسه وللذين حوله أنه امتداد جدير لأبيه، وأنه قادر على التعامل مع رئاسة الدولة، بشكل ليس أسوأ من أخيه الأكبر.

وقد لاحظت الباحثة، من خلال متابعة مقابلات بشار الأسد، أنه يستخدم النفي بشكل متكرر في خطاباته باللغة الإنجليزية، بل إنه في العبارة الواحدة يمكن أن يستخدمه أكثر من مرة، ما يعني أنه كان يشعر بالانزعاج الشديد في هذه المحادثة، مرغمًا على أن ينفي ما لا يرى به شيئًا سيئًا.

وأمام حبه السلطة وضرورة إثبات أنه لا يقل عن أبيه؛ تحوّل إلى وحش مفترس، وهو مريض نفسيًا، ويتصور أن كل من حوله يريد قتله، لذلك يتعامل مع الجرائم المرتكبة بحق السوريين بدم بارد، وكأن شيئًا لم يحدث، أو بالأحرى كأن ما حدث شيء طبيعي.

فبشار -كما عبّر علي عبّاس- مهلهل الشخصية ضعيفها، أبله، يعاني من كثير من العقد، أهمها تهميشه مقابل أخيه الأكبر، وماهر عنيف جدًا بالكاد يحسن الكلام، ولا يفهم إلا العنف والدم، ومجد أقرب منه للجنون، إضافة إلى الإدمان على المخدرات، وبشرى وحش عاهر بجسد أنثى، أما باسل فهو -والكلام لأبيه حافظ- ابنه الحقيقي وبكره وأمله في أن يكمل مسار أبيه. ولقد سلّم المقبور حافظ سورية البلدَ الجميل ذا التاريخ الحضاري العريق والغني بالثقافات والتراث الذي يفخر به العالم كله سلّمه لابنه المريض، فقط لأنه ابنه، ولم يستطع بشار أن يوفي بوعوده في التطوير والتحديث، ولم يدم ربيع دمشق سوى سنة واحدة، انقلب بعدها بتحريض من جنرالات الأمن على المفكرين والسياسيين السوريين، ليودعهم في السجون، وحوّل سورية إلى سجن كبير، وأصبح أسوأ من أبيه.

ولا ننسى لحظة اختلاء مادلين أولبرايت ببشار الأسد، يوم جاءت تعزّي بوفاة أبيه المقبور حافظ، فلذلك دلالة رمزية قد تكون أثرت في كل المراحل القادمة في الحكم الأسدي لسورية.

لقد ارتكب بشار أخطاء استراتيجية كثيرة توضح غباءه، وهو بحق أبلَه، وكان حافظ يردد كثيرًا، أنه لم يخلّف إلا ابنَه باسل. ولكن الخطأ الاستراتيجي القاتل، الذي سيودي بامبراطورية الأسد، وينهي حكم هذه العائلة المجرمة، هو موقفه من ثورة الحرية والكرامة بارتكابه جرائم كبرى بحق الشعب السوري.

لكن بشار سينتهي نهاية ذليلة، لأنه فقد السلطة وباع الوطن، ورضي أن يكون موظفًا لدى ولي الفقيه الدجال، ولدى الرئيس الروسي. ويكفي أن نتذكر كيف استدعاه الروس عدة مرات بطريقة مذلة ومهينة، لنعرف أنه انتهى وانتهى حكم عائلة الأسد. وفي الحقيقة انتهى حكم الأسد منذ أن سمح لنفسه باستخدام الدبابات والطائرات والسلاح الكيمياوي ضد شعبه. إنه سفاح دمشق ابن أبيه سفاح سورية.

ونتذكر هنا كلمات العالم الكبير أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء (1999)، حيث دعا إلى إنقاذ الشعب السوري والحضارة السورية، من حرب إبادة يشنها نظام الأسد ضد أبناء شعبه، فيقصفهم من البحر، ويضربهم بالقنابل من الجو، ويقتلهم داخل منازلهم.


محمود الحمزة


المصدر
جيرون