أبناء الثورة أكلوها



لم يكن جورج أورويل حليمًا في روايته الأشهر: (1984)؛ ففي المشهد الأخير من الرواية، يعترف البطل “الذي تمرّد فتعرض لتعذيب من الصعب وصفه” بأنه صار يحب “الأخ الأكبر”، والأخ الأكبر في سورية هو بشار الأسد: نظامه ومؤيدوه وشبيحته وعساكره وعصاباته.

لم يكن أورويل حليمًا بالقرّاء، لم يكتفِ بإفشال الثورة، وبالقضاء على علاقة الحب التي يخوض أبطالها أقسى أنواع العذاب، بسبب خروجهم على القوانين والقواعد التي فرضها النظام الشمولي الديكتاتوري الحاكم، بل دفع البطل إلى أكثر الحالات حزنًا وقسوة: صار يحب الأخَ الأكبر.

قبل يومين، دار حديث بيني وبين شاب في (كفر بطنا)، بقي هو وأهله في مدينته، تحت ما يسمى “مصالحات مع النظام”، لم يغادر إلى إدلب، ولم يخرج إلى دمشق إلى مراكز الإيواء، بقي في ما “تبقى” من بيته.

الشاب الذي سأدعوه “محمد” (كم مريح أن يكون لدينا اسم يمكن أن نطلقه على كل الذكور في بلدنا! محمد الاسم الوحيد الذي يمكن أن تنادي به أي شاب، ولن يتجاهلك من تناديه) جاء صوته من كفر بطنا رقيقًا، فاجأتني رنة الحنان والرضى التي وصلتني من الغوطة، بعد كل ما عاناه مع أهله.

محمد تحدّث إليّ بإسهاب (طبعًا على اعتبار أنني صحافية، وأسأل عن التفاصيل في كل شيء)، عن ظروف حياته اليوم. أعود لتذكيركم أن ما سأتكلم عنه وما شرحه لي محمد لم يحمل نبرة غضب أو كره، ولم يحمّلني صوته مسؤولية أنني في أمان خارج سورية، وأنه عاش حصارًا وقصفًا وموتًا يوميًا، على مدار الدقيقة لا الساعة.

محمد وعائلته ما يزالون يعيشون في قبو، لأن منزلهم تعرض للقصف ولا يمكن السكن فيه، ومهمة محاولة جعله صالحًا للحياة منوطة الآن به، هو الشاب الوحيد في العائلة شبه المنكوبة؛ وهي شبه منكوبة ليس لأن منزلهم غير صالح للسكن، وإنما لأن والده أصيب بقذيفة أقعدته عن الحركة وسببت له الشلل، وأخته كذلك فقدت القدرة على المشي والكلام، وأما بقية العائلة -إن كان ثمة بقية- فلم يأت على ذكرها محمد، وكأن العائلة هي الأب والأخت فقط، ولم أسأله عن أمه، ربما لأنني احتميت خلف رنة الرضى في كلامه، فتآمرت معها كي لا يخبرني بأن أمه استشهدت، فأضطر إلى الإحساس بالذنب.

قال لي محمد: “التريكسات دخلت إلى البلد، تقوم بنقل الركام ببطء، وقام النظام بفتح مدرسة لمن تبقى من أطفال في البلدة، ذهبتُ إلى رجال الأمن ووقّعتُ على تعهد”. بالطبع، تغيّر صوته وهو يحدثني عن التعهد، فالورقة التي وقّعها بالطبع مذلة، وإن كان محمد قد خاض كل تلك الاحتمالات من الموت على مدى سنوات، فإن مجرد ورقة أشعرته بالإهانة، خصوصًا أنه اضطر إلى الاستجداء والترجي، ليستطيع أخذ الورقة إلى المنزل، ليتمكن أبوه وأخته من التوقيع عليها، إذًا ليست مجرد ورقة، لأنها أخذت منه ما لم يستطع النظام أخذه خلال سنوات القتل، وسرعان ما عاد صوت محمد للهدوء.

لم أشعر بالرضى، توقّعت أو انتظرت كمًا من الكراهية غير محدود، فاجأني محمد بقدرته الغريبة على حمد الله، لأنه ما يزال وعائلته على قيد الحياة، فلو أنه استشهد؛ لبقي أبوه وأخته في الشارع، ولكن لماذا بقيت يا محمد في كفر بطنا؟ هل كنت مضطرًا إلى التعايش مع ذل أن يعود النظام إلى مدينتك التي تخلصت منه منذ سنوات؟ هل من المعقول أن ثماني سنين من القهر استطاع محمد أن ينساها أو أن يتعايش معها؟ هل انتهت الثورة السورية؟ هل ندمتَ يا محمد؟

أسئلة بقيت في رأسي، لم أطرحها على محمد، ولن أفعل، ربما خفت أن يكون جورج أورويل حليمًا بنا أكثر من محمد، غالبًا شعرت بأن نظرياتي عن الثورة ستنهار؛ إذا ما تخطى محمد أورويل في قسوته، ولكنه لم ينتظر مني أن أسأله، قال لي: “الثورة فكرة والفكرة لا تموت، ولكن علينا أن نعيش لنفكر ماذا سنفعل غدًا، علينا أن نعترف بأننا قَتلنا بعضنا، ومارسنا كل أصناف ديكتاتورية النظام مع بعضنا نحن أبناء الثورة. الثورة تأكل أبناءها؟! لا.. أبناء الثورة أكلوها، ولكننا لم نمت”.


هنادي الخطيب


المصدر
جيرون