عليكم أن تصغوا لنا: لا يمكن أن نعيش تحت سلطة الأسد ثانية



الحديث عن فرضية عودة قريبة للاجئين السوريين إلى بلادهم، تحت تأثير عوامل الضغط الاقتصادي والسياسي، السائدة داخل المجتمعات المحلية في الدول المضيفة، هو حديث سابق لأوانه، لاعتبارات عديدة؛ فالعوامل التي دفعتهم إلى مغادرة البلاد ما تزال قائمة، والعقبة التي تحول دون ذلك هي استمرار الأسد ونظامه، وبالتالي استحالة تواصل الحياة تحت مظلة سلطة بوليسية، رفض السوريون بقاءها منذ سبع سنوات.

في 30 حزيران/ يونيو 2017، أعلن “مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” أن ما يقرب من نصف مليون سوري عادوا إلى ديارهم، بين شهري كانون الثاني/ يناير، وأيار/ مايو 2017، وغلبت على الإعلان لهجة تفاؤل، تنمّ عن احتمالية متوقعة لعودة الملايين، إذا ما تعزّز السلام والاستقرار. لكن بعثة، برئاسة مدير الأبحاث في جامعة ليون 2 فابريس بالونش، زارت لبنان والتقت عيّنات مختلفة ممن هم على قوائم اللجوء، خلصت إلى رأي مختلف. فقد تحفظت ليس فقط على ما روج له الإعلان، بل أيضًا، حول ما إذا كان يجدر بالسوريين العودة أساسًا، حتى لو أصبح حلم السلام الخيالي حقيقة واقعة.

في 16 نيسان/ أبريل الجاري، عقد مركز (كارنيغي) للشرق الأوسط ببيروت، ندوة تناولت المعضلة ذاتها، أطلق فيها تقريرًا استمر الإعداد له أكثر من عام: (حلقات نقاش وورش عمل، بالتعاون مع منظمات غير حكومية وخبراء بشؤون سورية والهجرة وحل النزاعات)، حول محفزات عودة اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان والأردن، على خلفية ما وصفته مديرة المركز مها يحيى التي أعدّت التقرير، بمشاركة كل من جان قصير وخليل الحريري، بأنه سياسات منهَجية تدريجيًا، تعكس مخاوف عميقة مما قد يترتب على طول مدّة تواجدهم. علاوة على تدهور ظروف إقامتهم، وصعوبة حركتهم وحصولهم على الوظائف والتعليم والعناية الصحية.

أفضت ورش العمل المُغلقة والطاولات المستديرة، ومجموعات النقاش التي نظمها فريق البحث، وبلغ عددها 39 مجموعة، (   49في المئة من المشاركين فيها إناث، و51 في المئة من ذكور، أعمارهم مختلفة)، إضافة إلى نقاشات غير رسمية مع أطراف مُطّلعة بارزة وأصحاب الشأن المحليين والدوليين. إلى ثلاثة نتائج تعرض حياة اللاجئين إلى الخطر، إذا ما أجبروا على العودة: أولها، منعهم من الدخول لدى عودتهم إلى مسقط رأسهم أو اضطهادهم، حيث تؤدّي قوات النظام دورًا في النقل القسري للسكان، عن طريق الحصار واتفاقات السلام المحلية. وثانيها، عودة بالغة العسر بسبب تشظي الأراضي، ودمار النواة الحضرية والمناطق الريفية، والتشريعات الأخيرة حول حقوق الملكية. وثالثها، خطورة العودة مع انتشار العصابات والميليشيات في مناطق النظام والمعارضة في آن معًا.

لماذا فروا من سورية؟

يرجع السبب، كما أوضح 82 بالمئة من الذين استطلعت أراءهم حلقات النقاش، إلى تدهور الأوضاع الأمنية، أو نشوب حوادث استهدفتهم أو نالت من عائلاتهم. كالاعتقالات التعسفية، والتوقيف العشوائي على الحواجز، أو وفاة أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء نتيجة القصف العشوائي، فيما قال بعضهم، إنه غادر لتفادي التجنيد العسكري الإلزامي للذكور (ما بين الثامنة عشرة والثانية والأربعين من العمر). وقد حمل الخوف من التجنيد الإلزامي معظمَ الشباب المشاركين في حلقات النقاش- المؤيّدين للنظام ومعارضيه، على حد سواء- على البقاء خارج سورية. وانطوت مخاوفهم على أبعاد طائفية؛ إذ ثمة لازمة تكرّرت في سرديات الشباب الذكور، مفادها إن المجنّدين السنّة يُرسلون إلى الموت على الجبهات الأمامية، في حين يبقى العلويون من طائفة الرئيس الأسد بعيدًا عن الجبهات، يقول أحمد من حلب: بسبب الحرب، يضعونني، أنا السنّي، على الجبهة، ويتركون العلويين خلفي. لماذا يرسلونني إلى الجبهة؟ من سأقاتل؟ ولماذا يختبئ العلويون ورائي؟ ولماذا عليّ أنا الموت، وليس العلويين؟

تتطابق النتائج مع تقارير منظمات دولية، من بينها تقرير صدر في آب/ أغسطس 2012 عن منظمة (أطباء بلا حدود)، يؤكد أن 75 بالمئة من اللاجئين غادروا بيوتهم لأسباب أمنية. وكان أسامة، وهو لاجئ شاب من درعا، لسان حال كثيرين حين قال: “غادرنا البلد لكيلا نَقتل أو نُقتل. أردنا أن نعيش مثل الجميع… لو كنا نريد القتال لبقينا وتحدّينا العالم. لكن معنا نساء وأطفال، ولا نرغب في أن يأتي أحدهم ويغتصبهم، ولا نريد أن نُشتم أو نُهان”.

إحباطات مركبة

أكد معظم السوريين أنهم خسروا ما كانوا يملكون، وباتوا يعيشون في ظروف بائسة، ويعانون من تراكم الديون الشخصية وتقلّص شبكات الأمان، مع خفض منظمات الأمم المتحدة دعمها في الدول المضيفة. يضاف إلى ذلك عدم حصول أولادهم على التعليم الذي يحتاجون إليه لتأمين مستقبل منتج ومجز. وكان من الملاحظ لدى الأغلبية، وجود حالة عجز، تحول بينهم وبين بناء حياة ذات معنى في المنفى، في وقت قالوا: إنهم لا يستطيعون العودة إلى ديارهم.

ينبع شعور اللاجئين بالإحباط، بشكل عام، من اعتقادهم العميق بأن المجتمع الدولي تخلّى عنهم، وبأن الأطراف الخارجية في النزاع السوري قادرة على فرض السلام والاستقرار، إذا ما شاءت ذلك، لكنها لا تريد. ناهيك عن أنهم فقدوا ثقتهم عمومًا بمسارَي أستانا وجنيف؛ فقد قالت سميرة من ريف دمشق: “نسمع كثيرًا من الكلام، ولكننا في الواقع، لا نرى إلا القليل على الأرض”. وهناك قناعة لدى الجميع بأن عملية السلام ترمي إلى ترجيح مصالح الأطراف المشاركة فيها، خصوصًا روسيا والولايات المتحدة وإيران، غير آبهةٍ بسورية أو بالسوريين.

عدم جاذبية هذا الخيار

روى عمر (من درعا) ما حصل معه، وهو في الطريق إلى مغادرة بلده: “أُصبتُ أنا وأطفالي بجروح في الصراع، ورغبنا في مغادرة البلد، ولكن عناصر جيش الأسد أوقفونا على حاجز المعضمية على طريق درعا. وعلى الرغم من أن إصاباتنا كانت واضحة ومرئية، وكنا غارقين بالدم، سألونا إلى أين، فقلنا إننا نغادر.. ثم فتشونا وأرسلونا إلى وحدة أمنية. وهناك أخلوا سبيل النساء والأطفال، واحتجزوني مع ابني الجريح”.

قادت خطوات البحث عن ملاذ آمن قسمًا من اللاجئين إلى الهجرة عبر البحار. وبالرغم من أن فكرة اللجوء إلى أوروبا راقت لبعضهم، فإن غالبية المشاركين في حلقات النقاش، وخصوصًا النساء والمسنّون، عبّروا عن قلقهم إزاء التوطين الذي يسعى إليه البعض، وربطوا مدته، بحدوث انتقال سياسي يسمح بعودة الجميع.

سورية بلا الأسد

إن الرغبة العارمة في العودة، تصطدم كما يشير التقرير بسلسلة هواجس، تشغل أذهان أغلب المشاركين، منها ضمان سلامتهم وأمنهم، وتحقيق انتقال سياسي مستدام، والرجوع إلى مسقط الرأس، وإرساء آلية قضائية تحاسب مرتكبي جرائم الحرب، وتوفّر الفرص الاقتصادية.

غير أن الشكوك تذهب إلى حد أن معظم اللاجئين لا يثقون بعودة الاستقرار والنظام إلى بلادهم، في القريب العاجل، وبينما كان بعضهم على ثقة بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، كان البعض الآخر على يقين بأن الأوضاع ستبقى غير مستقرة لفترة طويلة. وأعربت فرح، من ريف دمشق، عن توقعاتها: في المرحلة المقبلة: لن يكون لدينا حكومة، بل حرب وأمراء حرب، وفوضى النزاع.

ترتكز شروط السلامة واستقرار البلاد، على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وانسحاب القوات الأجنبية والميليشيات المسلحة. ويربط كثير من اللاجئين تحسّن الأوضاع برحيل الأسد، قائلين: إن وجوده يُشعرهم بعدم الأمان ويحول دون عودتهم. وقالت خلود من ريف دمشق: “إذا عُزل بشار الأسد وعمّ الأمن في سورية، فحتى إذا لم يتوفّر طعام أو شراب، سنؤمّن الطحين ونصنعه بأيدينا”.

إن الشرط المسبق للعودة هو السلامة والأمن، تليهما عملية انتقال سياسي مستدامة، توفّر سبل العيش، وإمكانية الوصول إلى المناطق الأصلية والحصول على الخدمات.  ويرى معظم اللاجئين أن هذه الشروط وثيقة الارتباط، وأن إرساء الأمن والسلامة متعذّر من دون تغيير سياسي أو حكومة مختلفة في سورية.

وعلى الرغم من أن توفير الفرص الاقتصادية والسكن اللائق يُعدّ من أولوياتهم، فإنها لا تُعتبر من متطلبات العودة. وفي المرتبة الأولى، تُظهر المواقف أن وجود حل سياسي مستدام وعودة جماعية وطوعية، هما على السواء، رهن عملية سلام دولية تأخذ أصواتهم بعين الاعتبار.

لقد غابت مشاغل وأولويات السوريين عن مفاوضات التسوية السياسية لما بعد الحرب. وبالتوازي مع مسار جنيف، ركّزت المفاوضات المُستمرة في أستانا على مساعي إرساء الاستقرار وخفض التصعيد، وتجاهلت مصاعب اللاجئين والنازحين داخليًا، وتركتهم -كما يقولون- يواجهون خيارات غير مرضية: العودة إلى بلد غير مُستقر، أو مواصلة العيش في ظروف غامضة يغلب عليها المجهول في بلدان مضيفة، أو شدّ الرحال إلى أوروبا عبر رحلة بالغة الخطورة.


علاء كيلاني


المصدر
جيرون