السيناريوهات المتوقعة لمصير النووي الإيراني



المحتويات

مقدمة

أولًا: أهم بنود الاتفاق والخروقات الإيرانية.

ثانيًا: الإجماع الدولي حول عدم التفريط في الاتفاق.

ثالثًا: السيناريوهات المتوقعة:

1 – الدعوة الأوروبية إلى اتفاق إضافي.

2 – تمديد المدة لإصلاح الاتفاق.

3 – التخلّي الأميركي عن الاتفاق.

رابعًا: التحديات التي تواجه المقاربة الأميركية.

خامسًا: الخيارات الإيرانية.

خاتمة

 

مقدمة

ما زالت أزمة البرنامج النووي الإيراني تتفاعل منذ سنة 2002، ففي 12 أيار/ مايو الجاري تنتهي المدة المقررة من الكونغرس الأميركي لإعادة النظر في “إطار العمل المشترك”، الموقّع بين إيران ومجموعة 5+1 في سنة 2015، بعد أن جعل الرئيس دونالد ترامب من مواجهة مشاريع إيران، العسكرية والسياسية، جزءًا من برنامجه الانتخابي. وقد هدّد ترامب، خلال تمديده الاتفاق، بأنها ستكون المرة الأخيرة إذا ما لم يُعدَّل الاتفاق، ما يضعه أمام الاختبار الأصعب. وفي المقابل، فإن إيران ترفض إعادة التفاوض حوله.

إن أسلوب الرئيس ترامب يجعل من الصعب التعرف إلى موقفه النهائي لتحديد الموقف الأميركي حيال الاتفاق، حيث تبدو التوقعات مجازفة، ولكن علينا أن نجتهد في فهم تكتيكاته.

أولًا: أهم بنود الاتفاق والخروقات الإيرانية

نصَّ الاتفاق على رفع العقوبات المفروضة على إيران، بسبب برنامجها النووي، من قبل مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، تعهدت إيران بالحدّ من نشاطها النووي ووضعها تحت الرقابة الدولية. وينصُّ الاتفاق أيضًا على أن بعض القيود التقنية، المفروضة على نشاطها النووي، تسقط تدريجًا ابتداءً من عام 2025. ولم تتضمن الاتفاقية أي بند علني عن التمدد الإيراني في الدول العربية.

وهكذا، فإن إيران حصلت على رفع لمنظومة العقوبات والقيود التي كانت تطوقها، واستعادت بعض أصولها المالية التي كانت مجمدة، وأعفيت من معظم الرقابة في تسليحها لأدواتها وحلفائها في المنطقة، ونالت إقرارًا بأنها دولة نووية، وإن مع وقف التنفيذ إلى عام 2025، هذا كله مقابل تعهد عدم إنتاج السلاح النووي مدة عشرة أعوام، على أن يبقى الباب مفتوحًا أمامها لتطوير البحوث المساعدة لهذا السلاح، ولم يحظ بند الصواريخ بعيدة المدى بأي قيود صارمة للحد من تطويرها أو انتاجها.

وإذا كان الهدف الحقيقي من الاتفاق رفع العقوبات الدولية عن إيران، مقابل تخلّيها التام عن برنامج التخصيب النووي وليس تجميد هذا البرنامج فحسب، فإن الخروقات الإيرانية للاتفاق، وإطلاقها العديد من التجارب الصاروخية الباليستية بعد التوقيع عليه، دعت الإدارة الأميركية إلى عدّ الاتفاق “تسونامي نووي” يتطلب إعادة النظر فيه، وإذا اقتضى الأمر إلغائه.

ثانيًا: الإجماع الدولي حول عدم التفريط في الاتفاق

في انتظار القرار الذي سوف يتخذه الرئيس ترامب، يمكن ملاحظة أن هناك اتفاقًا أوروبيًا على عدم التفريط في الاتفاق النووي، لكن من ناحية أخرى فإن أوروبا لا تستطيع أن تبتعد كثيرًا عن الولايات المتحدة، للأسباب التقليدية المتعلقة بالشراكة في الحلف الأطلسي والحاجة إلى موازنة النفوذ الروسي.

لقد أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا تمسكها بالاتفاق النووي، بوصفه “السبيل الأفضل لاحتواء خطر امتلاك إيران سلاحًا نوويًا”، وشدّدت الدول الثلاث على وجوب “التعامل مع عناصر مهمة لا يشملها الاتفاق”، وتعهدت بالتعاون مع الولايات المتحدة لـ “مواجهة تحديات تطرحها طهران”. وعليه، فقد اقترح الرئيس الفرنسي ماكرون توسيع المناقشات لتشمل “ثلاث موضوعات إضافية لا غنى عنها: برنامج الصواريخ الباليستية، ونشاط إيران النووي بعد عام 2025، والأزمات الإقليمية الرئيسة في الشرق الأوسط”.

من جهته، قال الأمين العام للحلف الأطلسي، في 28 نيسان/ أبريل الماضي، إن الاتفاق النووي “يفرض سلسلة من القيود التي تحول دون حصول إيران على السلاح النووي”، وشدّد على وجوب تنفيذه بالكامل، وأعرب عن “قلق الحلفاء الخاص من برنامج إيران تطوير الصواريخ الباليستية. وهذه المشكلة ليست جزءًا من الاتفاق النووي، وتجب معالجتها خارجه”.

كما نقلت وكالة (تاس) الروسية عن وزير الخارجية لافروف قوله، في 30 نيسان/ أبريل، من بكين “نعارض إعادة النظر في هذه الاتفاقات، ونعتبر أن محاولة إهدار سنوات من العمل الدولي، الذي نُفِّذ من خلال محادثات بين القوى الست الكبرى وإيران، ليعود لنقطة الصفر، سيكون أمرًا سلبيًا جدًا”. كما أعلن الكرملين، في 30 نيسان/ أبريل أن “الرئيسين الروسي والفرنسي أعربا عن تأييدهما للإبقاء على الاتفاق النووي وتطبيقه بحذافيره”.

في إثر اجتماع الدول السبع الكبرى، في 23 نيسان/ أبريل، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون “إن هناك اتفاقًا كبيرًا في الرأي بين دول مجموعة السبع بأن الاتفاق هو الأفضل”، واستدرك “نقرُّ بأن السلوك الإيراني هدّام في المنطقة، وبأن الرئيس الأميركي محق في بعض النقاط التي تجب معالجتها، لكننا نرى إمكان معالجتها داخل الاتفاق”.

ثالثًا: السيناريوهات المتوقعة

عكست استراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي نُشرت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، رؤية الإدارة الأميركية إلى إيران، حيث تمت الإشارة إليها “دولة مارقة” و”داعمة للإرهاب”، وكعامل لزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وقد جاءت تصريحات نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، في أثناء اجتماعه بالقوى المحافظة بولاية مريلاند، في أواخر شباط/ فبراير الماضي، لتشير إلى “مواجهة حتمية” مع إيران، إذ وصف الاتفاق النووي بأنه “كارثي”، وأن واشنطن “لن تقرَّ بعد الآن بالتزام إيران الاتفاق النووي الذي يجمعها منذ سنة 2015 بست دول كبرى من بينها الولايات المتحدة”.

كما نقلت وكالة “رويتر”، في 3 أيار/ مايو، عن مسؤول في البيت الأبيض قوله: إن الرئيس ترامب “يتجه على الأرجح إلى الانسحاب من الاتفاق”، مستدركًا أن الرئيس “لم يتخذ قراره بعد”، وأشار إلى إمكان أن يتوصل إلى قرار “لا يتعلق بانسحاب كامل”. وهكذا، يمكن توقّع السيناريوهات الثلاثة التالية:

1 – الدعوة الأوروبية إلى اتفاق إضافي

جرت محاولات أوروبية لتوظيف تراجع زعيم كوريا الشمالية عن تشدّده في الدعوة إلى اتفاق إضافي مع إيران، إذ سعى الرئيس الفرنسي ماكرون إلى إقناع نظيره الأميركي بتبنّي مقاربة، تقوم على الربط بين الاتفاق وبرنامج إيران للصواريخ البالستية وتدخلاتها في شؤون دول الجوار. فخلال القمة، التي جمعتهما في البيت الأبيض، دعا الرئيس ترامب إلى بلورة اتفاق نووي جديد، يستند إلى أسس متينة، يتضمن الملفات الخلافية كافة. وحذّر المشرّعين الأميركيين والحلفاء الأوروبيين من أن “عدم إصلاح العيوب الكارثية في الاتفاق النووي الحالي سيدفع واشنطن إلى الانسحاب منه”. بدوره، أبدى الرئيس ماكرون تفهمه إمكان توسيع نطاق الاتفاق، بدلًا من التخلّي عن الاتفاق القائم، وفتح المجال أمام جدل عالمي، وأن الاقتراح هنا هو “الشروع باتفاق إضافي تتوافق عليه الولايات المتحدة والدول الأوروبية، يلزم إيران بشروط إضافية تحت طائلة فرض عقوبات جديدة”.

على الجانب الأميركي، يطالب الرئيس ترامب بتمديد أجل الاتفاق المحدد بعشر سنوات إلى مدة أطول قدّرها في أحد تصريحاته بمئة عام، كما أنه يطالب بالسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش ما يتراءى لها من المواقع، وبالذات المواقع العسكرية، وهو ما يتجاوز النطاق المحدد لعمل الوكالة بموجب الاتفاق. ويتضح هنا أن الرئيس ترامب يطرح تعديل الاتفاق وليس استكماله.

وقد يكون الرئيس الأميركي قد قبل اقتراح الرئيس الفرنسي بإمكانية أن يكون هناك ملحق للاتفاق النووي الإيراني، يغني عن إلغاء الاتفاق ومضاعفاته المحتملة، إذا أصر الأوروبيون وباقي الدول الموقعة على الإبقاء على الاتفاق، خاصة بعدما أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، في 29 نيسان/ أبريل، أن الرئيس “يدرس” اقتراح ماكرون بدء مفاوضات في شأن اتفاق جديد موسّع، وزاد “إنه أمر يهم الرئيس ويستحق التفكير فيه”. إضافة إلى ما أعلنه وزير الخارجية بومبيو، في مؤتمر صحفي مع نظيره السعودي في 29 نيسان/ أبريل “سنعمل مع شركائنا الأوروبيين لتصحيح هذا الاتفاق، وإذا لم نتمكن من ذلك فكما صرح الرئيس ترامب سنخرج من هذا الاتفاق، الذي أخفق في تحقيق الاعتدال في تصرفات النظام الإيراني”.

وكانت الخارجية الأميركية، على لسان نائب وزير الخارجية لشؤون الأمن الدولي ومنع انتشار الأسلحة، كريستوفر فورد، قد أعلنت موقفًا لافتًا “الولايات المتحدة لا تنوي مراجعة الاتفاق النووي أو إلغائه، بل تسعى لملحق إضافي يصلح ثغراته”.

2 – تمديد المدة لإصلاح الاتفاق

كان لافتًا، في المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض يوم 24 نيسان/ أبريل، قول الرئيس ترامب “إن على المرء أن يتحلى بالمرونة في الحياة”. وأمام محدودية الخيارات المرنة المتاحة في مواجهة عقدة الملف النووي الإيراني، قد تسمح “مرونة” ترامب بإعطاء الاتفاق مهلة إضافية إلى أيلول/ سبتمبر المقبل، يمكن أن تساعد الحلفاء الأوروبيين في مزيد من التشاور حتى يصلحوا الاتفاق. ويمكن أن يكون هذا السيناريو هو الخيار الذي ستقبل به جميع الأطراف.

3 – التخلّي الأميركي عن الاتفاقية

أعلن الرئيس ترامب، خلال حملته الانتخابية، أنه “سيمزق هذا الاتفاق حال وصوله إلى سدة الحكم في البيت الأبيض”، ولم يتوقف –بعد تنصيبه رئيسًا– عن مهاجمة هذا الاتفاق، الذي وصفه حينًا بأنه “كارثة” وحينًا آخر بأنه “أسوأ صفقة جرى التفاوض عليها”، وطورًا بأنه اتفاق سيؤدي إلى “هولوكست نووي”. ويبدو اليوم عازمًا على الخروج من تلك الصفقة وتطبيق عقوبات صارمة على إيران، وقد طرح أخيرًا “إذا لم يتمكن الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة من تقديم نسخة محسّنة من اتفاق فيينا فإن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاقية”.

رابعًا: التحديات التي تواجه المقاربة الأميركية

تحديات عديدة تحاصر المقاربة الأميركية في التعاطي مع الملف النووي الإيراني، أبرزها: موقف بقية الشركاء في الاتفاق، روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والصين، ولا سيّما أن تلك الدول لا تزال ترى في الاتفاق خطوة إيجابية، يمكن الارتكان إليها في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، والحيلولة دون انفجار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة أصلًا، بما يستوجب الحفاظ عليه ما دامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد التزام طهران بنود ذلك الاتفاق.

ومن الملاحظ أن فريقًا أميركيًا يعمل على إقناع الرئيس ترامب بالتخلّي عن فكرة الخروج من الاتفاق، على اعتبار أن هذه الخطوة “تحمل رسالة سيئة”، وتحرم أميركا من “دفع كوريا الشمالية نحو الوصول إلى اتفاقية معها”. وهذا ما عبر عنه نائب وزير الخارجية السابق طوني بلانكن، في 30 نيسان/ أبريل، وهو الرأي الذي تؤيده مجموعة من نخب السياسة الخارجية وشؤون الأمن القومي الأميركي.

خامسًا: الخيارات الإيرانية

تواجه إيران خيارين: إما خيار الرئيس ترامب، القاضي بإلغاء الاتفاق، أو خيار ماكرون والأوروبيين القاضي بإيجاد ملحق للاتفاق.

لقد استغل وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، المقابلة الصحفية مع مجلة “نيويوركر”، للحديث عن الخيارات الإيرانية، إذ ذكر أن الخيار الأول هو: خروج إيران من الاتفاق بالكامل، والعودة إلى استئناف نشاطها النووي وتخصيب اليورانيوم كما السابق “ولن نسعى بطبيعة الحال لامتلاك قنبلة نووية” على حد تعبيره. أما الخيار الثاني فهو: الاستفادة من بنود الخلافات والنزاعات الموجودة في الاتفاق، التي تسمح بتقديم شكاوى رسمية، وقد تقدمت إيران بالفعل بـ 11 شكوى للجنة المشرفة على تطبيق الاتفاق. ووصف ظريف الخيار الثالث بالأكثر جدية وصعوبة، لأنه “من المحتمل أن نقرر الخروج من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية”.

وكان ظريف قد حثَّ الدول الأوروبية على إقناع الرئيس ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق، إذ كتب في حسابه على (تويتر): “إما كل شيء أو لا شيء. على الزعماء الأوروبيين تشجيع ترامب ليس فقط على البقاء في الاتفاق، ولكن الأهم على البدء في تنفيذ جانبه من الاتفاق بنية صادقة”.

كما أبلغ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، نظيره الفرنسي، في 29 نيسان/ أبريل، بأن الاتفاق النووي مع إيران “غير قابل للتفاوض في أي شكل”، لكنه أشار إلى أن طهران مستعدة للحوار حول قضايا المنطقة. ووفقًا لموقع الرئاسة الإيرانية، فقد شدّد روحاني على أن طهران “لن تقبل بأي قيود جديدة تضاف إلى تعهداتها في بنود الاتفاق”، وأشار إلى أن إيران “وضعت خيارات عديدة في حساباتها لمواجهة أي قرار أميركي مقبل”. ووصف المواقف الأميركية بأنها انتهاك صارخ للاتفاق، كونها تثير قلق كل أطرافه.

وهكذا، في حال أقدمت أميركا على الخروج من الاتفاق، فإن الإيرانيين –على الأرجح– سيخرجون بدورهم منه، ويرجع ذلك إلى أن المردود الاقتصادي للاتفاق، لو انسحبت أميركا، سينخفض إلى الحد الأدنى. وليس مستبعدًا أن إيران، التي تمرست على النهج المزدوج مع الولايات المتحدة، بين التهديدات اللفظية/ خطاب شعبوي، وبين الإنصات باهتمام إلى المطالب الأميركية، ستختار الإنصات باهتمام.

خاتمة:

ترجح معظم المؤشرات أن إدارة الرئيس ترامب ستنسحب من الاتفاق في حال بقي كما هو، ولم تقبل إيران إعادة التفاوض عليه، وإجراء تعديلات جوهرية عليه. وقد يأتي القرار الأميركي في سياق التحضير للقاء الرئاسي التاريخي الأميركي – الكوري الشمالي، للتوصل إلى اتفاق يقضي بتخلّي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي النشط. ويمكن القول إن الكوريين يراقبون سلوك الرئيس ترامب تجاه إيران باهتمام كبير، لاستطلاع مدى وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها مع الحكومات الأجنبية في قضايا الانتشار النووي، ما قد يعقد المفاوضات، ويطبعها بالشك والحذر من قبل الكوريين.


مركز حرمون للدراسات المعاصرة


المصدر
جيرون