الوطنية السورية الجديدة

[ad_1]

هل علينا التذكير بألف باء السياسة، أمام سيل التحليلات العجيبة، على وسائل التواصل الاجتماعي، للأحداث الأخيرة، سواء للضربات الإسرائيلية لمواقع عسكرية إيرانية في سورية، أو للمجزرة الإجرامية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ضد المتظاهرين السلميين في غزة؟!

قد يستغرب البعض طرح السؤال بهذه الصيغة. وقبل الإجابة، أقول: ما جرى، ليس في غزة فحسب بل في كل الأراضي الفلسطينية، ليس معزولًا –في العمق– عمّا جرى في سورية طوال سنوات المقتلة السبع، التي كشفت حجم الإجرام وحجم التعقيدات الجيوسياسية في هذه البقعة من العالم، وإلّا؛ فلماذا يجتمع الشرق والغرب، والقاصي والداني للتدخّل، ولَيّ عنق التاريخ بما يخدم مصالح هؤلاء، بعيدًا من مصلحة البشر العاديين المقهورين الذين يعيشون على هذه الأرض؟!

بالتأكيد، تُبنى السياسات حسب المصالح، وموازين القوى، فالتاريخ لا تصنعه الدعوات والأماني والرغبات، بل المصالح المدعومة بفائض القوة، وللأسف تؤكد أحداث المشرق العربي عمومًا مقولة العالم الفرنسي لامارك: “إن البقاء للأقوى، وليس للأفضل، أو لصاحب الحق”.

لكننا إذا أخذنا بهذه النظرية، بشكلها المجرّد؛ فسوف نصل إلى جدار مسدود، ونقع في اليأس والإحباط، بَيد أن ثورات الشعوب لا تُقاس فقط بهذا المقياس، لا تُقاس بترسانات الأسلحة، وموازين القوى، وقدرة القاتل على القتل فحسب، لا سيما في الصراعات الممتدة المفتوحة، كما هو حال الصراع في فلسطين وفي سورية، الذي بات أيضًا صراعًا مفتوحًا وممتدًا، بعد الاحتلالات متعددة الجنسيات للأرض السورية. السبب أن الثورة “فكرة” لا تُهزم، وإرادة الشعوب في مقاومة الاحتلال لا تُقهر، مهما طال أمد الصراع، واختلّ ميزان القوى. قد يشعر الطغاة المحتلون بنشوة الانتصار، وفائض القوة إلى حين، إلّا أن محاولتهم لوضع حدّ نهائي لهذا الصراع، باختراع حلول أو سيناريوات مزورة، لا تستقيمُ ولا تُشرعن، مهما فعلوا ومهما استعرضوا من رايات الغطرسة والقتل والتدمير. هذا الكلام ليس شعرًا، أو أمانيّ، بدليل أن مئات الآلاف التي خرجت في غزة، والأراضي الفلسطينية، قد عكرت نشوة نتنياهو وجماعته، كما قال أحد المسؤولين الإسرائيليين، بما اعتبره انتصارًا للدولة الصهيونية. هذه الجموع التي تظاهرت سلميًا، وواجهَت الرصاص الحي بصدور عارية، كشفت ليس فقط قبح الاحتلال وإجرامه، بل كشفت أيضًا عجز الأنظمة العربية، والمجتمع الدولي ومنظوماته، وانهيار القيم الأخلاقية لمؤسساته، وذكّرت العالم أنه لا يستطيع إغماض العين إلى ما لانهاية، عن أن هناك شعبًا له حق، وهو ما برح، بعد سبعين عامًا على نكبته، يطالب بحقوقه، على الرغم من قوافل الشهداء، وسيول الدماء التي لم تتوقف جيلًا بعد جيل.

كيف يمكن لترامب أو غيره أن يسوّق حلولًا مزيفة، بالحديث عن “صفقة القرن”، أو غيرها من الصفقات المشبوهة، عبر خلط الأوراق، وتزييف الحقائق؟!

أعتقد أن راعي البقر الأميركي، رغم كل عنجهيته، ما كان ليجرؤ على القيام بهذه الخطوة، ونقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، لولا حالة الضعف والتشرذم، والاستنزاف، واستبداد الأنظمة العربية في مواجهة شعوبها، والخيانات، والأخطاء الفادحة للأحزاب والفصائل والنخب المعارضة… كل ذلك أوصلَنا إلى القاع الذي نحن فيه الآن. هذا الأمر هو نتيجة لسياق طويل من الصراع، تخللته هزائم. نعم هزائم للأنظمة المستبدة، والقوى والأحزاب التي رفعَت شعارات خلّبية، وتبنت خطابًا خشبيًا أفضى إلى ما نحن فيه. نذكُر في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، خروجَ مصر من معادلة الصراع مع العدو، بعد اتفاقية كامب ديفيد، ولحق بها الأردن بعد اتفاق وادي عربة، ثم هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى، ومن ثم الاحتلال الأميركي له، وتفتيته، وتسليمه إلى النفوذ الإيراني الذي تمدد في العمق العربي، وفي السياق اتفاق أوسلو الذي أنتج سلطة فلسطينية عاجزة، سوّقت وهم التفاوض مع “إسرائيل” الذي لم ينتج عنه سوى المزيد من قضم الأراضي، وبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وتهويد القدس، وفرض حقائق جديدة على الأرض، أطاحت أيّ إمكانية موضوعية لحل الدولتين، وزاد في الطنبور نغمًا الانقسام العميق بين (حماس) التي سيطرت على غزة، وسلطة رام الله، لكن الأهم من كل ما سبق هو إجهاض بارقة الأمل التي لاحت مع اشتعال الربيع العربي، الذي حوّلته الثورة المضادة إلى خريف بائس، لا سيّما في سورية التي جعلها نظام الاستبداد محرقة، أكلت الأخضر واليابس، حيث أطلق من سجونه المجرمين، وغلاة المتطرفين، كي يثبت للعالم أنه يواجه الإرهاب، وليس شعبًا يطالب سلميًا بالحرية والكرامة، ثم استدعى قوى الخارج من ميليشيات طائفية، وبعدها الإيراني والروسي. هؤلاء لم يتدخلوا لسواد عيون النظام، بل لخدمة مصالحهم، وجاء بعدهم الأميركي والتركي، في البداية عبر الوكلاء المحليين، ثم عبر الغزو المباشر، ولم يكن الخليجي بعيدًا من التدخل عبر أدواته، وماله السياسي، وأجنداته، وخطاب جماعاته الإسلاموية، التي شوهت الصراع، وعمقت الطائفية السنية، في مواجهة الطائفية الشيعية للطرف الآخر؛ فاختلط الحابل بالنابل، وانكشف ما كان مستورًا في المجتمع السوري، من غياب للهوية الوطنية الجامعة، حيث طفت على السطح الهويات الجزئية: الطائفية، والمذهبية والعشائرية والإثنية والمناطقية… وفي الأثناء، كانت “إسرائيل” الحاضر – الغائب تراقب عن كثب، بسعادة غامرة، كل ما يحدث في البلد المجاور، لأنه يصبّ في مصلحتها مجانًا، خاصة أن حليفها الاستراتيجي أدار الأزمة، دون تدخل مباشر لحلّها، عبر تفاهمات كيري – لافروف التي ظلت طيّ الكتمان. بعد تورط الأميركي والتركي، وحينما حلّت ساعة الحقيقة، كما يُقال، تدخل الأميركي بشكل مباشر لرسم الخطوط الحمراء، بما يخدم مصالحه، ومصالح حليفته الاستراتيجية التي لم تقصر بدورها، عبر قيام رئيس وزرائها نتنياهو بزيارات مكوكية إلى الكرملين، للتفاهم مع بوتين؛ الأمر الذي أتاح لـ “إسرائيل” حرية استباحة الأراضي السورية، كلّما دعت حاجتها إلى ذلك.

ليس لدى “إسرائيل” مشكلة في تدخّل “حزب الله” في سورية، ولا في تدخل إيران، طالما أنه يعمّق ويسعّر الطائفية، ويسهم في تفتيت المجتمع السوري، وطالما أنه بات فزّاعة تخيف دول الخليج الغنية، وها هو حليفها قد استغلّ المسألة، وحصد المليارات من تلك الدول تحت مسمّى “صفقة القرن”، التي لم يتسرب منها سوى النيّة لعقد تحالف بين الدول السنّية و”إسرائيل”، لمواجهة الخطر الإيراني، وإيجاد حلّ ما للقضية الفلسطينية، لا أحد يعرف قوامه، أو ماهيته… مقابل الاعتراف والتطبيع الكامل مع “إسرائيل”، الذي لاحت بوادره في كثيرٍ من المواقف، والتصريحات المتبادلة لكلا الطرفين.

من جهتها استثمرت إيران، ومعها حلف “المقاومة والممانعة”، بالشعارات فقط، قضيةَ فلسطين والقدس، من أجل توسيع نفوذها في الحواضر العربية، وعينها على استعادة أمجاد فارس، على حساب دماء شعبنا، وها هي تدفن رأسها في الرمال أمام اللاعبين الكبار، بينما انكشفت عورتها، حينما تعرضت لضربات إسرائيلية موجعة، دون أن ترد، بل تنصلت من مسؤولية رشقات الكاتيوشا التي أُطلقت على الجولان المحتل. نظام “الملالي” هو نظام شمولي مستبد. أفقر شعبه، وهو في سورية غازٍ، محتل، يجب كنسه مع باقي الغزاة المحتلين للأرض السورية؛ الأمر الذي يعيدنا إلى أننا أمام صراع ممتد، وبالتالي فكرة أن الثورة السورية لم تُهزم، وإرادة الشعب لا تُهزم. نعم يتساقط الأقزام، والانتهازيون، والمتسلقون على الثورة، وتجار الحروب، لكن جوهر الفكرة يبقى حيًا، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر، وإعمال الفكر، في البرامج والأدوات وآليات العمل، للنهوض مجددًا. وأحيلكم في هذا السياق إلى دراسة نظرية قيّمة للدكتور يوسف سلامة، قدّم فيها رؤية عميقة لمفهوم الهوية الوطنية السورية، يمكن البناء عليها.

حللّ سلامة أسبابَ سقوط فكرة “الجامعة الإسلامية”، وسقوط فكرة “الجامعة العربية”، ودعا إلى ما سمّاه “الجامعة السورية”، التي تسمح بالتعامل مع الأوضاع والمتغيرات القائمة، وتضع حدًا للفوضى الهوياتية، سواء في الحالة السورية، أو الفلسطينية.

تحتاج المسألة إلى حوار جاد، للبناء عليها، لتنمية وعي وطني يجمع كل الطوائف والديانات والإثنيات، في إطار “الجامعة السورية”. هي إذن دعوة إلى بلورة “وطنية سورية جديدة”، تستهدف تنمية الوعي السوري بذاته، بوصفه وعيًا وطنيًا يجمع كل مكونات الشعب.

علي الكردي
[ad_1]

[ad_2]

[sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]

جيرون