ثنائية المذهب – الوطن (العلويون مثال)



بداية لا بدّ من توضيح مهم حول المصطلح، فحين نستخدم كلمة “العلويون”، نبدو وكأننا نضع الجميع في سلة واحدة، ونطلق أحكامًا جمعية على طائفة ليست موحدة الموقف، ولا الاتجاه، ففيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المعارضين الأشداء للنظام إلى الماسكين بمفاصل الدولة وأجهزة الأمن، وقطاع واسع من الشبيحة الذين تحرّكهم غرائزهم وعقولهم وما عرفوه من غسل للدماغ، ومن انضواء في خندق الطائفية.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه: هل فعلًا جميع العلويين، أو أغلبيتهم الساحقة، مع النظام، ومستعدون للتضحية في سبيل استمراره، مهما فعل بالبلد وبحاضر ومستقبل الطائفة؟ أم أنّ هناك تفاعلات مهمة داخل هذا المركّب العام والمتناقض لا تظهر على السطح، وبما يسمح للكثيرين من المصابين بردة الفعل، أو من الطائفيين السنّة وغيرهم، بإطلاق أحكام بالجملة على الجميع، والتشكيك في مواقف ونضالات وتاريخ عدد مهم من المعارضين، ومن المحسوبين على الثورة؟

بداية، يجب الاعتراف بأن قوى وهيئات المعارضة لم تهتمّ بدراسة هذا الوضع من داخله، أو من مسافة قريبة، ولم تتعرّف بدقة إلى الحراك الذي يجري، والاتجاهات الموجودة، وموقف قطاع مهم من الثورة، ومن نهج النظام ومآله، ومستقبل الناس أمام الأرقام التي تتحدث عن مقتل عشرات الآلاف من أبناء الطائفة، جلّهم من الشباب، ضحايا سياسات النظام وما فعله، وتأثيرات ذلك على المحيط، ناهيك عن أُسر هؤلاء وعائلاتهم، وما تردد كثيرًا عن وجود نقمة عامة ضد ما يجري، وقلق كبير من مسار الأمور، وعن سؤال: إلى أين يأخذنا هذا النظام العائلي.

لم تقم هيئات المعارضة بدورها المأمول في تخصيص جزء من عملها لدراسة هذه الوضعية، ومحاولة إحداث اختراقات مهمة في صلبها، كما أن الخطاب التقليدي لم يكن مناسبًا وبقي على حاله طوال السنوات، بل إنه شهد تراجعات ملموسة متأثرًا بالجو العام، وبسيطرة الإسلاموية، وردّات الفعل، وهنا لم يكن المقصود ما يسمى بالضمانات، وإنما ذلك الخطاب الذي يتعامل مع جميع فئات الشعب بروح المسؤولية، والوحدة الوطنية بغض النظر عن منسوب المؤيدين للنظام.

كان ذلك ممكنًا، ومتاحًا، خاصة في السنوات الأولى للثورة، وحين كانت الأعداد المنضوية إليها كبيرة، وكان النظام يتهاوى ضمن حالة قلق عام من مجهول غير معروف. على العكس من ذلك، فقد تأثر وتلوّث كثير من المعارضين بموجات ردّات الفعل، واستسهال إطلاق الأحكام والتوصيفات القاسية، واتهام أغلب العلويين، حتى المنخرطين بالثورة والمحسوبين عليها، بأنهم جزء من ترسانة النظام وأدواته، وأن تلك المواقف كاذبة، وجزء من حالة الباطنية، أو “التقية”؛ بما قدّم خدمات جلّى للنظام تصبّ في مخططه المدروس لتصوير الصراع معه على أنه طائفي، وأنه يستهدف العلويين جميعًا، و”الأقليات” الدينية والإسلامية عمومًا، وأنه لذلك يتولى حمايتهم من القتل على الهوية، ومن الإبادة، وقد نجح إلى حدّ بعيد، مستندًا إلى، ومستفيدًا من التحولات الكبيرة التي عرفتها الثورة باتجاه الأسلمة، والابتعاد عن جوهر أهدافها في الحرية والكرامة والعدالة، وإشاعة أجواء طائفية مقابلة، وكأنّ الأمر يخصّ “أهل السنة والجماعة” وقناعة كثيرين، ومن ضمنهم بعض المحسوبين على اليسار والعلمانية، بأن السنة مستهدفون، وأن الصراع في جوهره مذهبي تقوده إيران بمشروعها القومي، المذهبي، وعمليات التشييع الحثيثة التي تقوم بها، واختراقها لعديد المجتمعات العربية من داخلها، ووجود عشرات الميليشيات الطائفية التي تناصر النظام من هذه الخلفية.

في المقابل، هناك بيئة شائعة لدى الوسط العام العلوي، يختلط فيها التاريخ بمركبات سياسية تتجلى في الخوف من الآخر الأكثري، وهنا تحضر المظلومية التاريخية التي يوظفها عدد كبير من العلويين السلطويين والتابعين للنظام وتتشابك مع الخيارات الفكرية، والوطنية.

البيئة العامة لديها حالة “فوبيا” من الإسلام عمومًا، والسياسي منه بوجه الخصوص، ويركب في ذهنها تاريخ طويل من الصراعات، وصولًا إلى استنتاجات بالاستهداف والعداء إلى درجة الاستئصال. هذه الحالة كانت كالموج المتفاوت بين عموم الفئات المحسوبة على المعارضة التي أقبلت على الثورة -بداية- بترحاب وفاعلية، إلى جانب أعداد مهمة من الشباب الذين امتزجوا مع غيرهم أشهر التظاهرات السلمية، وتلك الحميمية التي عززت الروح الجماعية الوطنية، لكنها سرعان ما أخذت بالتراجع المتصاعد، إلى درجة ندرة وجود محسوبين على الثورة في صفوفها.

العامل المباشر يرتبط بتلك التطورات التي شهدتها الثورة، خاصة بعد سيطرة العَسكرة على السياسي، ثم طغيان الأسلمة بكل أنواعها المتشددة والنابذة للآخر غير السني، وتجسيد ذلك في سلوك وممارسات كانت تدفع الكثيرين (من أبناء الأقليات وغيرهم) إلى مراجعة مواقفهم. قسم اكتفى بالحياد وتجميد النشاط، وقسم آخر زاوج بين قناعاته السابقة وبين ما توصل إليه؛ فوضع رجلًا قريبة من الثورة، وأخرى تصبّ في خندق النظام، بينما التحق عدد من هؤلاء مع النظام، وبعضهم خلع شعاراته اليسارية منذ البداية، وساند النظام ضمن أدلجة مشوّهة وتبريرات مغشوشة.

كان واضحًا وجود صراع داخلي قوي لدى الكثيرين من هؤلاء بين خياراتهم الفكرية السياسية ومؤثرات النشأة والمحيط، وانتعاش هذه المؤثرات على وقع ما عرفته الثورة من تطورات باتجاهات إسلاموية، دفعت الكثيرين إلى التعبير الواضح عن خيبة الأمل، وأنهم لا يجدون أنفسهم في صفوف الثورة، وأن عليهم أن يقدّموا شهادات حسن الوطنية والصدقية لمن هبّ ودبّ وعربش على الثورة في مواقع قيادية، وأن مؤسسات الثورة التي قامت، المجلس الوطني فالائتلاف أصيب بهذه اللوثة التي كان التعبير عنها بأوجه مختلفة مباشرة، أو ضمنية، ووضع العلويين المحسوبين على الثورة ضمن حيّز الاشتباه حتى لو أثبت كل يوم أنه مخلص لها، ومرتبط بها. ناهيك عن أن التعامل مع المعارضين كعلويين كان مبعث غضب واستنكار لدى من كانت خياراته الفكرية مناقضة، ومعادية للتصنيف المذهبي، وحتى للحالة الإيمانية، والتمسك بالعلمانية، والتشدد بها.

للأسف، هذه حالة باتت عامة، واجتاحت أغلبية “العلويين” الذين التحقوا بالثورة ثم انفضّوا عنها، إلا ما ندر ممن بقي في صفوفها يكافح في ميادين مختلفة، فهو لدى النظام العدو الخطير، ولدى البيئة الشعبية العلوية المارق والخائن، وهو بين زملائه الثوار مشتبه به، أو يُعامل بصفته المذهبية، وليس وفق خياراته السياسية.

هذه الحالة الجاثمة، التي زادت انتشارًا في السنوات الأخيرة، وبعد استعادة النظام لمعظم المناطق التي كانت خارج سيطرته، حالة خطيرة لا يمكن الصمت عليها، أو إهمالها، بل يجب وضع التصورات لمعالجتها، والخطط لتجسيد سياسة جديدة من قبل هيئات المعارضة، وفتح حوارات صريحة مع المعارضين من الطائفة، توصلًا إلى تفاهمات مشتركة حول الحاضر والمستقبل، وتحقيق الاصطفاف الوطني العريض.


عقاب يحيى


المصدر
جيرون